المحتوى الرئيسى

مشروع قانون لسدّ مزاريب الفساد

05/21 08:46

لا أعرف شيئاً عن «المبادرة المصرية للوقاية من الفساد» سوى أن مديرها التنفيذى هو د. زياد بهاء الدين، الرئيس السابق لهيئة الاستثمار، لكنها ــ فى الغالب ــ إحدى منظمات المجتمع المدنى.. ولكن الخبر الذى نشرته الصحف فى الأسبوع الماضى حول مشروع قانون أعدته إحدى لجانها حول «حظر تعارض مصالح المسؤولين فى الدولة»، بدا لى نموذجاً للجهاد الأفضل، والعمل الحقيقى والجاد لتحقيق أهداف الثورة، بالسعى لسد أبواب الفساد، بدلاً من مزاريب الأخبار الفاسدة التى ينشرها بعض الصحف عن وقائع الفساد فى العهد البائد، وتُقحم فيها أسماء شركات وبيوتات مالية، ثم تعود فى اليوم التالى لتكذبها بإعلانات ضخمة، تقبض ثمنها، وكان الهدف من النشر ليس فضح الفساد، بل ممارسة فساد آخر هو ابتزاز المعلنين. ويهدف مشروع قانون «حظر تعارض مصالح المسؤولين فى الدولة» إلى وقف الظاهرة التى تفشت خلال السنوات الخمس الأخيرة، والتى اصطلح على تسميتها «تزاوج المال والسلطة»، بعد أن زحف رجال الأعمال من ميدان الاقتصاد إلى ميدان السياسة، وأصبحوا يتولون مناصب الوزراء ومواقع النواب ومراكز القيادة فى الحزب الحاكم، وهى ظاهرة فتحت شهية المسؤولين فى السلطة التنفيذية فدفعوا بزوجاتهم وأبنائهم وأزواج بناتهم وأحياناً أشقائهم ومحاسيبهم إلى ميدان الاستثمار تطبيقاً لقاعدة «اللى يشوف دلع ولا يدلعش.. ربنا يحاسبه». ويميز مشروع هذا القانون بين نوعين من التعارض، الأول مطلق، وهو الذى تتعارض فيها المصالح المالية والاستثمارية للمسؤول الحكومى مع مقتضيات وظيفته، تعارضاً يؤدى حتماً إلى الإضرار بالمصلحة ــ أو الوظيفة العامة ــ وفى هذه الحالة يتوجب على المسؤول الحكومى، فور تعيينه فى منصبه، أن يختار بين الوظيفة العامة واستثماراته، أما الثانى فهو التعارض النسبى، وهو تعارض محتمل أو ممكن الوقوع، أو يثير الشبهات والشكوك حول حيادية المسؤول الحكومى، وهو ما يفرض اتخاذ الإجراءات اللازمة للتحقق من عدم وجود ضرر للمصلحة العامة. والمسؤولون الحكوميون، الذين ينطبق عليهم القانون، هم: رئيس الجمهورية ونوابه ورئيس الوزراء والوزراء والمحافظون وسكرتيرو عموم المحافظات ورؤساء الهيئات والمصالح العامة والأجهزة الرقابية ونواب ومساعدو هؤلاء جميعاً، ومن يفوضونهم تفويضاً دائماً فى بعض سلطاتهم، وهم ملزمون، بحكم القانون، بأن يقدموا ــ خلال أسبوع من توليهم مناصبهم ــ إقرارات ذممهم المالية، تتجدد كل سنة، إلى «لجنة الوقاية من الفساد»، لتنشرها على موقعها الإلكترونى. ومن مظاهر التعارض المطلق فى المصالح جمع المسؤول بين عمله فى الحكومة وعضوية إدارة الشركات والجهات الخاصة، التى تسعى للربح، أو العمل فيها بأجر، ويتوجب عليه، فور تعيينه فى المنصب العام، أن يستقيل من مواقعه فى هذه الشركات، ومن هذه المظاهر كذلك أن يدير المسؤول الحكومى أى أسهم أو حصص يملكها فى شركات أو أنشطة تجارية، وعليه ــ خلال شهرين من توليه منصبه ــ أن يفصل بين ملكيته لها وإدارتها، وأن يتعاقد مع شخص طبيعى أو اعتبارى من غير أقاربه حتى الدرجة الرابعة أو شركائه لإدارتها من دون تدخل منه، وإلا توجب عليه أن يتصرف فيها بالبيع، فإذا كانت هذه الأسهم فى شركات تخضع لرقابته أو تابعة له بحكم منصبه الحكومى فلا مفر إلا بأن يتصرف فيها بالبيع. ويلزم مشروع القانون المسؤول الحكومى، الذى كان يزاول نشاطاً مهنياً قبل تعيينه فى منصبه، بوقف أو تصفية هذا النشاط، أو بالتصرف فى حصته منه، كما يحظر عليه تقديم أى خدمات استشارية بأجر أو من دون أجر، أو قبول هدايا أو أى شكل من أشكال المجاملة، من أى جهة عامة أو خاصة، باستثناء الهدايا الرمزية، بشرط ألا تتجاوز قيمتها 300 جنيه، والهدايا التى تقدمها الشخصيات المصرية والأجنبية مما يتعذر رفضه، على أن يتم تسليمها إلى جهة العمل وتسجيل ذلك بسجلات تلك الجهة. ولعل هذا المشروع يكون بداية لسلسلة من مشروعات القوانين تسد مزاريب الفساد التى انفجرت فى وجوهنا كطفح المجارى، منها قوانين تعيد تنظيم كل أجهزة الرقابة على المال العام: مباحث الأموال العامة والرقابة الإدارية وجهاز الكسب غير المشروع والجهاز المركزى للمحاسبات، بما يضمن لها استقلالاً تاماً عن السلطة التنفيذية ويربطها بالنيابة العامة، ويعطيها الحق بأن تبلغ النائب العام بكل وقائع فساد تتوصل إليها، مهما كان موقع المتهم فى هرم السلطة، من الخفير إلى الوزير، ومن المدير إلى الرئيس. تلك هى المهمة الثورية الحقيقية التى ينبغى أن ينهض بها كل الذين يعنيهم أن تكون مصر الغد أفضل من مصر الأمس، وأن تستفيد من أخطاء الماضى، لتبنى مستقبلاً بلا خطايا!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل