المحتوى الرئيسى

مصر . . خسائر مؤلمة مع توقف الإنتاج

05/21 10:03

اشرف دوابة كان الاقتصادي المشهور (آدم سميث) من المنظرين الأوائل للنظام الرأسمالي وهو صاحب فكرة اليد الخفية التي قوامها أن المصلحة الخاصة والسعى الدائم نحو تحقيقها يعتبر المحرك للنشاط الاقتصادى والمحقق لأهدافه في النهاية . أي أن البحث عن المصلحة الخاصة يحقق المصلحة العامة تلقائيا . فكل صاحب مشروع خاص في سعيه لتحقيق ربحه الخاص لا بد أن يلبى رغبات المستهلكين بإنتاج حاجاتهم ولا بد أن يمنح العمال فرصا للعمل وأجورا . وقد كانت هذه الفكرة أقرب للواقع في ظل المنافسة الكاملة ثم جاء الاقتصادي المشهور (كينز) ليثبت بعد أحداث الكساد العظيم الذي اجتاح العالم خلال الفترة من العام 1929 إلى العام 1933 خرافة اليد الخفية بل واعتبرها يداً مشلولة غير قادرة على تحقيق أهداف النظام الاقتصادي . وفي مصر تولدت فكرة جديدة كحافز للربح منذ أكثر من ثلاثين عاما هي اليد الخبيثة التي قوامها المصلحة الخاصة تحقق المصلحة الخاصة والمضرة العامة تلقائيا . فهذه اليد الخبيثة التي كانت تمثل قلة معدودة نهبت وسرقت واستولت وكانت عوائد إنتاجها لا تعرف سبيلا سوى خزائنها الخاصة ومصلحتها الملوثة حتى باتت الموارد تستأثر بها فئة جشعت نفوسها وكان لسان حالها : هل من مزيد؟ في حين لا يجد عموم الشعب المصري قوت يومه ولا لقيمات يقمن صلبه . ثم جاءت الثورة المباركة لتعلن حربها على الفساد الذي لوث الأجواء وخرب الذمم وحرك الأهواء، وتعلنها صراحة أنها ثورة من أجل الحرية المكبوتة والكرامة المقهورة والعدالة الاجتماعية المفقودة . ولا شك أن استمرارية تحقيق ذلك يتطلب إنتاجا يدير حركة الاقتصاد ليكون في خدمة الناس وهذا الإنتاج لن يأتي من فراغ بل يحتاج إلى توحيد جهود المخلصين من رجال الأعمال والعاملين الشرفاء للنهوض بالاقتصاد، من خلال اليد الطيبة النظيفة التي تؤمن يقينا أن المصلحة الخاصة في خدمة المصلحة العامة وأن المسؤولية الاجتماعية من أهم واجبات المستثمر والعامل على السواء لقدرتها على عمران الدنيا والآخرة “ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة” (البقرة: 201) . وإذا كان البعض يرفع شعار المطالب الفئوية وهو حق ولكنه ينبغي أن يوضع في موضعه في سلسلة التدرج الطبيعي للحياة الاقتصادية المصرية التي تحتاج وقتا للنقاهة والتعافي فلا يمكن تحقيق تلك المطالب دفعة واحدة بل إن التدرج في تحقيقها مندوحة اقتصادية . وإذا كان البعض الآخر يلوح بخسائر الاقتصاد المتزايدة ويهول من أمرها فإن هذا التخويف ليس في موضعه والحق أن ينظر لواقع الحالة الاقتصادية المصرية دون تهويل أو تهوين فما خسرته مصر بعد الثورة لا يساوي شيئا في ميزان ما نهب من ثروات قبلها وما انتشر من فساد في جسد الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية . ولتكن استراتيجيتنا في المرحلة القادمة قائمة على وقف نزيف الفساد وتنمية الإنتاج فعهد النوم والتثبيط يجب أن ينقضي ليسود عهد العمل والإنتاج من منطلق الحافز الوطني والإسلامي لتحقيق التنمية الاقتصادية التي ننشدها لمصر وللعالم العربي والإسلامي ومن منطلق أنه من لا يملك لقمة عيشه لا يمكن أن يملك حريته . إن مصر تمر بمرحلة المخاض نحو النهضة المأمولة والمكانة التي تليق بتاريخها ودورها العربي والإسلامي وهو ما يتطلب الخروج باقتصادها من نفق الأحادية الهيكلية إلى رحاب التغيير النوعي في بنية الاقتصاد من خلال تنوع وتعدد الأنشطة الاقتصادية والمكانة المتزايدة التي يجب أن يأخذها تدريجيا قطاع الصناعة والصناعة التحويلية بالذات إضافة إلى إعادة هيكلة قطاع الزراعة بصورة تمكن من تحقيق سياسة الإحلال محل الواردات وتشجيع الصادرات والدخول في عالم المنافسة العالمية بمراعاة عاملي الجودة والسعر . وليكن في المنهج الاقتصادي الإسلامي هدايتنا وحافزا عمليا تطبيقيا نحو الإنتاج القيمي الذي يعمر ولا يخرب ويصلح ولا يفسد ويبني ولا يهدم ويوحد ولا يفرق . فكل جيل من أجيال البشرية يستثمر جهده في الإنتاج، ويجني ثمرة ذلك . لا يعمر فيه إلى الأبد . ولكنه يأخذ نصيبه منه في حياته، ثم يدعه ويخلفه للجيل اللاحق، وهكذا دواليك . وتتعدد حوافز الإنتاج في المنهج الاقتصادي الإسلامي، فمنها ما يتعلق بحوافز فطرية كدافع الربح وحب الملكية، ومنها ما يتعلق بحوافز عقدية إيمانية، تربط بين إحسان الدنيا والآخرة، بالسعي في الأرض وإعمار الكون وتحقيق الكفايات . فالإنتاج في المنهج الاقتصادي الإسلامي هو أساس إعمار الكون وخلافة الأرض فالتعمير والتنمية واجب على المسلمين كافة كل بحسب طاقته . إن أهمية الإنتاج في المنهج الاقتصادي الإسلامي تبدو من كونه عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله عز وجل إذا أخلص النية فيها لله تعالى، وكونه من فروض الكفاية توفيرا للاحتياجات الضرورية للعباد لإعانتهم على طاعة الله، وتقوية لبنيان الدولة الاقتصادي، مما يمكنها من القيام بدورها في سياسة الدنيا، وحراسة الدين، وفيه تسخير للموارد الاقتصادية البشرية والمادية، ومن ثم إشاعة الخير والنماء في المجتمع . ومن أجل هذا سخر الله تعالى للإنسان ما في الكون عونا له على الإنتاج، وكشف القرآن الكريم عن منابع الثروة سواء أكانت زراعية أو حيوانية أو صناعية أو تجارية أو خدمية أو غيرها، وحث على استثمارها واستغلالها . والمنهج الاقتصادي الإسلامي كذلك لا ينظر إلى الإنتاج فحسب، بل ينظر أيضا لنوعيته لتحقيق الكفاءة الاقتصادية، فحث على جودة هذا الإنتاج فقال -صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه” رواه أبو يعلى، كما أنه يربط تخصيص الموارد بحاجات المجتمع الحقيقية، فإذا كان اقتصاد السوق جعل حافز الربحية هو هدفه من الإنتاج، فإن المنهج الاقتصادي الإسلامي يتخذ من “الربحية الإسلامية” كهدف رئيس للإنتاج من خلال تحقيق الربحية الاقتصادية التي تتيح للمشروع الاستمرارية والنمو باعتبار المحافظة على المال وتنميته من أساسيات المنهج الاقتصادي الإسلامي، فضلا عن الربحية الاجتماعية من خلال مراعاة أولويات المجتمع في الإنتاج من ضروريات وحاجيات وتحسينات . فلا يراعى تحسيني إذا كان في مراعاته إخلال بحاجي، ولا يراعى حاجي إذا كان في مراعاته إخلال بضروري . وهذا يعني وحدة الرفاهية الاجتماعية . وهو مع كل ذلك يحسن استخدام الموارد الاستخدام الأمثل حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بترشيد استخدام الماء ولو كان المرء على نهر جار . وفي هذا الإطار يمكن لمصر أن تلبي حاجتها وتستغني عن مد اليد لغيرها بل وتمد العون لإخوانها وتتحقق لها التنمية المنشودة . . والتنمية التي ننشدها تنمية مادية وروحية لا ينفصل فيها الإنتاج عن القيم، فإذا كانت التنمية في المنظور الغربي جعلت جل همها الجانب المادي، فإن التنمية في المنهج الاقتصادي الإسلامي تتميز بالسعة والتوازن والشمول، وتنبعث من قضية الاستخلاف وفلسفته في العلاقة بين الإنسان والكون ومالكهما رب العالمين . وهو مفهوم يجمع بين التنمية الروحية والمادية ويُعلي من شأن النفس الإنسانية، ويضعها موضع التكريم اللائق بها، والذي يُمَكِّنها من أداء دورها في تعمير الكون وتحقيق العبودية الخالصة لخالق هذا الكون وحده . *عن صحيفة" الخليج" الاماراتية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل