المحتوى الرئيسى

مقتل زعيم القاعدة...وتأثير الفراشة ! بقلم د. خالد صقر

05/20 22:04

اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية واحداً من أكثر قراراتها حمقاً ورعونة باغتيال زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن ‏لادن ، وازداد القرار سوءاً وغباءاً بإعلان مقتله علي هذا النحو الهمجي وفي هذا التوقيت بالذات ، فالعالم العربي ‏كله يموج بالكراهية ضد الولايات المتحدة لموقفها الباهت من ربيع ثوراته ولدعمها المستمر للكيان الصهيوني ، ‏ولاتزال ذكريات أسلحة القمع الأمريكية التي ضرب بها بن علي ومبارك شعبيهما تملئ أذهان الناس ، ولاتزال ‏الفيتوهات الأمريكية المتتالية ضد أبسط حقوق الشعب الفلسطيني تملئ نفوس الشعوب العربية بالغضب والحنق.‏ ‏ تأثير الفراشة ‏Butterfly Effect‏ هو أحد الظواهر الفيزيائية المعروفة ، والتي اكتشفها إدوارد لورنز في مطلع ‏ستينيات القرن الماضي عند دراسته لديناميكا الحمل الحراري المتعلقة بالطقس ، وهو باختصار يعني أن التأثير ‏الضئيل للغاية في أحد متغيرات الطقس – كتأثير ضربات جناحي الفراشة علي سبيل المثال– ربما يسبب إعصاراً ‏مدمراً بعد ذلك بوقت – طال أم قصر في نفس المكان أو في مكان آخر تماماً. هذا المصطلح والدراسة المصاحبة ‏له كانتا البداية الحقيقية لتأسيس (نظرية الفوضيChaos Theory‏ ) آنذاك.‏ ‏ إن مصطلح تأثير الفراشة – وما يصحبه من عوامل نظرية الفوضي – قد دخل العلوم الإجتماعية والجيوسياسية ‏منذ وقت قصير ، عندما بدأت الولايات المتحدة في البحث عن استراتجيات بديلة للتدخل في سياسة العديد من ‏الدول (الغير صديقة) كالعراق وأفغانستان ، فبدأ الحديث عن مبدأ الفوضي الخلاقة ‏Creative Chaos‏ أو ‏الفوضي المنظمة ‏Coherent Chaos‏ في الدوائر السياسية والإستخباراتية والعسكرية للدلالة علي عمليات ‏نوعية قد يبدو ظاهرها فوضوي إلا أنها تنطوي علي العديد من (تأثيرات الفراشة) التي تقود إلي تغيرات تلقائية ‏تحقق الأهداف الإستراتيجية للولايات المتحدة.‏ ‏ الواقع يخبرنا بمدي فشل الولايات المتحدة في تطبيق نظرية الفوضي المنظمة في حربها حتي الآن سواءاً في ‏ميدان العراق أو أفغانستان ، فأهداف الحربين لم تتحقق ، بل علي العكس حدث تنامٍ غير متقع للعداء ضد ‏الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي ، وساهم هذا العداء المتزايد في إستمرارية المقاومة للإحتلال ‏الأمريكي مما كبد الولاسات المتحدة خسائر فادحة ساهمت بشكل ما في صناعة الأزمات الإقتصادية المتتالية التي ‏يعناي منها الإقتصاد الأمريكي منذ عام 2008 ، يقول الدكتور مايكل شوير رئيس وحدة تتبع بن لادن في ‏المخابرات الأمريكية سابقاً في كتابه "السير نحو الجحيم : أمريكا والإسلام مابعد العراق" : (ليس من الصدفة أن ‏تكون الولايات المتحدة خاسرة للحرب مع تنظيم القاعدة وتنظيمات المقاومة السنيّة في بداية عام 2008 ، لأن ‏قادة الولايات المتحدة قد تجاهلوا تماماً تاريخ بلادهم وتاريخ المسلمين ، لأنهم كذبوا علي مواطنيهم بشأن حقيقة ‏العدو في هذه الحرب ، وقدراته وحجمه ، واستخدموا القوات المسلحة الأمريكية التي يمولها دافعو الضرائب بكل ‏عزيز لديهم بشكل سئ للغاية لدرجة أن أعداء الولايات المتحدة لم يتمكنوا من البقاء فقط وإنما انتعشت تنظيماتهم ‏لدرجة أنهم يحتجزون العديد من الأسري من الجنود الأمريكيين) أ.هــ ‏ أما بالنسبة لما يحدث الآن لتطبيق الولايات المتحدة لتأثير الفراشة ونظرية الفوضي المنظمة فيتجاوز الفشل ‏العسكري والإستخباراتي بعدة مراحل ليصل إلي نتائج كارثية بالفعل ، علي الرغم من تمكنهم من اغتيال اسامة ‏بن لادن العدو الأول للولايات المتحدة. حتي ندرك فداحة النتائج التي ستكون فوضوية بالفعل علي الولايات ‏المتحدة ، وسياسيتها ، وشعبها في المرحلة القادمة يجب أن نستعرض بعض الحقائق التي فرضها علينا الواقع ‏الإستثنائي الذي يعيشه العالم العربي هذه الأيام.‏ ‏ إن أكثر الدول أهمية للمشروع الإمبراطوري الأمريكي في العالم العربي ، مصر، قد تخلصت بالفعل من النظام ‏الديكتاتوري المدعوم أمريكياً وصهيونياً والذي كانت يقبع علي أنفاس شعبها ويحول بينهم وبين حق تحديد ‏المصير السياسي والاجتماعي ، ويفرض عليهم أهداف الهيمنة الأمريكية وآلياتها ، وهذه الحقيقة تفرض واقعاً ‏جديداً تماماً علي دوائر صناعة القرار الأمريكية ، فعناصر التأثير السياسي الأمريكي في مصر قد ذهبت بلا ‏رجعة مأمولة ، فأصبح علي الساسة الأمريكين أن يتعاملوا مع واقع متغير في منطقة كان استقرارها الإستراتيجي ‏في صالح السياسة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.‏ ‏ الحقيقة الثانية التي تفرض نفسها كعامل من عوامل تدمير المشروع الأمريكي في المنطقة هي أن الصبغة السائدة ‏للمجتمعات العربية في الدول التي خرجت عن السيطرة الأمريكية المباشرة هي صبغة إسلامية واضحة ، كما هو ‏الحال في مصر ، وإن كان الجزم بما سيستقر عليه الوضع وهوية النظام الحاكم لم تستقر بعد ، إلا أنه بات من ‏الممكن الجزم أن التيارات الإسلامية لن يمكن إدخالها في (قمقم) الحكومات التابعة لأمريكا – إن وجدت – مرة ‏أخري ، وأن هذه التيارات ستكون فاعلة لأقصي حد ممكن في صناعة القرار الحكومي في هذه الدول.‏ ‏ الحقيقة الثالثة أن القضية الفلسطينية أصبحت بعد حرب غزة الأخيرة تحتل وعي الشارع العربي بشكل غير ‏تقليدي ، وأصبح هناك وعي متزايد وإجماع شبه كامل من كافة التيارات السياسية بضرورة إيجاد مخرج لإقامة ‏دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشريف في القريب العاجل حتي تنتهي القضية الفلسطينية ، وهذا بالطبع آخر ما ‏يمكن أن توافق عليه إسرائيل ، وبطبيعة الحال الولايات المتحدة أيضاً.‏ ‏ الحقيقة الرابعة أن موقف الولايات المتحدة من الثورات العربية كان مخيباً لآمال شريحة عريضة من النخبة ‏السياسية التي كانت تنتظر دعماً أكثر وضوحاً و إيجيابية من الإدراة الأمريكية حتي تستطيع هذه النخبة استلهام ‏بعض مكتسبات الحضارة الأمريكية للتسويق للعلمانية والليبرالية في المجتمعات العربية التي يغلب عليه التحفظ ‏الديني ، لا سيما في العقود الثلاثة الأخيرة. فالموقف المضطرب للإدارة الأمريكية جعل الشريحة العظمي من ‏المجتمعات العربية تفقد الثقة تماماً في الديمقراطية الأمريكية وأنموذجها السياسي والأيدولوجي ، واتجه الحديث ‏‏– كما هو الحال في مصر – إلي نوع جديد من الديمقراطية المصبوغة بالإسلام بما يجعلها أشبه بالشوري المقيدة ‏التي فصلتها كتب الشريعة والفقه.‏ ‏ من هذه الحقائق يتضح أن قتل بن لادن ، وتحديداً علي هذا النحو الهمجي البربري ، سيقود بالفعل إلي إحداث ‏تأثير فراشة جديد في العالم العربي كما أحدثته حربي العراق وأفغانستان. الغريب في الأمر أن تأثير الفراشة ‏الجديد سيكون مدمراً للولايات المتحدة أكثر من الحربين السابقتين. التعاطف الشعبي الآن مع بن لادن – بما هو ‏معروف عند الشعوب العربية من تقديس لحرمة الموت والشهادة – جعل الأرض خصبة تماماً لنشر فكر القاعدة ‏التي توعدت الولايات المتحدة برد وصفته بأنه (محرق) منذ يوم أو يومين. مما يزيد من شعبية فكر القاعدة الآن ‏هو ما ذكرناه من الإحباط الذي أصاب الشعوب العربية من موقف أمريكا من ثوراتها ، والدعم الغير محدود الذي ‏تقدمه الولايات المتحدة للكيان الصهيوني. ولكن العاقبة الأكثر تدميراً للولايات المتحدة أن الأنظمة العربية القادمة ‏لن يكون عندها أي مبرارات لتقيم علاقات استثنائية مع الولايات المتحدة كما كان الحال من قبل. المنطقة العربية ‏في طريقها الآن لدساتير أكثر شفافية تسمح برقابة شاملة للشعوب علي أنظمة الحكم العربية. وبهذا فستظفر ‏الولايات المتحدة بحكومات – إن لم تكن معادية – محايدة تماماً بالنسبة لأهدافها الإستعمارية والتوسعية في ‏المنطقة ، بالإضافة إلي عداء شعبي محكم لسياستها وثقافتها ومنهجها الفكري والأيدولوجي. فتأثير الفراشة الذي ‏أحدثه مقتل زعيم تنظيم القاعدة سيولد إعصاراً كارثياً للأمريكيين : مركزه هو الإنتشار المتوقع لفكر تنظيم ‏القاعدة وعملياته بشكل أوسع من ذي قبل ، وامتداده هو الدول الجديدة في الوطن العربي.‏

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل