المحتوى الرئيسى

الكسب.. مشروع

05/21 08:46

أكاد أطلب من المستشار عاصم الجوهرى، رئيس جهاز الكسب غير المشروع، أن يؤكد فى أول لقاء له مع الإعلام أن محاربة الجهاز، الذى يجلس على قمته، للكسب غير المشروع، إنما هى فى جانب مهم منها، وفى جوهرها، تشجيع للكسب المشروع، وتحريض عليه، وإغراء به، ودفع إليه فى كل وقت! وإذا كان هناك شىء يمكن أن يثير هذه الفكرة، الآن، عندى أو عند غيرى، فهذا الشىء هو أن عبارة «الكسب غير المشروع» تتردد كثيراً جداً، هذه الأيام، بحكم حضور مكثف للجهاز ذاته، وباعتباره قاسماً مشتركاً أعظم، فى كل قضية مثارة حالياً، وبالتالى فإن ما نخشاه أن تسقط الألف ومعها اللام، من العبارة، وسط هذه الهرولة التى نعيشها على كل مستوى، وتصبح العبارة فى صياغتها الجديدة، هكذا: الكسب غير مشروع! فإذا كان المصريون، فى أغلبهم، قد عاشوا من قبل أعواماً طويلة، كان فيها الكسب فى عمومه غير مشروع فعلاً لا قولاً، وكان ذلك فى الفترة التالية لقيام ثورة 1952، فإن كثيرين بيننا، بالتالى، لديهم استعداد مسبق فى أعماقهم لتصديق الفكرة والإيمان بها، لأنهم سبق أن عاشوها، وتربوا عليها، وتسربت فى خلايا عقولهم ودمائهم! وبطبيعة الحال، فإن الإنصاف يقتضى أن نقول إن اعتبار الكسب عموماً مسألة غير مشروعة لم يكن قد ساد فى مصر وحدها، بعد ثورة يوليو، وإنما كان قد تحول إلى فلسفة متكاملة شاعت فى مناطق واسعة من العالم، وبشكل خاص فى أوروبا الشرقية التى سقطت فيها الفلسفة ذاتها، كاملة، عام 1989، مع انهيار سور برلين! قبل هذا التاريخ كان الكسب، بوجه عام، جريمة فى حد ذاته، وكان أى إنسان إذا حقق كسباً، فى أى مجال، فإنه يظل متهماً، وربما مداناً، إلى أن يثبت العكس.. ثم جاء وقت، فيما بعد، وتبين فساد الفلسفة كلها، وتبين أيضاً أنها لا تنفع، ولا تصلح، بدليل سقوطها وتداعيها فى أوروبا الشرقية على امتدادها، وسقوطها عندنا نحن مع صدور قوانين الاستثمار الجديد، وبدء مرحلة الانفتاح الاقتصادى عام 1974. ولذلك، فإننا يجب أن ننتبه حتى لا تسقط الألف ومعها اللام، فى اللاوعى على الأقل، فيصبح الفارق هائلاً، بين «الكسب غير المشروع» باعتباره شيئاً غير جائز، فى كل وقت، وبين «الكسب غير مشروع» وهى عبارة تظل كارثية لو استقر معناها لدى الناس، دون وعى أو انتباه! والانتباه المقصود هنا هو أن نلتفت، وأن ننتبه جيداً، إلى أن الذى يحقق كسباً مشروعاً يجب أن يحظى بتأييد، بل تحفيز من الدولة، فى كل لحظة، لا لشىء إلا لأنه عندما يحقق كسباً فإنه لا يكسب وحده فى حقيقة الأمر، وإنما يكسب معه أى شاب يحصل على وظيفة، بسبب سعى رب أى عمل إلى الكسب دائماً، وهو لن يكسب إلا إذا أنشأ عملاً، ثم توسع فيه، ليضاعف مكاسبه، وفى هذه الحالة سوف تدخل معه الدولة شريكاً بنسبة ضرائبها المستحقة! باختصار، الكسب مشروع، وهو القاعدة.. أما الكسب غير المشروع، فهو استثناء فى كل عصر، ولابد أنه شىء مؤسف، بل محزن، أن يجد المرء أنه مضطر إلى شرح بديهيات لا يجوز أن تكون محل خلاف، ولا أن يغيب عنا معناها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل