المحتوى الرئيسى

والآن... جاء دور «الجوزة الصلبة» سورية!

05/21 02:38

سليم نصّار منذ شهرين تقريباً، باشر المتظاهرون في سورية تحدياتهم من أجل كسر «الجوزة الصلبة». وكان هنري كيسنجر أول من أطلق هذا الوصف على سورية، كونها أتعبته بمواقفها المتصلبة أثناء المحادثات التي أجراها مع الرئيس حافظ الأسد، بدءاً من 15 كانون الأول (ديسمبر) 1973 حتى 29 أيار (مايو) 1974. وقد استغرقت تلك المحادثات المتقطعة 130 ساعة من النقاش المضني خلال 13 جلسة اختتمت بحضور الرئيس ريتشارد نيكسون. وفي الحديث الذي أجريته مع نيكسون عقب استقالته من الرئاسة بسبب فضيحة «ووترغيت»، لمح إلى دور وزير خارجيته كيسنجر في نسف التقدم الذي أحرزه مع الأسد. وقال إن الرئيس السوري وافق على قبول القرارين 242 و338 مشترطاً انسحاب إسرائيل إلى حدود ما قبل حرب 1967 وتنفيذ كامل الحقوق الفلسطينية. وبما أن هذا الحل لم يكن ملائماً لإسرائيل، لذلك تولى كيسنجر مهمة تخريب عملية المتابعة بواسطة الصحافيين بوب وودوارد وكارل بيرنستين. بعد مرور 37 سنة تقريباً على ذلك التعهد الأميركي، ظلت سياسة سورية الخارجية تتأرجح في علاقاتها الدولية بين واشنطن وموسكو. وقد احتفظت بتعاطيها المتوازن عقب تفكك المنظومة الاشتراكية وانهيار الاتحاد السوفياتي. لذلك جرى تصنيفها كدولة معارضة للنظام العالمي القائم مثل كوبا وكوريا الشمالية. وقد اضطر الوريث بشار الأسد إلى المحافظة على هذا الخط السياسي الجامد، الأمر الذي عمق تحالفه مع إيران وفنزويلا، ومع انه يعرف جيداً أهمية الدور الأميركي في صنع سلام الشرق الأوسط، إلا أنه حاول إعطاء أوروبا وتركيا والبرازيل هامشاً واسعاً من حرية التعاطي مع شؤون المنطقة. وقبل وصول بنيامين نتانياهو إلى الحكم، كادت الوساطة التركية تصل مع سلفه ايهود أولمرت إلى تجديد المفاوضات المباشرة بين إسرائيل وسورية. ويبدو أن ظروف تلك المرحلة لم تكن تسمح لرئيس وزراء إسرائيل بإعلان تعهده الانسحاب الكامل من الجولان. خصوصاً أن بشار الأسد حرص على وضع هذا المبدأ كشرط مسبق لأي خطوة تفاوضية. ثم تبين لاحقاً أن دمشق هي الأخرى غير مستعدة للتخلي عن المعسكر المتطرف الذي يخدم وضعها الداخلي. لذلك أيدت في قمة بيروت 2002 مبادرة السلام العربية... ثم تراجعت عن هذا الموقف بعد الاعتداء على غزة. وهكذا استمرت في إحياء هذه اللعبة المزدوجة إلى أن أدركها «التسونامي» الذي ضرب العالم العربي. يستدل من التصريح الذي أدلى به الرئيس بشار الأسد اثر هرب الرئيس التونسي وتنازل الرئيس المصري، انه مقتنع بأن سورية محصنة ضد الزلازل السياسية. وربما تصور أن القائد الممسك بعنان جيش موال واستخبارات قوية، يصعب على الشارع إزاحته عن الكرسي. وفي الحالين، أزاح الشارع الغاضب في تونس ومصر، رئيسين يعتمدان كلياً على الجيش والاستخبارات. وفي تحليل آخر، يرى بعضهم أن النظام السوري يراهن على أهمية دوره في المنطقة، وعلى تردد واشنطن في معاملته كما عاملت الرئيس الليبي معمر القذافي. أي بتحريض مجلس الأمن على اتخاذ عقوبات عسكرية لحماية المدنيين من اعتداءات القوات النظامية (القرار 1973). إضافة إلى هذا الرادع، فإن دمشق كانت تراهن أيضاً على صداقة روسيا والصين في مجلس الأمن. وقد لبّت الدولتان الدائمتا العضوية، رغبة سورية في رفض مسودة البيان المقترح من قبل بريطانيا وألمانيا وفرنسا والبرتغال. أي البيان الذي يدعو إلى إدانة السلطات السورية بسبب قمع المعارضة. وحول هذا الموضوع، أكد نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف، أن الوضع في سورية لا يشكل خطراً على السلام والأمن الدوليين... وأنه لا يجوز اتخاذ قرارات متسرعة قبل وضوح الصورة. وقد أيدت الصين هذا التوجه على الفور. ويرى المراقبون أن موقف روسيا والصين نابع من اعتبارات سياسية واقتصادية عدة أهمها: أولاً – الخوف من إضاعة صفقات ببلايين الدولارات عقدتها موسكو مع حكومات شرق أوسطية. وهي تخشى من ردود فعل سلبية يقوم بها زعماء جدد ساعدتهم الدول الغربية على الوصول إلى الحكم. ثانياً – إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط في غياب رؤساء يعتبرون من الأصدقاء التقليديين لروسيا والصين. ومثل هذا التغيير يؤثر على الدور السياسي الذي تقوم به هاتان الدولتان لحل قضية الشرق الأوسط. الدول الغربية فوجئت يوم الأربعاء الماضي بالموقف المتشدد الذي وقفه الرئيس ديمتري مدفيديف عندما أعلن رفضه استخدام القوة العسكرية ضد السلطات السورية. وهو حالياً يمهد الأجواء لاستضافة وفد من المعارضة الليبية بعدما وافق القذافي على الإذعان لقرارات مجلس الأمن. ويشير هذا التوجه إلى رغبة موسكو في حماية مصالحها بعدما وقعت عقوداً ببلايين الدولارات في مجالات التسلح والطاقة والبنية التحتية. القيادة الروسية دعمت موقفها المؤيد للسلطة السورية بتحذير الولايات المتحدة من أن قواعدها في تركيا وقبرص والعراق، ستكون هدفاً لصواريخ سورية. وبخلاف القذافي الذي سلّم صواريخه البعيدة المدى مع مخزون السلاح النووي، فإن سورية بقيت محتفظة بأكبر كمية من صواريخ «سكود» مع ما يرافقها من سلاح بيولوجي. وهي في الوقت ذاته تعتمد على ترسانة «حزب الله» الصاروخية إذا اضطرتها الظروف إلى خوض حرب إقليمية. ولكن التحذيرات الروسية لم تردع الاتحاد الأوروبي من فرض حظر على ثلاثة عشر مسؤولاً بينهم ثلاثة من عائلة الأسد. وقد شملت القائمة رموز النظام من الذين اعتبرتهم فرنسا وبريطانيا وألمانيا متورطين في قمع المتظاهرين. وقد نال رامي مخلوف، ابن خال الأسد ورئيس شركة «سيريتل» للهاتف الجوال، الحصة الكبرى من قرار العقوبات نظراً لضخامة المحفظة الاقتصادية التي يملكها. ومن المؤكد أن التصريح الملتبس الذي أدلى به مخلوف لصحيفة «نيويورك تايمز»، قد شجع المعارضة السورية على استغلاله للإيحاء بأن إسرائيل لا تريد تغيير النظام القائم لمصلحة نظام سلفي شبيه بالنظام الإيراني. فقد قال حرفياً: «لن يكون هناك استقرار في إسرائيل، إذا لم يكن هناك استقرار في سورية». وكان من المنطقي أن يسارع سفير سورية في واشنطن عماد مصطفى إلى إعلان تبرؤ الدولة من هذا الكلام لأن مخلوف لا يتولى أي منصب رسمي. ولكن هذا التفسير أو التبرير لم يمنع أصوات المعارضة من إثارة الشكوك حول تصريح يحمل معاني عدة. منهم من قال إن كلام مخلوف يحذر من مخاطر إشعال حرب في المنطقة تنهي الهدوء المخيم على مرتفعات الجولان. ومنهم من قال إن سقوط النظام القائم منذ أكثر من أربعين سنة، سيشجع إيران على إحياء فرص المواجهة المتواصلة ضد إسرائيل بواسطة «حزب الله» و «حماس» والانتفاضة. والمرجح أن رامي مخلوف كان يحذر إدارة أوباما من التمادي في ممارسة ضغوط سياسية – اقتصادية داعمة لموقف الاتحاد الأوروبي. وأن على إسرائيل التدخل مع واشنطن لمنع تغيير جذري في سورية لن يكون في مصلحة الاستقرار والسلام في المنطقة. خصوصاً بعدما قررت موسكو إحياء الحرب الباردة في الشرق الأوسط. ومع أن اليونان والبرتغال وقبرص رفضت إدراج اسم الرئيس بشار الأسد في قائمة العقوبات الأوروبية، إلا أن المرسوم الرئاسي الذي أصدره باراك أوباما يوم الأربعاء الماضي، فاجأ حتى الرئيس الفرنسي ساركوزي. وينص المرسوم على فرض عقوبات على الرئيس بشار الأسد ونائبه فاروق الشرع ورئيس الوزراء عادل سفر وأربعة من الوزراء، إضافة إلى اثنين من قادة الحرس الثوري الإيراني بسبب دورهما في قمع الاحتجاجات. ويُستخلص من هذا التحول الأميركي المفاجئ أن أوباما لم يعد يفرّق بين النظام ورئيسه، وأن الولايات المتحدة ستعلن حرباً سياسية ضد روسيا المدافعة عن الأنظمة العربية الصديقة مثل ليبيا وسورية. وهذا معناه توظيف كل الأسلحة المتاحة لدى سورية، لإرباك النفوذ الأميركي في المنطقة، وتصنيف المحتجين والمتظاهرين في عداد العملاء والمأجورين والمستحقين غضب النظام وقنابله المميتة! لهذه الأسباب وسواها سيتأثر الوضع الداخلي اللبناني بمجريات الأحداث التي امتدت إلى منطقة عكار ومدينة طرابلس مع مئات الجرحى والمشردين. كما يتأثر الوضع السياسي الذي اعتمد على سورية في حل مشكلة الفراغ الحكومي وتسهيل مهمة نجيب ميقاتي بحسب الوعد الذي أعطاه بشار الأسد. علماً بأن الأحداث الدامية في سورية قد شغلت رئيسها عن كل أمر آخر. وعليه يرى المراقبون أن حكومة ميقاتي – لا فرق أكانت تكنوقراطية أم إنقاذية أم اتحادية – لن تبصر النور في ظل الأجواء السياسية القاتمة، وهذا معناه أن «حزب الله» سيتخذ قراراً جريئاً لحفظ نفوذه ومكاسبه على الأرض، بدلاً من استخدام العماد ميشال عون كواجهة إعلامية لرفع سقف المطالب المتعذرة التنفيذ. ويعترف زعماء 14 آذار أن فرصة التدخل السوري قد فاتت، وأن دمشق تفضل وضع الورقة اللبنانية على طاولة المفاوضات مع واشنطن، بدلاً من تقديمها مجاناً لتشكيل حكومة يصعب أن تحكم! * نقلا عن "الحياة" اللندنية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل