المحتوى الرئيسى

في سيميولوجيا الثّّورة التّونُسيّة بقلم محمّد خريّف

05/20 21:00

في سيميولوجيا الثّّورة التونسيّة من علم الغفلة إلى علم فضح اِنْتهازيّة الغفلة محمّد خريّف . الثّورات النّامية اليوم في تونس وغيرها من البلدان العربيّة، يُخْشى عليها من أن تكون ثورةً تقليديّةً في ثوْبٍ ديمقراطيٍّ فولكلوريّ ، حيْثُ يُسْمح فيها لخطابات الجهْل من رُكوب الحدث ،واِنْتهاز فُرَص التّسابق إلى الحضور وإعلان البطولة ، بل البراءة ، عبر القنوات التّلفزيّة وغيرها. يَحْدُث هذا من أشْباه مثقّفين ، بحْثًا عن مواقعَ جديدةٍ، تضمن لهم الاِسْتمرار في التّمعّش من إعادة تفعيل أساليب الجهل والتّخلّف التي كانوا يُمارسونها في أجهزة النّظام السّابق ودواليب الحكم. وهؤلاء معروفون لدى الخاصّ والعامّ بما يقومون به من أدوارٍ مفضوحةٍ من خلال تقمّص أدوار مَشْهديّةٍ ،قد تنطلي على العامّة والخاصّة في آن. وذلك إبّان تظاهرهم بإعلان غضبهم في تشنّج لافتٍ، إزاء ما يحدث من قيامٍ وقعودٍ يأتي على رمز السّلطة الأوّل، سواءُ أكان ذلك لحظة قيام الدّيكتاتور بانقلاب السّابع من نوفمبر، أو إثر قُعوده أو هُروبه بدقائقَ، أو حتّى بساعاتٍ وأيّامٍ يوم 14 جانفي 2011. هؤلاء غاب عنهم أن الثورة التونسية الحالية لا قيمة لها، إن كانت ستكرّس أساليب التخلّف و الجهل التّقليديّة المعروفة المُترسّخة في اللاّوعي الفرديّ والجماعيّ. وهي ثورة أعلنت بإجْماعٍ تبنّيها الاِنْخراط في المنظومة البرلمانيّة الغربيّة بأطروحاتٍ تقليديّة لم تواكبها قطيعةٌّ فِعليّةٌ مع ذِهنيّة اللاّتفكير العلميّ، ورأسها الثّورة الدّائمة على المّترسّخ فينا من عقائد وإيمانٍ بمُسلّماتٍ الغيب: وهي مُسلّمات كانت ولا تزال من الأسباب العميقة التي صنعت منّا، ولعصورٍ طويلةٍ فريسةًًً من فرائس الطّغاة والمُستبدّين من الحكّام في الدّاخل والخارج . فمُهمّةُ هذه الثّورة ، بالإضافة إلى خلْع الدّيكتاتوريّة خلْعًا جذريّا، ليست سوى سبيلا إلى خلق مناخٍ حرٍّ ديمقراطيٍّ للوصول إلى ثورةٍ أخرى هي الثورة العلميّة المُستمرّة ضدّ الجهل وآلياته المّترسّخة بمقامات الخطاب الإيديولوجيّ البدائيّ اللاهوتيّ :هي ثوراتٌ مُنْتظرةٌ ترتقي بالشّعب التّونسي إلى منزلة الشّعوب الثّائرة باسّتمرار على ذِهنيّة الوقوف على الأطلال والعوْد على بدءٍ..إنّها ثورة- الآن هُنا- فاعلُها الإنسان مُنتقضًا على مخلّفات الجهل، ومن رواسبها التّواكُلُ على قُوى الغيب وانْعدام الإرادة أمام وهم الإعْجاز الرباّني. إنّ الثورة لتستهدف ذِهنيّاتِ التّسليم والتّصديق لتثور الذّهنيّة العلميّة على الذّهنية العلميّة بلا هوادةٍ ولا اِنْقطاعٍ. إنّ الثورة تقاوِم بالأساس علم الغفلة أو صناعة الغفلة الطّاغية على سائر العلوم لدى العرب المسلمين ومن شاكلهم من أهل الملل والنِّحَل .وهي صناعةٌٌ أدّت بالشّعب التّونسي إلى ما آل أليه أمره على امْتداد خمسين سنةًً تقريبًا ،توارثها محترفو الحكم في تونس، مُكابِرًا عن مُكابرٍ، وهي لا تزال إلى اليوم تّمارسُ في السّتر والعلَنِ رغم اِسْتبدال نظامٍ سياسيّ بنظام ٍ سياسيّ آخر. ولعلّ ثورة الهامش ثورة "السّوبر حداثة" في تونس خرقت بالفعل سقْف علم الغفلة المدعوم بسلطة المحور المتداعية، كما يقول المفكّر حسن عجمي. . وما علم الغفلة سوى علم السياسة الذي يستثمر"علم الوضع في حالة حبكة" ليموّه بأساليب الكذب والدّجل على السّواد الأعظم من الناس ومن وسائله المُتاحة- كلاب الحراسة من مثقفين وإعلاميين صاروا بارعين في الإقناع بغير الواقع عن طريق الصّوت والصّورة. والدليل على ذلك أنّنا لا نزال نعاني في تونس، من توابع علم الغفلة أو اِنْتهاز الغفلة، إصْرارًا وقِحًا بامْتيازٍ في تونُس، بفضل ما توفّر لأصحابه من قدْرة على التّلوّن ورّكوب الحدث وإعادة صياغة خطاب اِنْتهاز الغفلة في جُرْأة من لا يسْتحيي من العزم على مواصلة الاِبْتهاج بتلوّثه واِرْتكاب جرائمه في حقّ الشّعب وثورته. وقد تنطلي الحِيَلُ على من صَدِئت ملكاتُ النّقد عندهم. فكانت ذاكرتهم قصيرةً جدّا أو ميّتةً بمفعول ما يطرأ على تلك الذّاكرة من شلٍّ أو نسْيانٍ ، قد يتسبّب فيه توظيفُ حرب الصّورة على المتلقّي في العصر الحديث توظيفّا عشوائيّاً. ولعلّه من الوجيه الإشارة إلى أنّ أهل صناعة الغفلة ليْسوا سوى دكاترةٍ في الجامعة التونسيّة ومن لفّ لفّهُم من العوامّ ،كما يقول الجاحظ ، وهم راموا نعيم الولاية فتقلّدوا المناصب السّامية، فساهموا في بناء الدّيكتاتوريّة التّونسيّة منذ اِنْقلاب السّابع من نوفمبر ،حيثّ وُجد من الجامعيين من نظّر لهذا الاِنّقلاب المتخلّف"القائم على بيان الغانم من الغفلة" في كتب تنعت "ثورنه المزعومة" ب"الثورة الهادئة" كما جعلوا له نواديَ للحوار الزّائف، شارك فيه محسوبون على الأكاديميّ وغيرهم.من المرتزقة الذين رفعوه إلى منزلة المدافع عن حقوق الإنسان الأوحد وحامي الدّين والوطن. ولم يتردّد بعضهم في أن جعل له كرسيّا باسمه في الجامعة التّونسية و للديكتاتور أن يُمنح شهادة الدّكتوراء ولم لا ؟،وله أن يقُلّد وزوجته" ألقاب الرّياء والسّيادة من قبل منظماتٍ حقوقيّةٍ عالميّة كما يقلّدُ دروعًا وأوسمةً تقديريّةً .هكذا كان يصنع الغالب من الكُتّاب والصّحافيين الّذين مكنهم نظام الرئيس المخلوع من الإشراف على مؤسسات ثقافيّة وإعلامية وحقوقيّة كبيت الحكمة وبيت الشّعر ورئاسة تحرير المجلاّت والصّحف الدّاعمة لخطاب الديكتاتوريّة فكانوا من أذنابه، إلاّ أنّهم اليوم صاروا من المندّدين به ، بل من المغامرين في التسابق إلى نعْيه. غريب أمر هؤلاء ، و إن كان الأمر لايحتاج منهم إلى حماية ثورة لا خوفَ عليها إلاّ منهم ، في وقت نحتاج إلى فيه ثقافة سيميولوجيّة ،ولو مبسّطة تعتني بفضح علم اِنْتهازيّة الغفلة وتعرية كيْد أصحابها- ولم تجرؤ قناة محليّة أو عربيّة – إلى حدّ علمي- على الاستعانة بخبير من أولائك المتدخلين من شباب الفاعلين في الثورة. لعلّنا نسعى بذلك إلى تحرير للشّعب التّونسي من ديكتاتوريّة علم الغفلة وديكتاتوريّة اِنْتهاز فرصها الخبيثة. وذلك ما نبتغيه من المرحلة القادمة، مرحلة الثّورة على ما"نعتقده" صوابًا ، قبل الثورة على ما يعتقده غيرنا من آراء قد نختلف معها. * ناقد من تونس

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل