المحتوى الرئيسى

دور الخطباء في حياة الأمة

05/21 16:01

بقلم: د. حمدي فتوح والي لم يعد أحد يشك في أن إيقاظ الأمة على حقيقة الخطر الذي يستهدفها اليوم هو الأولوية الأولى في حياتنا.   ولأن الخطر يمثل تحديًا بعقيدة الأمة وتراثها وحضارتها كان لا بد أن يكون الإنقاظ دينيًّا خالصًا فالحرب اليوم حرب أفكار، ومبادئ وليست حرب أرض أو مال.   ولما كان العدو الماكر يملك من وسائل التأثير والتحير العقلي ما يمكنه من إحداث انقلاب في عقول أبناء المسلمين. كان لا بد للمسلمين من العمل على تملك تلك الوسائل وإتقان تلك الأساليب، أو على الأقل يملكون القدرة على اتقائها وإبطال مفعولها حتى يمكن للأمة أن تحمي عقول أبنائها من هذا الطوفان الأسود الذي يستهدف العقائد والمبادئ، وهي أعلى ما يملكه الإنسان.   ومن هنا أصبح لزامًا على كل أمةٍ أن تسعى لحماية أبنائها من خطر الذوبان في الثقافة الأقوى وتحصينها من الضياع والفناء.   ولأن الأمة الإسلامية تملك من وسائل الاستعصاء على الذوبان ما لا تملكه أية أمة أخرى فإننا نقول: "إن أصحاب المنابر والمؤثرين بالكلمة والمتداولين مع الناس بالحب هم أملنا في هذا الميدان.   إنهم قادرون بما وهبهم الله من فصاحة وبما أمدهم به من مواهب وبما هيأ لهم في نفوس الناس من احترامهم وقبول أن يحصنوا الأمة من هذا الغزو الكافر وهذا التخطيط الماكر وأن يفوتوا الفرصة على هذا الأخطبوط اللعين.   وهذا لا يتأتى إلا من رجل يدرك طبيعة مهمته ويعمل في ميدانه مستصحبًا نية الجهاد في سبيل الله.   والموقظ المطلوب في هذه الحالة لن يكفي فيه أن يكون مجرد واعظ، وإنما لا بد للأخ الخطيب أن يغير من مهمة في الوعظ وأن يدرك أن المهمة هي مهمة الأنبياء، ومهمة الأنبياء تقدم على تغير ما بنفوس الناس حتى يغير الله ما بهم من فساد، وإذًا كل واعظ لا يبلغ هذا الهدف لهو جهد ضائع.   هذه نصيحة يقدمها رجل قديم في دعوة الله فاستمع إليه وهو يقول: "لا يكن همك يا أخي أن تتطرف بالنكت واللبقة والفصاحات البارعة ليقول الناس إنك مجدد في الوعظ، وعند هذا تنتهي مهمتك، ولا يكن همك أن تسلي الجمهور, وتقضي معه ساعة في حديث لا يرمي إلى هدف.... لا تكن كذلك.     د. حمدي فتوح واليالذي يقبل على الناس في حذر وخفة فلا يمسُّهم إلا مسًّا رقيقًا كأنما يخشى عليهم أن يتكسروا فيسوق لم قصص التاريخ وحكايات السابقين وأسباب نزول آيات القرآن الكريم, وما لا صلة لبعضه ببعض, وما لا يؤلف بمجموعه موضوعًا ذا غرض معين وهدف مقصود، لا يريد بما يسوق إلا أن يجلس الناس من حوله فيستمعوا له ثم يخرجوا, وقد أسعدهم بوقت قضاه معهم في مؤانسة ومتعة عاطفية بريئة.   هذا وعظ سلبي لا شأن لك به, ولا مقام له في رسالتنا, إن رسالتك تقتضيك أن تدخل على مشاعر جمهورك في حكمة, فتحرك وجدانه, وتستثير عواطفهم إلى الله, فإذا تأتي لك ذلك ولانت نفوسهم لقولك, فاصنع منهم ما تشاء صنعه, أبن لهم عن غرضك, وابعث بآمال قلوبهم إلى ما تحب أن يصلوا إليه, فإنهم مستجيبون لك إن شاء الله, ثم يعيل الأستاذ البهي الخوالي إلى بيت القصيد بقوله: "أيها الأخ: هذا الوعظ الجاف الذي لا حياة فيه ومدار الوعظ الركيك المفكك الذي لا غرض له وحذار أن تقف موقفًا وأنت لا تنوي أن تخرج منه بعيد. أنت صياد ماهر فاطرح شباكك وانقل ما يخرج لك منها إلى محيط آخر, محيط العاملين لدعوة الله, محيط دعوة الله ورسوله".   هذا الفهم لدورك يتطلب منك أن تكون على دراية بأحوال من تدعوهم وأن تكون معهم على انتقال دائم، ولا يكفي أن تكون واعظًا مؤثرًا تثير الأرض وتهيؤها للزرع لكنك لا تسقي غرسك ولا ترعي زرعك وتترك ما حرثت يعود بورًا وخرابًا وإذا كان من غير المعقول نقلاً ولا واقعًا أن يتغيب الصياد في صيده ثم يتركه في الماء وهو دون أن ينقله إلى جعبته.   فإنه من غير المعقول أيضًا أن تترك المدعو وقد تأثروا وتهيأوا للخروج من هذا الجو من هذه البيئة أن تتركه يبقي فيها، محكومًا بقيودها ومواصفاتها من أخلاق وسلوك بل لا بد أن يكون معك من يمسك عليك صيدك ويعينك على أداء دورك.   ويؤلف معك فريق عمل يعين من انشرح صدره واستيقظ قلبه واهتز وتأثرت روحه بأفكار كلمتك فاهتزت وربت، وأن يثمر وينتج إنه لا بد لك من معايشة من تدعوهم ومصادقتهم، وأن تكون على دراية بحياتهم وهمومهم، هل جربت يومًا أن تدخل بصحبة أحد المصلين إلى بيته تسامره وتحاوره وتلاطف أبنائه وتداعبهم. وتتعرف أحوالهم ودراستهم ويكون ذلك مع كل ولد يبدأ أولاده مفاكهة ومصاحبة، وأن تكبر المصاحبة لتصير مودة وحبًّا والتفافًا حولك. وثقةً فيك, وتعلقًا بدعوتك.   هل دخلت يومًا فشعرت أن أهل البيت جميعًا سعداء بك منشرحين لك مقبلين عليك. وبدأ المجتمع يتمنى أن يفوز بالجلوس بين يديك لينهل من علمك ويستفيد من ذلك، ويسعد بفكاهتك ويحظى بصحبتك ويفخر بصداقتك.   إنني ما زلت أذكر يوم بقوة حلاوة كوب عصير الليمون التي كنت أتلقاها من يد أستاذنا فضيلة الشيخ السيد عسكر، وكان إمامًا وخطيبًا لقريتنا منذ أكثر من أربعين سنة عندما كنت طفلاً أحفظ القرآن، وأذهب بصحبة شيخي الذي كان يحفظني القرآن، ويعقد لنا فضيلة الشيخ منافسة صورية نحظى بعدها بتشجيعه ورضاه ونشرب عصير الليمون، ولا أخفي إليكم أشواقنا على يوم الجمعة الذي كنا نزور فيه فضيلة الشيخ كانت شديدة.   وكانت دافعًا لنا لإجادة الحفظ ونيل رضا الشيخ الجليل، كما لا أنسى أنني عرفت صلاة العيد في الخلاء في بداية السبعينيات من القرن الماضي لأول مرة بفضل فضيلة الشيخ الذي استطاع أن يجمع أبناء القرية في صعيد واحد ويصلي بهم إمامًا وهو شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين إن رجلاً يملك هذه الطاقة النفسية، وهو في هذا السن جدير أن يقوم في ذروة الشباب الأئمة والخطباء.   وما أظن أن الشيخ حفظه الله كان يندفع أن يكون لفعلي الصفوي هذا أثر يذكر بعد أربعين سنة، ولم نقلوا عظائم الأحداث، وحلائل الأعمال على محو أثر مثل هذا العمل المخلص الذي انبعث عن غيرة صادقة واتجه إلى غاية سامية صحبتة همة عالية.   فهل خطباؤنا اليوم يملكون هذا الحس الدعوي المرهف؟ وهل يجدون في أنفسهم الرغبة في إصلاح من حولهم من المسلمين حتى لو كان ذلك خارج إطار العمل الوظيفي؟ هل يشعرون بالثقة والسعادة كلما رأي أثرهم في حياة الناس علمًا بالشرع واستقامة على الحق، واستمساكًا بسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا وجد الأخ الخطيب هذا الحس في نفسه فليهنئ نفسه لأنه صار ممن يشملهم الحق سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)﴾ (الأعراف).   إنني أربأ بأخي الخطيب الناجح أن يكون مثل ساقية جحا، تأخذ من البحر وتصبُّ في البحر وعندما سئل عن ذلك قال "كفاية علينا تغيرها".   وأقصد من ذلك أن يمسك أخي الخطيب صيدًا فلا يدعه يفلت منه، أو ينبغي احتمالاً يقوده ثانيةً إما البحر الذي أوشك أن يخرج منه، وإنما لا بد من نقله من محيطه الآسن إلى محيط طاهر جديد وهذا يتطلب أن يكون للأخ الخطيب حضور في مسجده وبيت مفتوح في الحي الذي يعمل به وعلاقته ود وحب بينه وبين أهل الحي ومشاركة وجدانية واجتماعية في جميع المناسبات أليس هذا ما نفهمه من قول الله سبحانه وتعالى يخاطب أنبياءه: ﴿وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: من الآية 87)، وقوله سبحانه ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الكهف: من الآية 28).   إن خطبة المنبر مهما طالت لا تستطيع أن توفر للسامع كل ما يجتاحه إليه من عقيدة صحيحة وعبادة سليمة وتعرف على أحكام العبادات والمعاملات كما أن المدارس لم تعد معينة بأداء هذا الدور يعد تهميش الدين وجعله في آخر الأولويات فمن يقوم بهذا الدور إن غاب عن اهتمام إمام المسجد. ماذا يبقى للناس من الإسلام إن غاب الدين من المسجد بعد إن غاب من المدرسة.   إن الداعية يحب أن يشعر بأن دعوته حية في أعصابه متوهجة في ضميره تصيح في دمائه فتعجله عن الراحة والدعة إلى الحركة والعمل, وتشغله بها عن نفسه وولده وماله, وهذا هو الداعية الصادق, تحيي إيمانه بدعوته في النظرة والحركة والإشارة, في البسمة التي تختلط بماء وجهه. وهذا الداعية الذي ينفذ كلامه إلى قلوب (1) الجماهير فيحرك عواطفهم إلى ما يريد من أمر دعوته.   ولا يكفي الأخ الداعية الذي اكتملت لديه هذه الهمة العالية وهذه الغيرة الصادقة أن يحسن القول. وينفذ إلى أعماق من يدعوه. حتى يبكيه ويشجيه, ثم يتركه يهدأ، أو يبرد ثم يعود إلى حالته التي كان عليها من قبل أن يسمع ويتأثر فيكون عمل هذا الخطيب عديم الجدوى، ضعيف الأثر.   لكن لا بد من انتهاز فرصة تأثر المستمع وخوفه من سوء المصير أو من حرج موقفه بين يدي ربه سبحانه. فتشعره أن لديك مخرجًا له من هذه الأزمة وأن باب النجاة مفتوح ميسور ويتمثل في معرفة ما يجب علينا معرفته ضرورة وشرعًا من أمور العقيدة الصحيحة والعبادة السليمة والمعاملات المشروع, والأخلاق الإسلامية الفاضلة وإتباع الرسول- صلى الله عليه وسلم- ثم تحدد له جدولاً يحدد له فرصة الاستفادة من هذه الأركان الأساسية سواء في المسجد وإن اتسع لذلك أدنى البيوت إن كان وقته لا يسمح بحضور دروس المسجد.   وهذا يعني أن إمام المسجد ينبغي أن يقوم بوجه مؤسسة كاملة. وسيكون هو مديرها موظفها وعاملها في آن واحد.   "إن المشتغلين بالتربية والتعليم يقولون بعد دراسة وخبرة ومعاناة: "إن المعلم هو العمود الفقري في عملية التربية, وهو الذي ينفخ فيها الروح, ويجرى في عروقها دم الحياة مع أن في مجال التربية والتعليم عوامل شتي ومؤثرات أخرى كثيرة من المنهج إلى الكتاب إلى الإدارة وإلى الجو المدرسي إلى التوجيه وكلها تشارك في التوجيه والتأثير بنسب متفاوتة ولكن يظل المعلم هو العصب الحي للتعليم فماذا يقول المشتغلون بالدعوة والإرشاد في شأن الداعية ومبلغ أثره, وهو العامل الفذ الذي ينفرد بالتأثير والتوجيه في عملية الدعوة... وإذ لا يشاركه في ذلك عادة منهج موضوع ولا كتاب مقرر, ولا جِد مدرس ولا إدارة, ولا توجيه.   فالداعية وحده هو في غالب الأمر الإدارة والتوجيه والمنهج والكتاب. والعلم وعليه وحده يقع عبء هذا كله.   وهذا يجعل العناية بتكوين الدعاة, وإعدادهم الإعداد المتكامل, أمرًا بالغ الأهمية, وإلا أحييت كل مشروعات الدعوة بالخيبة والإخفاق في الداخل والخارج, لأن شرطها الأول لم يتحقق وهو الداعية المهيأ لحمل الرسالة (2)   فمن هو الداعية الذي نريده وتريد له أن ينتصر في معركته مع الجهل والهوى والتسلط والفساد هذا ما سنوضحه في مقال آخر بإذن الله. -------- 1- تذكرة الدعاة ص34 2- ثقافة الداعية للقرضاوي ص6, 7

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل