المحتوى الرئيسى
alaan TV

تشي أوباما!!بقلم:صلاح حميدة

05/21 21:59

تشي أوباما!! صلاح حميدة   لو أنّ الثّائر الأممي تشي جيفارا قام من قبره، وسمع الرّئيس الأمريكي وهو يتحدّث عن دعمه وتأييده للثورة الشّعوب العربية، لهرول فزعاً مما سمعت أذناه ورأت عيناه، ولاعتقد - للوهلة الأولى - أنّ رمز الإمبريالية العالمية، أصبح يستحق أن يقرن باسمه، ولكنّه كان سيعود إلى رشده بعد أن يستمع لموقف الولايات المتّحدة الأمريكية من أكثر القضايا أحقّية ومظلوميّةً في العالم، ألا وهي القضية الفلسطينية، وسيعود إلى قبره وينام قرير العين، لأحقيّته بهذا اللقب دون غيره، ولعلمه بأنّ الشّعوب العربية - من إسلامييها إلى يسارييها - مشت في مسيرات ضد أنظمة القمع وبعضها يحمل صوره. لم أتوقّع أن يأتي خطاب أوباما بجديد، ولم أهتمّ له كثيراً، ولكنّ حالة الجدل التي تبعته دفعتني لإعادة قراءة الخطاب، فمن جانب الصّراع على فلسطين بين مغتصبيها وأهلها الشّرعيين، كان الخطاب تقليدياً، ولا يخرج عن السّياق العام، ومن السّذاجة تأمّل شيء إيجابي في هذا الصّدد. أمّا فيما يتعلّق بما يجري في العالم العربي من ثورات شعبية، و مطالب الحرّية والكرامة، فقد أسهب الرّجل في خطابه بكلام عاطفي، هذا الكلام يعتبر امتداداً لخطابه الشّهير في القاهرة، وهو الخطاب الّذي لم يكن سوى ضحك على ذقون من حضروه، بل أبرز استخفاف هؤلاء بالعقل والشّخصية العربية، وقرر حينها التّعامل ودعم  النّظم الإستبداديّة التي ثارت وتثور ضدّها الشّعوب العربية الآن، وهو - في حينها- كان ينفض يديه من نظريّة المحافظين الجدد التي كانت ترى بفرض الإنتخابات والدّيمقراطية على الأنظمة الإستبداديّة، معتقدين أنّ ذلك سيحمي مصالح أمريكا وإسرائيل، ولكن الإنتخابات والدّيمقراطيّة جلبت حركة "حماس" إلى الحكم، ورسبت الإدارة الأمريكيّة الجمهورية، ومن بعدها الدّيمقراطية بقيادة أوباما، في امتحان تبنّي إرادة الشّعوب. فاجأت الثّورات العربيّة الأنظمة العربية والولايات المتّحدة الأمريكية وأوروبّا وبقيّة العالم، بل فاجأت من قاموا بها، وهم الشّعوب العربيّة، وفاجأت الأحزاب والحركات السّياسية والدينية، ولهذا لم يكن يقف على رأسها أحد، ولم يتجرّأ على تبنّي إطلاقها أحد، ولكنّ الشّعوب العربيّة هي من كانت صاحبة اليد والسّبق في كل شيء، ولحق بها الجميع. حاولت أمريكا والغرب والأنظمة العربية وأد الثّورة العربيّة في كل من تونس ومصر، وفي الدّول الأخرى، واتّبعت في سبيل ذلك أساليب كثيرة، فاختلقت صراعات طائفيّة ومناطقيّة وعرقيّة ودينية لإجهاضها في مهدها، ولا زالت حتّى الآن. ولمّا فشلت وتراوح بين الفشل والنّجاح في بعض المناطق، فهي تحاول الآن احتواء هذه الثّورات، إمّا بتحريك القوى الظّلامية التي كانت تحكم تلك الدّول من قبل، أو بتحريك قوى كانت تنادي بالدّيمقراطيّة والحرّية، ولكنّها عندما أيقنت أنّها لن تحظى بثقة الشّعب، أخذت تعمل لإجهاض الثّورات من خلال الضّغط لتأجيل الإنتخابات والإتيان بدكتاتور جديد حسب المواصفات الأمريكية.   خطاب أوباما كشف إستراتيجية إجهاض الثّورات العربية - التي أنجزت والتي هي في طور الإنجاز- وأهم ركن فيها يتمثّل في الدّعم والمدح العلني لهذه الثّورات، والإدّعاء أنّها تخدم السّياسية الأمريكيّة، وتسير وفق رؤيتها في العالم، وهذا كلام مضلل يهدف لتشويه الثّورات التي هي صناعة عربيّة خالصة، أمّا دعم الغرب تلك التي في ليبيا مع ترددّ حتّى الآن، فيهدف لكسب الوقت وترتيب المستقبل الليبي بطريقة تخدم المصالح الغربيّة،  و لابتزاز الشّعب الليبي وسرقة ثرواته، وليس حبّاً في ليبيا ولا رغبةً في رؤية الليبيين أحرار، ولكن إجرام عائلة القذّافي هو من دفع الأمور إلى هذا المنحى، ولا زال الشّعب الليبي يدفع من دم أولاده ثمن الحرّية بالحرب على الأرض، ولو كان أوباما ومن معه جادّين في دعم الثّورة الليبية لقضي على القذّافي ومن معه في فترة قصيرة. كشف خطاب أوباما عن خلل في الرّؤيا الأمريكية للواقع العربي وللثورات العربية، فمن الواضح أنّ طبيعة الكلام الذي كان في خطاب أوباما في القاهرة قبل سنوات، لا يصلح لمخاطبة الجماهير العربية اليوم، فأهمّ ما ثار عليه الشّعب العربي هو الخطابات العاطفية الجيّاشة، والكلمات الرّقيقة التي تلامس شغاف القلوب، والقول بشيء وفعل شيء مناقض تماماً، وهذه كلّها صفات الحكّام العرب وخطاباتهم التي سئم منها الشّعب العربي، ولذلك ينطبق على أوباما المثل القائل : ( رايح على الحج والنّاس راجعين). من أهم  ميّزات الثّورة العربية أنّ الشّعوب هي قائدة نفسها، والفارس القائد الّذي يتسلّق الثّورة ويسرقها لم يعد له وجود في المخيّلة العربية، ولذلك فشلت حتّى الآن محاولات الثّورة المضادة وتسلّق وسرقة تضحيات الجماهير، ولا تزال الجماهير يقظة ومتنبّهة وتنظر بعين الشّك والتّدقيق في كل من يطرح نفسه مرشّحاً للإنتخابات القادمة، وتقول له : ( أرنا ما عندك على أرض الواقع، ولا نريد كلاماً عاطفياً). ولعل أوباما ومستشاريه وجدوا أنّ ثورةً بلا قائد تاريخي وقومي- أو ربّما أممي- تحتاج لقائد،  وهذا القائد يتمثّل في شخص يمتلك موهبة في الخطابة، وإسم والده حسين، ولونه أسود، وسيحدّث الشّعوب العربية بكلام عام عن دعمه لثورتهم، وسترفع الشّعوب صوره، وتهتف باسمه، وسترفع الأعلام الأمريكية، وسيمتطي رقابها كما يمتطي الكاوبوي حصانه، ولعلّي أشفق عليه من سذاجته وسذاجة من نصحوه بأن يضع نفسه في هذا الموضع، فالشّعوب العربية ثارت وخلعت عنها ثوب عقليّة القطيع التتي تقاد من عبد يمتلكه سيّد البيت الأبيض، فكيف بسيّد البيت الأبيض نفسه؟. تشترك الأنظمة القمعية  مع رؤية أوباما في نظرته الحيوانيّة للشّعوب العربية، وهذا تفسّره سلوكيّاتهم جميعاً بلا استثناء، بل يحاول بعض مروّجي نظريّة المؤامرة - من صحفيين وسياسيين- يحاولون توصيف الحراك الشّعبي العربي بأنّه استحمار أمريكي لها، وبعضهم يراها مثل توجّه الأسماك نحو الضّوء الّذي يأتيه من شباك الصّياد، فتهرول لموتها دونما تفكير مدفوعة بالغريزة، أو ربّما كالكلب الّذي يصل غريزياً للحركة نحو الهدف مع رنّة جرس، ولكن بلا لحم للغذاء في المرة الأخيرة، وهذا كلّه يتمّ عبر فضائيات يرون أنّها هي الأخرى أدوات للمخابرات الأمريكية. الغريب أنّ مطلقي صفات الحيوانية والتّحرّك حسب الغريزة على الشّعوب العربية أعلاه، ثلاثتهم ( ناصري لبناني، و متحزّب لإيران وسوريا لبناني، ويساري فلسطيني معروف) وبهذا يتشارك هؤلاء في تعميم صفة الجهالة على الشّعوب العربيّة، مع أوباما الّذي يعتقد أنّ هذه الشّعوب لا زالت تفكّر بعقليّة القطيع وستمكّنه من امتطائها، بل يعيدنا هذا إلى ما يريده هؤلاء من تيئيس للشّعوب من ثوراتها، وإيصالها لقناعة أنّها تفرّ من عميل أمريكا المستبدّ إلى أمريكا المستبدّة، وبهذا يدعون ( القطيع) للعودة إلى (الحظيرة). كما يعكس هذا الكلام  رؤيتهم و نرجسيّتهم واستعلاءهم على شعوبهم، وتقمّصهم دور المفكّر الّذي يفهم في مقابل جموع غبية لا تفقه شيئاً. هذه مرحلة إمتلكت فيها الشّعوب العربية زمام عقلها وسلوكها، وهي تدفع ثمن ذلك من دمها أنهاراً، وستعمّم الثّورة على الجمهوريّات والملكيّات العربيّة، ومن يظنّ أنّه بمأمن من غضبة الشّعوب على استبداده وفساده فهو واهم، كما ان من يتوهّم في الغرب أنّ هذه الشّعوب ستلقي بصور شهدائها، وترفع صوره وكأنّه ( تشي أوباما) فهو مخطىء وسيكتشف ذلك قريباً جداً، بل أجزم بأنّه يدرك، ولكن هذا الخطاب جزء من لعبة لتبادل الأدوار بين من يقتلون الشّعوب ويتّهمونها بالخيانة لحساب أمريكا، وبين أمريكا التي تسعى لوأد تلك الثّورات في مهدها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل