المحتوى الرئيسى

> حتي لا تنفجر في وجوهنا عبوات مزيل العرق

05/21 21:01

كتب - وحيد الطويلةكنت في زيارة لقريتي في النقطة البعيدة من شمال مصر، تصادف أن كان الوقت في أحد الأعياد، ووجدت الجو قاتما لأول مرة علي غير العادة، إذ نشبت معركة صامتة ما لبثت أن تحولت إلي معركة علنية بين الناس البسطاء في قريتي وفريق جديد من بينهم، حول الجهر بتكبيرات العيد قبل وبعد الصلاة وحول شكل الزكاة، وسرعان ما انتصر الفريق الجديد الذي ينادي بوأد الجهر والتكبير، واكتفي الفريق الآخر بالصمت والهمهمة أحيانا، وخرجت الزكاة في معظمها علانية علي هيئة صاع أو أكثر من قمح وما شابهه، ولم يجرؤ أحد بعدها علي قراءة سورة يس ترحما علي روح ميت ولو في سره، وانتشرت ذقون غير مشذبة وبات الحلاقون في أزمة عمل. قال ابن عمي - وهو حاصل علي بكالوريوس التجارة - إن ذلك اتباعا ومجاراة لعمل السلف الصالح، وكسبا للثواب في الدنيا والآخرة، ولما حاولت مناقشته صرخ، وقال إن اخاه الذي تخرج في كلية الزراعة منذ عشر سنوات تحول إلي فلاح فيما تبقي من أرضه الصغيرة - التي باعوا معظمها للصرف علي التعليم - بدل أن يكون مهندسا، بعد ذلك همس في أذني وقال إن الجماعة في أمن الدولة هم الذين يدعمون الشباب الجدد في القرية وهم الذين ينظمون أمر الاخوة السلفيين وأنهم وعدوه بأن يجدوا له وظيفة. أضرب كفا بكف، واتساءل عن العلاقة بين السلفية وأمن الدولة، ما الذي تغير وكيف ومتي، في مكان ناء قائم علي القبلية والعصبيات وبساطة التعامل مع الدين ولا أثر علي مدي تاريخه للعنف ولا للتطرف في شيء. وانتهت المناقشة حين قال بأسي إنه لا يستطيع متابعة الانفاق علي تعليم كل العيال. بعد الثورة وفي إحدي الدول الخلجية ابتسم في وجهي أحد مواطنيها وسمح لي بالمرور سريعا علي غير العادة قبل الثورة، وقال تعيش مصر، هذه الدولة حسبما سمعت لم تعد تقبل الحاصلين علي الشهادات العليا من الجامعات المصرية الحكومية منذ خمس سنوات، لتدني مستوي الخريجين فيها. طوال عمري لم أحلم لأطفال قريتي بأكثر من التعليم، كنت أقارن ما كابدناه لنتعلم - وهو تعليم بسيط إن لم يكن متديناً - بما هو متاح لأقراننا في المدن، كنت أحلم بأن يتعلم ابن أخي الذي يعيش في القرية تعليما يقارب ما تدرسه طفلتي التي تعيش في القاهرة والتي تشاركه نفس العمر والألعاب ليحصل ذات يوم علي فرصة عمل وليجد لغة مشتركة يتقاسمانها حين يكبران. اعترف أنني كنت ساذجا وربما حالما في أفضل التوصيفات حين اعتقدت أو هكذا كنت أتصور أن ثورة الاتصالات في أبسط أشكالها عبر جهاز الكمبيوتر سوف توفر معرفة واحدة للطرفين، لكنني اكتشفت بعد فترة أنني واهم، وأن الشقة تتسع وأن الحوار بينهما بدا متعارضا تماما وأن كلاً منهم يتحدث بلغة ضد الآخر. كنا مستغربين حين عرفنا أن الرئيس الأمريكي الراحل ريجان قد وجد أول ملف علي مكتبه بعنوان «أمة في خطر» عن تراجع التعليم وما يعنيه ذلك من تأثير خطير علي مستقبل أمريكا، كان ذلك في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، كان الأمر أشبه بناقوس يدق الخطر علي أكبر امبراطورية في العالم، ما بالك بقريتنا التي لم تحسب كمكان علي الأرض إلا حين صورها موقع جوجل ايرث. ما الذي تغير في السنوات الثلاثين الماضية، أهو نهب فقط للموارد وتجريف للأحلام وصعود المتطرفين من كل الاتجاهات علي أعلي الكراسي وبأعلي الأصوات وأقواها ما الذي تغير بحق في نسيج المجتمع الوسطي القادر علي صهر كل وافد والقدرة علي تطويعه وطبعه بطابعه هو دون أن يفقد بوصلة التجديد أو يرفض الآخر. أقول ذلك والأنباء تتواتر عن أن وزير التعليم قد اختار الروائي الكبير خيري شلبي للمساهمة في تطوير مادة التعبير في المدارس، وهو نبأ جيد لكن هل يكفي شلبي وحده، أين الرؤية المتكاملة لإصلاح المجتمع ككل والقدرة علي ايجاد أرض حقيقية للعيش المشترك مهما اختلفنا. بالطبع ليس التعليم وحده، وإنما ما يستتبعه وينبني عليه من ثقافة وإعلام وبحث وقدرة علي الحوار تعترف بتقبل الآخر.أقول ذلك كي نعرف كيف نناقش قضايانا بعمق وهدوء ووعي بعيدا عن الشعارات التي تعبئ الناس، كأن أسهل شيء ألا تناقش الآخرين، كأن ما هو أسهل منه أن تتهم الآخرين وأن تجيش الجيوش ضدهم، وما قاله د.صبحي صالح في مؤتمره الأسبوع الماضي ليس ببعيد، كأننا نستعيد الشعارات التي يرفعها طغاة الفكر والحكم، إن لم تكن معي فأنت ضدي. أقول هذا بعد غزوة الصناديق التي أشبعت كلاما، لقد شعرت بالحذر ولا أقول الخوف حين قال عصام العريان ودماء الاستفتاء علي الدستور لا تزل ساخنة: إن الإخوان لن يقصوا أحدًا، قالها بلغة المغرور المنتشي الذي أمسك بناصية الحكم والوطن، وبالطبع لا أخفي قلقي من التصريحات الاستعراضية الواثقة التي تقول بأن فريقا سينافس فقط علي نسبة من المقاعد في الانتخابات المقبلة، وكأنه يمنح الآخرين هبة، وكأنه يدعوهم ليخافوا أكثر بدل أن يطمئنوا. لقد وقفنا جميعا مع السيد خيرت الشاطر - علي سبيل المثال، رغم أننا قد لا نشاركه نفس الأفكار - وقفنا معه ضد اختطافه وسجنه من قبل النظام البائد، وقفنا ضد تحويله لمحكمة عسكرية بدل محكمة مدنية، وقفنا مع حريته رغم اختلافنا معه، ولم يخرج من السجن إلا بعد أن قام أبناء الثورة بها ولولا الثورة لما خرج حتي الآن، لكن تصريحاته الأخيرة إنما تقف علي الجانب المضاد تمامًا لما نادت به الثورة ولما قامت من أجله. هذا الكلام بالطبع ليس ضد أحد بعينه، لكنه عينة مما بسود الأجواء، بما يشير إلي أن مسألة الديمقراطية ليست في قلب اللعبة، وأن هناك من يجاهر بالتعصب الديني والطائفية والدولة الدينية والقفز علي ثورة قام بها شباب من أجل دولة مدنية عصرية عمادها الديمقطراية والعدالة الاجتماعية والدستور الإنساني الواضح، لا ليستولي في النهاية دعاة التطرف ورموز التطرف الديني علي الساحة. في زيارتي الأخيرة بعد الثورة للمدينة الكبيرة التي تتبعها قريتي، سمعت سيدة تأمر الصيدلي بأن يرفع كل عبوات مزيل العرق ومساحيق التجميل، وبقية الحكاية معروفة. أتذكر للمثقف المصري الراحل شكري عياد جملة واحدة: كان يجب نعلم الناس حتي يقفوا معنا، أو بالأحري يقفوا مع أنفسهم، أقول ذلك وأنا أبحث عن دور حقيقي للمثقف لا يتعالي فيه علي هؤلاء حتي الذين يقفون أمامه بسلاح التطرف والنظرة المتخلفة الضيقة، دعوة لا ينظر فيها إليهم علي أنهم نتاج الجهل والتطرف فقط وعلي ألا يتركهم لقمة سائغة للآخرين يبثون فيهم سمومهم لنجد أنفسنا في وطن علي غير ما تمنينا وحلمنا وفعلنا في الثورة، حتي لا تنفجر في وجوهنا عبوات مزيل العرق وحتي لا نصرخ ذات لحظة بعلو الصوت ونقول كما قال الروائي السوداني العظيم الطيب صالح حين وجدهم فجأة في السودان وقد كادوا يأتون علي الأخضر واليابس: من أين أتي هؤلاء؟!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل