المحتوى الرئيسى

رضا حماد يكتب: أفكار للبناء من وعي اللحظة الراهنة

05/20 15:15

من أسوأ حقائق اللحظة الراهنة ذلك التآكل المتنامي لرصيد المشاعر الإيجابية التي حلقت بالمصريين في السحاب وحفزت لديهم الأمل والرغبة في البناء بعد الثورة، ، أما الأسوأ والأخطر فهو تراكم المشاعر السلبية تجاه الثورة، نظراً للغموض وتتابع المصائب والانشغال بصغائر الهدم عن واجبات البناء والإنصات لفضائيات وصحف الفتنة بدلاً من ماكينات المصانع. صحيح أن غياب الاستقرار واضطراب منوال العمل وتشوش التوقعات وجموحها، يمثل أهم خصائص مراحل الانتقال المصاحبة للثورات، إلا أن الخطورة في المرحلة الانتقالية التي تمر بها مصر هي أننا منشغلون بإطفاء الحرائق، أكثر من اهتمامنا بالبناء ولو لبنة صغيرة للمستقبل، تلهينا أخبار سكان طره، وأوهام استعادة المليارات المنهوبة عن التدبر في عمل حقيقي يؤسس للمستقبل.مسئولية هذا الحال لا تتحملها الحكومة ومن يديرون الدولة وحدهم بل تتحمل قوى الثورة والفئات الحية في المجتمع والجماهير العادية التي أطقت المبادرات نصيباً غير قليل نتيجة لفتور الحماس وتشتت الروح وغياب البوصلة، وانشغال بالتخطيط لجني ثمار لم تنضج بعد.منذ اللحظة التي غادر فيها مبارك السلطة اندفع طوفان من المبادرات والأفكار من داخل وخارج مصر، رؤى كثيرة حول متطلبات البناء الديمقراطي وتأسيس مصر الجديدة، آلاف المبادرات لإنعاش الاقتصاد والبورصة، متطوعون لتعقب الأموال المنهوبة والعمل على ردها والأهم من كل ذلك، مشاعر جياشة وثقة بالنفس وأمل في المستقبل، وكأننا أمام شعب أخر غير الذي عرفناه، واتهمناه بالتخاذل والأنانية والانتهازية والفساد، ورغم كل ذلك لا أظن أن شيئاً كثيراً من تلك المبادرات انتظم في مسار جاد للعمل لأنه لا الحكومة ولا قوى المجتمع بادرت إلى احتضان هذه الأفكار ودفعها لتسير في مجرى واحد يصب في بناء مصر الجديدة.تأملات المشهد الحالي بعد مرور نحو أربعة أشهر على الثورة تشير إلى أن ملامح المستقبل لم تتشكل بعد وأن المرحلة الانتقالية التي نعيشها تنفتح على واحد من طريقين لا ثالث لهما: إما الانتقال بمصر إلى عهد جديد تكون فيه كبيرة وفاعلة، أو التقهقر بها نحو الوراء، ولا اقصد هنا خيار العودة للنظام الساقط فقط، بل أعني كل الذين يريدون دفع الدولة نحو الماضي ويحجبونها عن المستقبل الديمقراطي المدني التنموي الذي يضمن العيش الكريم وحرية الرأي والفكر والإبداع لكافة المواطنين.أظن أن الانتقال إلى الأمام وتأسيس نظام جديد يقتضي ثلاثة أمور رئيسية، أولها المصارحة والمكاشفة بحيث يكون الشعب شريكا حقيقياً في القرار، توضع أمامه الحقائق كاملة السيئ والصادم منها قبل الجيد،  وهنا أرجو من حكومة الدكتور شرف ألا تبالغ في تسكين مطالب الناس وإطلاق وعود لا يمكن الوفاء بها، أما الأمر الثاني فهو البدء في تطبيق حلول غير تقليدية لمعالجة الأزمات التي تهدد بالعودة للوراء وعلى رأسها الانفلات الأمني وتراجع الإنتاج، ثم أخيراً، ينبغي العمل على إعادة تحفيز قوي المجتمع لاستعادة روح الثورة وأخلاق الميدان ليكون رمزاً للبناء كما هو رمز للتظاهر وهدم فساد النظام السابق.أعتقد أن الأمل لازال باقياً واستعادة هذه الروح أصبح ضرورة اليوم باعتبارها خط المواجهة الأول لصد الفتن وإعادة الثقة في الثورة وفي الشعب، والأهم هو التأسيس لمرحلة البناء.فالمواطن المصري هو ذاته قبل وبعد الثورة لم يتغير وضعه، بل أظن أن الكثيرين تبدلت أوضاعهم للأسوأ نتيجة للمأزق الاقتصادي وفقدان الشعور بالأمان، ورغم أن ذلك يمثل ضريبة تافهة للثورات، إلا أن لحظات التحول الثوري في كل الدنيا تدفع بأحلام وطموحات الناس إلى عنان السماء، وبالتالي على الحكومة اتخاذ بعض التدابير التي تُشعر المواطن بأن الثورة لها بصمات في الخدمات العامة والمواصلات والشوارع والأهم من ذلك ظروف المعيشة و مستويات الدخل والأجور ولست أدري لماذا تأخر وضع حد أدني للأجور كل هذا الوقت إذا كانت هناك دراسات جادة تشير إلى إمكانية تمويله ذاتياً من وضع حد أقصى لأجور السادة الكبار.على مجلس الوزراء والقوى الوطنية استعادة كل الأفكار والمبادرات التي أطلقت منذ الثورة وحتى اليوم، والعمل على مناقشتها ودفعها لتسير في مجرى البناء ثم إطلاق المزيد، وهنا أود أن أدعو الشباب الذين شاركوا في تنظيف الشوارع إلى تبني مبادرة لمحو أمية عدد من المواطنين خلال فصل الصيف على يكون الصيف القادم لتنظيف العقول من الجهل، وأدعو كليات التربية في مختلف جامعات مصر للإشراف على هذا المشروع، وإذا لي جاز الحلم بالمزيد، أقترح ألا تقتصر دروس محو الأمية على القراءة والكتابة وحسب بل استثمارها في التوعية السياسية وحث هذه الفئة المهمة من المواطنين على المشاركة السياسية والتفاعل مع الانتخابات التي ربما يتصادف إجراؤها نهاية الصيف.في الملف الطائفي ولاستعادة السلامة الاجتماعية للأمة المصرية أقترح ألا يقتصر قانون دور العبادة الموحد على نصوص تهتم بتنظيم عملية البناء وتترك الحبل على الغارب للممارسات التي تتم في المسجد والكنيسة، فالقانون المزمع إصداره، لابد أن يعيد المسجد والكنيسة لدورهما الطبيعي كدور للعبادة وإقامة الشعائر، ويلزم الشيخ والقس بعدم تجاوز دوره كواعظ لا كزعيم سياسي، بحيث تكون مهمته التوجيه الديني والأخلاقي من دون الخوض في خلافات السياسة وشئون الانتخابات والناخبين.في السياق ذاته ينبغي الإشارة إلى أن إقدام حكومة الدكتور شرف على تشكيل لجنة للعدالة الوطنية وتكليفها بدراسة قانون دور العبادة الموحد وقانون تجريم التمييز بين المواطنين يمثل خطوة جادة في الطريق الصحيح، لكن إذا لم نبحث في جوهر بنية التطرف في المدرسة والشارع، وأسباب العزلة والصورة المغلوطة لكل طرف عن الأخر، إن لم ندقق في أسباب تحول أسماء المسيحيين إلى جورج ومايكل وميشيل بدلاً من رأفت ورفعت ومينا،  إن لم نبحث كل هذه القضايا لن يمكننا مواجهة المتعصبين بين المسلمين والمسيحيين ولن تنجح هذه القوانين في وأد الفتنة أو إزالة ألغامها من القرى والمدن.إن الوعي بحقائق اللحظة الراهنة وحده الحاسم لتجاوز الفوضى والعشوائية ورسم ملامح المستقبل، لذا يجب على الحكومة والقوى المحركة للثورة أن تحفز الناس على العمل بدلاً من الإصغاء إلى الفضائيات، وعلى المجتمع نفسه مسئولية أن يوجه طاقاته إلى ما هو مفيد فاللحظة الراهنة تؤكد أن بناء المدارس والمستشفيات مقدم على بناء المساجد، والمساهمة في دعم الاقتصاد الوطني، أولى من أداء العمرة، وهناك فتاوى متفق عليها من أئمة مرموقين تحتاج فقط إلى التذكير بأهمية الأخذ بها.لدينا قاعدة مهمة في الصناعة والخدمات يمكن الانطلاق منها، وأجزم بأننا لو استعدنا الأمن وعاد الاستقرار ستعود السياحة بأسرع مما نتخيل وقبل أي قطاع أخر، فلدينا مقومات مذهلة لكنها كانت مهملة مهدرة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل