المحتوى الرئيسى

أمة تتشكل من جديد

05/21 12:33

بقلم: الشيخ خالد مهنا الداخل الفلسطيني أحيا الفلسطينيون الذكرى الثالثة والستين للنكبة، بطريقة مغايرة لما تم في السنوات الماضية، فقد تجمَّعت أعداد كبيرة منهم على الحدود العربية، وعلى بوابات فلسطين مع كلٍّ من مصر والأردن ولبنان وسوريا، فيما تسارعت الاستعدادات الشعبية والفصائلية في فلسطين، وعموم مناطق الشتات الفلسطيني في دول الجوار المحيطة، لإحياء هذه المناسبة الأليمة، والانطلاق من المناسبة ذاتها لإعادة شحذ الهمم من جديد لمواصلة طريق العمل المضني من أجل إبقاء جذوة القضية الوطنية للشعب الفلسطيني حيةً باقيةً، بالرغم من سيل الضغوط والمشاريع الخارجية الهادفة لطمس حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وإهالة التراب عليه لدفنه إلى الأبد، وتكريس الحلول الاستئصالية له عبر توطين اللاجئين الفلسطينيين؛ حيث تم تهجير أعداد كبيرة منهم إلى جهات المعمورة الأربع، كما جرى مؤخرًا حيال بضع آلاف من اللاجئين الفلسطينيين الذين تم ترحيلهم من أرض العراق العربي إلى منافي البرازيل وتشاد.   لقد كان إحياء ذكرى النكبة هذا العام مختلفًا بكل المقاييس، وله رونق وطعم خاص يمدنا بالأمل والعافية وقرب الفرج، ولم تعد مناسبة للبكاء والوقوف على الأطلال وكتابة بيانات الحنين، بل جاء حاملاً معه أملاً حقيقيًّا في أن الأمة أصبحت قادرة على التفكير في استعادة الأرض، وعودة ملايين المهجرين الذين تم طردهم من أرض أجدادهم.   كان يمكن أن يمر المشهد الفلسطيني في ذكرى نكبة فلسطين، وفي ظل ذكرى تهجير شعب بأكمله من أرضه في ظل أكبر جريمة في التاريخ المعاصر، كما كل موعد ذكرى، صورة باهتة اعتاد عليها المشاهد العربي الذي أثقلته همومه، وقيدته أجهزة الأمن في بلدانه، حتى أصبح فاقد القدرة على الرؤية والحراك.   لكن هذه الذكرى لها لون وشكل وصورة جديدة، ذكرى بطعم الثورة، والانتصار على الظلم والظالمين، ذكرى بطعم انتصار الدم على السيف، ذكرى بطعم الثورة المصرية والتونسية، وانتصار المظلوم في حرب غزة، حتى أزهر ثورة في كل أرجاء الوطن العربي.   والقدرة هنا لا تعني امتلاك السلاح للتحرير، بل امتلاك ما هو أهم وأقوى من هذا السلاح، إنه سلاح الإرادة الذي أسست له الثورات العربية التي اتسعت في مغرب الأمة ومشرقها. خطاب أسقطته الثورات العربية بالضربة القاضية   لقد أيقظت التحولات الجارية في عالمنا العربي، ومن قبلها انتفاضات الشعب الفلسطيني المتتالية، وصموده العنيد في قطاع غزة والضفة الغربية، وداخل مناطق فلسطين المحتلة عام 1948م، حلم العودة الفلسطيني من سباته القسري، وأظهرت المخزون الهائل عنده في فلسطين ومجتمع اللاجئين منه على وجه الخصوص، ومن الاستعداد العالي للتضحية في سبيل الدفاع عن أرضه وحقوقه الوطنية، وفي مقدمة هذه الحقوق حقه في العودة إلى أرض الوطن، وحقه في العودة إلى القرى، والمدن المهجرة وحقه في استرداد أوقافه ومقدساته، وأن لا شيء يمكن أن يمر من وراء ظهره، وألا شيء يمكن أن يسد في وجهه طريق الحرية والخلاص، طريق عودة اللاجئين إلى أرض الوطن الفلسطيني.   وعلى قاعدة هذا الصمود عادت إلى الصدارة قضية فلسطين باعتبارها قضية عادلة ونبيلة لحركة تحرر وطني أمام جبروت القوة الطاغية.   وفي هذا الميدان من الصراع الدامي مع الاحتلال تكرَّست حقيقة ألا حل ولا تسوية في المنطقة بأسرها دون الإقرار الصهيوني والأمريكي بالحقوق الوطنية الكاملة للشعب الفلسطيني، فقد حركت الوقفة الجبارة للشعب الفلسطيني في الداخل، وتعاظم دور اللاجئين الفلسطينيين حلم العودة المشروع في أفئدة الملايين من أبناء فلسطين المشتتين منذ عام النكبة على قوس واسع في الجوار المحيط بالأرض الفلسطينية.   هذا الصمود وتلك الثورات وجهت رسائل دقيقة إلى جهات عديدة في الأمة والدوائر الأجنبية المتقاطعة معها بالسلب والإيجاب؛ وأولى هذه الرسائل أن خطاب التهوين والتعجيز الذي يقول إن العرب خارج التاريخ، ولا قدرةَ لهم على فعل أي شيء سوى الاستسلام لمشيئة القوى الاستعمارية، هذا الخطاب أسقطته الثورات العربية بالضربة القاضية، فقد صارت الجماهير العربية قادرةً على الإطاحة بالأنظمة القمعية التي جثمت على الصدور وجيَّرت الأمة وإمكاناتها لخدمة المشاريع الاستعمارية، واحتجزت لحظة النهوض القومية.   وهذا يعني أن الأنظمة التي كانت تحول دون جماهير الأمة، ومعرفة أعدائها والتصدي لهم قد سقطت، أو تراجعت وأن المعركة ستكون الآن على المكشوف دون وسائط ولا حواجز، وهذا في اعتقادنا هو سبب الهستيريا التي تصرف بها الصهاينة تجاه أبناء غزة والجولان وجنوب لبنان، وهم يحيون الذكرى الثالثة والستين للنكبة.   السياسة الصهيونية بكل هالتها العسكرية ونمروديتها تصرفت بعصبية بالغة لأكثر من سبب، ذلك أنها تعودت على أن تسوق لهذه الذكرى كذكرى "استقلال" لكيانها، فإذا الصورة اليوم تتغير ليصبح الشعب الفلسطيني هو الفاعل، والكيان الصهيوني هو المتهم بالاحتلال والقمع.   والفضل كل الفضل لثورات تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا والحبل على الجرار؛ لأن العجلات تحركت بقوة دفع أمامية، والتي غيَّرت صورة العربي في أعين العالم، وخاصةً في كثيرٍ من وسائل الإعلام الغربية التي نجح اللوبي الصهيوني العالمي في تجييرها لفائدته.   العربي صار كريمًا وليس تابعًا ذليلاً، مناضلاً من أجل الحرية، ولا يحتاج إلى وصاية من أحد، وهو يصنع قدره بيده، وهي صورة جديدة أربكت الاحتلال الصهيوني وأقضَّت مضجعه حين وجد مصر العظيمة قد نهضت ولم تعد تابعة ولا خادمة له، ولا حارسًا أمينًا لحدوده، كما أرادها نظام مبارك الذي دافع عن إسرائيل وحما حدودها أكثر مما كانت هي قادرة أن تفعل، وحاصر الفلسطينيين، وآذاهم وجوعهم أكثر مما كانت هي قادرة عليه.   لقد كانت أنظمة الحراسة أشد حماسةً للاستعمار ومصالحه منه، ويكفي الإشارة إلى الدور الذي لعبه نظام مبارك في ضرب المقاومة الفلسطينية وقصقصة أجنحتها، ففضلاً عن الحصار العسكري والمالي والأمني والتقارير الدقيقة، والمستمرة التي كان يقدمها صاغرًا ذليلاً، فقد عمل ما في وسعه على ضرب كل أشكال المصالحة العربية والفلسطينية التي تصبُّ في المصلحة الصهيونية والأمريكية.   ولي زمن الهزائم وجاء زمن الانتصارات من أخطر القضايا التي يمكن أن تمر بها أمة هو القابلية للاستعمار والانكسار، هذه الحالة التي مضى عليها عقود طويلة لم تخرج منها الأمة، ولم يكن نخبها السياسية والفكرية على قناعة أن مقومات هذه الأمة ومخزونها أكبر بما لا يقاس من كل ما يظنه أصحاب العقول والساسة والمفكرون، كما مصر حين وقفت في وجه الزحف المغولي الذي ظنَّ الجميع أنه زحف لن يوقفه شيء، فكانت إرادة الأمة أكبر من كل زحف، وأكبر من كل إرادة تحاول سحق إرادتها.   نعم لقد تجاوز الشباب العربي نخبهم السياسية والفكرية، أبعد مما يتصورون، وأبعد مما يتصور العدو، لقد أصبح كل شيء ممكنًا، ولا مجالَ للتراجع والانكسار، فقد ولي زمن الهزائم، وجاء زمن الانتصارات، وعلى الرغم من كل ما يحاك من محاولات للالتفاف على هذا الوعي الجديد والإرادة العربية الإسلامية الجديدة، فنحن واثقون أن مخزون الأمة من الوعي الفكري والإباء والعزة سيجعلها قادرةً على تجاوز هذه الأزمة، وأصبح تحرير فلسطين حاضرًا وممكنًا رغم كل التنظير القديم عن عدم وجود التوازن العسكري، فقد أصبح صوت الدم أعلى وأعلى وأقوى من كل السيوف والرماح، وأصبح مشهد المسجد الأقصى محررًا ممكنًا وأكيدًا.. ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا﴾ (الإسراء: من الآية 7).   والآن وقد سقط الفساد والأنظمة التي عاشت منه ورهنت الأمة له، فإن أبواب الأمل في التحرر تفتح من جديد، ليس فقط في إثارة القضية الفلسطينية في قلوب العرب ووسائل إعلامهم وتحركاتهم الاحتجاجية، وإنما، والأهم الإيمان بالقدرة على تحقيق النصر الذي يعيد الأرض إلى أهلها، ويعيد البسمة للقدس.   وهذا النصر لا تحققه الشعارات ولا المظاهرات الاحتجاجية في المدن العربية، وإنْ كانت علامة صحية على صحوة الأمة، هذا النصر يتحقق بتحقق مطالب الثورات العربية في إقامة الحكم الرشيد بما يعنيه من تحرير ملكات الإنسان العربي وفتح مسارب الحرية أمامه وبناء تجارب تنموية تحقق له الكرامة والعزة وتقوي إحساسه بالانتماء.   وهي الحالة الأساسية التي يشترطها نهوض أي أمة والأرضية الضرورية لقيام حضارة تنافس الحضارات الأخرى وتفرض الحلول لقضاياها باعتماد ميزان القوى والمصالح.   ففلسطين لا يمكن أن تتحرر إلا في ظل حضارة عربية إسلامية جديدة تأخذ بأسباب التقدم وتتحول إلى رقم اقتصاد مهم، وقطب لا يمكن لأي قوة أن تتصرف دون أن تقرأ حسابًا لمصالحه ووجوده.   أن أفضل ما حققته الثورات العربية أنها أعادت الأمة إلى الحياة وجددت ثقة الجماهير في إمكانية التغيير، واستعادة المبادرة وتحقيق وحدة معنوية وشعورية بين ملايين العرب عبرت عنها الانتفاضة الاحتجاجية في أكثر من بلد بمناسبة إحياء ذكرى النكبة.   جينات الكرامة والعزة والإباء هي جزء أصيل من تركيبة الشباب العربي إن أخطر ما واجهته القضية الفلسطينية هو إنهاء البعد، والعمق العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية، بحيث يستفرد العدو بالشعب الفلسطيني الذي يتعرض لأعتى المؤامرات الدولية لتصفية القضية، لقد كانت مقولة أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية لكل عربي ضرب من الخيال، حتى ظن الكثير أن الاهتمام بفلسطين هو ترف فكري، ويجب الاهتمام بالداخل وعدم الاكتراث بفلسطين، حتى نسي الكثير فلسطين والقدس، ولم يكن يخطر ببال أحد على الرغم من وعي كل النخب السياسية العربية والفلسطينية لخطورة إنهاء العمق العربي لفلسطين، إلا أن المرحلة السابقة شهدت استفراد العدو بالشعب الفلسطيني، حتى وصلت القضية الفلسطينية إلى هذه الصورة المقيتة من الانقسام الفلسطيني، وتهديد المقدسات، وعلى رأسها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وتنفيذ أخطر حركة تهويد لمدينة القدس لم يكن ليقدم عليها الاحتلال لولا هذا الواقع العربي المزري والواقع الفلسطيني السيئ.   ما كان يخطر ببال أحد أن الإرث الثقافي والفكري للشعوب العربية المسلمة هو أكبر وأعظم من كل المؤامرات، ومن كل هذا الاستهداف.   لم يكن يتصور الغرب أن جينات الكرامة والعزة والإباء هي جزء أصيل من تركيبة الشباب العربي الذي ظن أنه شباب لا مستقبل ولا وعي لديه، ليطل هذا الشباب برأسه عاليًا ليدرك العدو وكل قوى الاستكبار أن نهاية الظلم والجبروت والسيطرة ستتم على يد هذا الجيل الثائر الذي عزم أمره، ولن يعود إلا مكللاً بتاج العزة.   لقد ولت فصول الهزيمة، وجاء ربيع العرب والمسلمين، هذا العدو بات يدرك أنه يقابل رجالاً لطالما عمل جاهدًا على قتلهم وإنهائهم بكل الوسائل، بالأنظمة المأجورة والعميلة، بالتطور العلمي والتكنولوجي، بالتفوق العسكري.   بلحظة ما شعر أن الأمر قد انتهى ولم يعد صوت سوى صوت الاستكبار والشر، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، هذه هي بداية النهاية، ستعود فلسطين حتمًا، لم يعد شعارًا بل أصبح واقعًا، فعلى ضفاف النيل هذه الحشود المليونية ومن قلب طهران، ومن قلب سوريا، ومن قلب تونس، ومن قلب البحرين، وعلى حدود لبنان، ومن غزة والضفة، الجميع قادم، وبات يدرك العدو أنهم قادمون حتمًا، وما هي إلا مسألة وقت.   في اللحظة التي ما زلنا نعيش مرارة الواقع، وثقتنا بالتغيير والنصر والتمكين، لا يمكن أن ننسى أو نتناسى الشهداء والجرحى والأسرى واللاجئين على امتداد العالم، والمجازر التي تعرض لها الشعب الفلسطيني وما زال، وعودة الشعب الفلسطيني إلى دياره حتمًا، كما تحرير فلسطين.   تأتي الذكرى الثالثة والستون للنكبة مع تصاعد الثورات العربيَّة في كلِّ عواصم الظلم والاستبداد والقمع, والتي تشكِّل إزاحة حاجز كبير نحو إرباك المحتل, ولما كانت الثورات تقودها جماهير الأمَّة فإن خطاب الثورة يلتزم بخطاب الأمَّة نحو القيام بالواجب تجاه القضيَّة الفلسطينيَّة, لإزالة أثر النكبة، ومساعدة الشعب الفلسطيني على استعادة وطنه وتحرير المقدَّسات.   تأتي الذكرى الثالثة والستون لنكبة ضياع فلسطين، وقد اشتعلت الثورات العربيَّة, وتحرَّر الشباب العربي من قيد الخوف وسياج البطش, الذي كان يمنع من مجرد إبداء الشعور بالتعاطف مع فلسطين وأهلها, ليسطع الحلم وتتكامل الأطروحة الثوريَّة, هذه الأمَّة تتشكل من جديد على هيئة جيش التحرير, القادم نحو فلسطين, فالشعب يريد- من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا والأردن والخليج والمغرب العربي وباكستان وإندونيسيا وفي كل بلاد المسلمين- تحرير فلسطين, كما تأتي ذكرى النكبة وقد انتهى الانقسام وانعقدت المصالحة بين الفلسطينيين فتوحَّدوا، وهذا فرض عليهم وهم يواجهون الاحتلال ومخططاته الخبيثة لاستهداف كل ما هو فلسطيني على هذه الأرض المباركة.   فهل تشكِّل هذه الذكرى الثالثة والستون للنكبة, بداية المشوار نحو إنهاء الاحتلال وإزالة آثار النكبة على وجه فلسطين النديِّ؟, ذاك ما نتوقعه وننتظره بفارغ الصبر... ونراه على مرمى البصر. ---------------- * رئيس الدائرة الإعلامية في الحركة الإسلامية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل