المحتوى الرئيسى

رحاب إبراهيم : من .. مبارك هو أبوك .. إلى :الجماعة هي أمك

05/21 16:47

إسكندرية ..إسكندرية …انحشرت بين زجاج النافذة والسيدة السمينة الجالسة بجوار ابنتها على الناحية الأخرى ..واستمر السائق في النداء . ما إن اكتملت العربة حتى انطلق , مديرا جهاز الكاسيت .. سمعت وشوشة تلتها خروشة ثم صوت نهنهة وزقزقة عصافير وبسم الله الرحمن الرحيم ..قلت أهلا بدأنا .. لي ذكريات مؤلمة مع شرائط الكاسيت المفروضة عليك في الطرق السريعة ..  شيخ يستمر في تكرار السؤال : انت مابتصليش ليييييه ؟ يصر على تكراره دون إضافة أي قيمة دينية او روحانية لفائدة الصلاة ..فقط يتساءل بتوبيخ : ها ..مابتصلييش ليييه ؟؟ بعد حوالي ساعة من تكرار السؤال كدت أصرخ : تلاتة بالله العظيم انا باصلي ..ارمي نفسي م الشباك يعني عشان ترتاح ؟هذه المرة قلت لا , يجب أن آخذ موقفا , استجمعت شجاعتي  مخاطبة السائق – مع ملاحظة قفاه العريض وكتفيه المنفوخين – ما تطفي الكاسيت يا اسطا .. التفت لي بحدة : ليه يا أبلة هو انا مشغل أغاني ولا مؤاخذة ؟ دا كلام ربنا …قلت له :لا يا اسطا دا مش كلام ربنا .. ولو مصمم تشغله نزلني هنا لو سمحت واتفضل انت مع السلامة ..لم أسمع طبعا ما قاله  من همهمات , لكن بدا أنه  استجاب  وأغلق الكاسيت وهذا ما يهمني .ما إن تجاوزت العربة نقطة التفتيش على مدخل المدينة وبدأ الطريق الزراعي بظلامه وسياراته المسرعة حتى أدار السائق الشريط ثانية مطمئنا لعدم قدرتي على النزول الآن ..هكذا إذن ؟لماذا تبادر هذا الموقف إلى ذهني وأنا أقرأ خبر تأسيس حزب الحرية والعدالة ؟الخبر المنشور عن تأسيس الحزب يصفه بأنه ليس حزبا دينيا بل هو حزب مدني يستند إلى الشريعة الإسلامية . يصفه كذلك  بأنه حزب ولد قويًّا؛ لأنه أخذ في تأسيسه زخم جماعة الإخوان المسلمين ذات الخبرة على الساحة السياسية، وأنه مع استقلاله ماليًّا وإداريًّا يحمل فكر جماعة الإخوان وتوجهاتها. ثم يؤكد على أن هناك فصلاً كاملاً في العضوية بين جماعة الإخوان المسلمين والحزب، مع وحدة في البرامج والأفكار والأهداف .انتهى الخبر ,و بدا لي الأمر ملتبسا .. الحزب يحمل فكر الجماعة وتوجهاتها , لكنه مستقل ماديا وإداريا .هناك فصل تام بين عضوية الجماعة والحزب مع وحدة في الأفكار والبرامج .. يعني يمكن أن نترجم هذا بأن الحزب منفصل عن الجماعة لكنه متصل بها !إذا كان للجماعة الحق في أن تعتنق ما تشاء من أفكار , فإن من الواجب عليها أيضا ألا تخدع الناس بحزب لا ندري أهو حزب ديني أم مدني على وجه التحديد .لنفي احتمال أن يكون حزبا دينيا خالصا جاءت نسبة محدودة للغاية من الأقباط .أما شعار الحزب فجاء شعارا   توافقيا بدلا من شعار الجماعة ذي المفردات والدلالات الحادة المباشرة  , جاء الغصنان بدلا من السيفين , واستبدلت كلمة  أعدوا بجملة فضفاضة : نحمل الخير لمصر – هكذا ” الخير” معرفة بالألف واللام ..وليست “نحمل خيرا لمصر”, وجاءت النجمة الثمانية أعلى شعار الحزب  , فمن ناحية تصلح رمزا إسلاميا صرفا , ولكن يمكن أيضا اعتبارها رمزا عربيا بما إن الحزب وسع من عباءته ليضم الأقباط أيضا .هكذا يمكن للعربة أن تبدأ السير بلطف , مستندة على شعارات واسعة وكلمات كبرى لا يجرؤ شخص على المساس بها ..كالهوية الإسلامية والحفاظ على الدين ..والدين حياة .. وكلنا شركاء في الوطن .. عدل وحرية ومساواة ..إلخوأي شخص سيعترض ستكون التهمة جاهزة بأنه ضد المبادئ السليمة بل وضد الشرع .. بذلك وبكل بساطة نجد أننا استبدلنا سلطة نظام قام على القمع والقهر بسلطة أكبر وأعظم هي السلطة الدينية .. الشعب الآن مطالب بعمل توكيل للجماعة لتهديه إلى الدين الصحيح , مع أن النقاش  في الأساس لا يدور حول معتقداتك ومعتقداتي إنما كيف يمكن لكل هذه المعتقدات أن تتجاور و تعبر عن نفسها دون إيذاء للآخر.من نحن وماذا نريد ؟  يمكنني أن أسأل بدوري نفس السؤال دون أن يعني ذلك بالضرورة تسفيه فكر الآخر وكأن وجوده خارج منظومة وعيي دليلا على الخواء وتشوه الرؤية . من نحن وماذا نريد ؟ أنا شخص قد يتفق أو يختلف معك وأريد وطنا قويا متقدما وقد نختلف في مفهومنا حول كيفية تحقيق ذلك .الحوار الآن ليس حول المعتقد إنما عن كيفية تعايش الاتجاهات المختلفة في مجتمع واحد يتيح لكل منها التعبير عن نفسه  ..ببساطة  لو أن شخصا  يؤمن بان المسرح حرام مطلقا وآخر يؤمن بأنه حلال بشرط أن  يكون هادفا ,  وثالث يؤمن بالمسرح الهادف لكنه يختلف عن سابقه في  تعريفه لكلمة هادف ,  وآخر محب للمسرح بشكل مطلق .  القضية الآن أن نخلق مجتمعا يتيح لكل منهم التعبير عن رأيه وممارسة حياته بالشكل الذي يرتضيه , طالما لم يعتدي على حرية الآخر أو يدعي أنه وحده يمتلك مفاتيح الحقيقة  . أكاد أسمع شخصا يقول  الآن بتهكم : الأخت تشغل نفسها بالمسرح وسط تلك الأحداث الجسام والمرحلة الخطيرة في تاريخ الوطن , أفيقي يا أختاه وركزي فيما يفيد .. فلا أملك سوى أن أبتسم  وأكرر طلبي للسائق : طفي الكاسيت يا اسطا ولما نوصل بالسلامة كل واحد يبقى يسمع اللي يعجبه .مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل