المحتوى الرئيسى

د.إيمان يحيى :الأمن أولاً و ثانياً و ثالثاً

05/20 20:26

كلمة السر الآن فى مصر هى الأمن، يتساءل المصريون جميعاً :أين الأمن؟ و لماذا تأخر ظهور الشرطة فى الشارع؟ قبل أن يدور أى حوار وطنى حول مستقبل مصر، يجب ان يكون الأمن، أمن المواطن و الوطن،البند الأول فى فى أى حوار مجتمعى.فى عام 1967 انهار الجيش المصرى، و لكنه استعاد رباطة جأشه فى أقل من شهر و خاض معركة رأس العش. و هانحن مرت أربعة شهور منذ اختفاء الشرطة من الحياة المصرية فى 28 يناير الماضى، و لم تزل ربوع مصر تفتقد وجوداً مؤثراً للأمن. البعض يعزو ذلك لمؤامرات الثورة المضادة، و البعض الآخر يرى أن الأزمة أكبر من ذلك، و أن ظهور الشرطة مجدداً قد يحتاج الى سنين و ليس شهوراً بسبب انهيار منظومتها التى تم بناؤها على أسس خاطئة بل وإجرامية. أياً كانت وجهة النظر، فإن النتيجة واحدة..فمن المؤكد أن بقاء الحال على ما هو عليه يعرض الدولة و مؤسساتها للخطر الداهم.و لعل الجيش هو الأكثر عرضة للخطر، فليست من مهماته البقاء فى الشوارع لشهور للقيام بمهام لم يؤهل لها أصلاً، و لم تكن يوماً بين وظائفه. أثتاء حريق القاهرة و بعد ثورة يوليو 52 لم تتجاوز مدة مكوث القوات المسلحة فى الشوارع أيام. ربما كان حضور الجيش طاغياً دائما فى الحياة السياسية عقب ثورة يوليو، لكنه لم يتواجد فى الشوارع و لم تتعرض وحداته لمؤثرات غريبة على طبيعته و وظائفه مثلما يحدث هذه الأيام.عودة الشرطة إذاً، هى مهمة ملحة للغاية، و لكن كيف؟هذا السؤال لا يستطيع الاجابة عليه وزير الداخلية و لا حتى المجلس العسكرى الأعلى!، لأن المنوط باجابته هو الشعب و قواه المدنية. يستلزم اعادة بناء جهاز الشرطة مشاركة مجتمعية و رقابة شعبية.يمر الطريق الى استعادة الأمن و جهاز الشرطة لدوره بمحطات رئيسية:أولاً:كسب ثقة الجمهور المفقودة، و لن يتم ذلك الا بإشعار الشعب أن مهمة الشرطة هى الحفاظ على أمن المواطن قبل أمن الحاكم. حان الوقت لتفعيل “الأمن الجنائى”الذى افتقده المواطنون طوال ثلاثين عاماً. من حق المواطن الشريف أن يدخل قسم الشرطة و هو آمن و أن يخرج منه بكرامته غير منقوصة. لماذا لا ترفع على أبواب أقسام الشرطة الخارجية يافطة “الشرطة فى خدمة الشعب” كما كان الوضع فى ستينيات القرن الماضى؟ ما المانع أن يحمل الشرطى حتى درجة اللواء بطاقة تعريف بهويته و اسمه على بزته العسكرية؟ لن يكون انتقاصاً من هيبة الشرطة أن يحيى رجل البوليس المواطن عند استيقافه بالشارع و أن يقوم باعلامه بحقوقه قبل التعرض له. هذا السلوك كفيل باعادة الهيبة و الاحترام لجهاز الأمن.ثانياً: التفعيل الكامل للضمانات القضائية و الحقوقية التى تمنع انحراف جهازالشرطة و تجاوزه فى حقوق المواطنين. من هنا يجب اعادة التفتيش القضائى و الحقوقى على أقسام البوليس و أماكن الاحتجاز القانونية. تلك الرقابة قادرة على لجم أى تجاوزات أو شطط تقع فى أقسام الشرطة. فى الوقت نفسه لابد من عودة أشكال التعاون الشعبية مع أجهزة الشرطة عبر جمعيات أصدقاء الشرطة، و لعل تلك المرحلة التى نفتقد فيها الوجود الأمنى فى الشارع تتطلب أن يساهم المواطنون مع رجال الشرطة فى دوريات مشتركة قائمة على مبدأ التطوع المدنى، مما يكسر الحاجز بين المواطن و الشرطى و فى نفس الوقت يشرك المجتمع فى مهام حفظ الأمن. تلك الممارسة تتم فى دول عديدة كأحد مهام المواطنين.ثالثاً: هناك شعور بأن هناك تعمد من قبل بعض رجال الأمن فى معاودة مزاولة أعمالهم، تلك المماطلة قد تلقى بظلال من الشك على الاصلاح الجارى لجهاز الشرطة. فى سبيل تعويض النقص الشديد فى رجال الشرطة قدم المحتمع المدنى حلولاً تتمثل فى تعيين خريجى كليات الحقوق اللائقين للعمل كضباط شرطة بعد دورة مكثفة بكلية الشرطة لمدة 6 أشهر. فى نفس الوقت يتطلب هذا الوضع حزماً فى استبعاد من يرفض مزاولة عمله و النزول الى الشارع.رابعاً: لم يكن وليد الصدفة أن وزراء الداخلية بعد ثورة 52 حتى تولى السادات، كانوا من ضباط الجيش. تولى وزارة الداخلية جمال عبد الناصر و زكريا محيى الدين و عباس رضوان و شعراوى جمعة. لعل الثورة أنذاك أدركت أهمية وزارة الداخلية و أجهزة الأمن الداخلى و خشيت مؤامرات فلول النظام الملكى. ما أشبه الموقف اليوم بما كان فى الأمس، قد نحتاج الى فترة انتقالية يكون فيها وزير الداخلية من الجيش، ليصبح واجهة أكثر شعبية، حتى تستقر الأمور. و من المؤكد أنه فى مرحلة مقبلة سنحتاج أن يكون وزير الداخلية من السياسيين كما هو الحال فى بقية دول العالم المتحضر، و كما كان فى مصر قبل الثورة.خامساً: أصبح من الضرورى أن يطمئن الشعب الى ان جهاز الأمن الوطنى الجديد ليس امتداداً و طبعة مكررة من “جهاز مباحث أمن الدولة “السابق، وخاصةً أنه ترددت أنباء عن قيام الضباط السابقين بالجهاز المحلول بممارسة نفس الأنشطة فى الجهاز الجديد، كما ترددت أنباء عن انتشار مكاتب لجهازالأمن الوطنى داخل الجامعات المصرية! إذا كانت قضية انحرافات المخابرات العامة المصرية قد حظيت باهتمام القيادة السياسية عقب نكسة 67  فعينت لجنة لتقصى الحقائق و تمت احالة المنحرفين الى القضاء للمحاكمة، فإن ما حدث خلال السنوات الماضية من تغول و انحراف لذلك الجهاز يستوجب تشكيل لجنة على أعلى مستوى سياسى و حقوقى لتقصى ما حدث داخل الجهاز و مدى تغوله فى المجتمع و لتقترح اقتراحات محددة كى لا تتكرر التجربة مرة أخرى.تبدو قضية استعادة الأمن عاجلة و مصيرية لمستقبل بلدنا، فبدون الأمن لن يتم انتقال سلمى للسلطة و لن يكون هناك دستور و لا برلمان و لا انتخابات. و ها نحن نشهد الاقتصاد ينهار بسبب الانفلات الأمنى. قضية أمن المواطن و البلد هى على رأس سلم الأولويات، و لن يحلها سوى المجتمع بأكمله و بمشاركة شعبية حقة. تلك المشاركة لن تبدأ الا بمناقشة صريحة لما حدث و يحدث الآن.   مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل