المحتوى الرئيسى

الديمقراطية... عقلنة

05/20 07:39

عبد الله العوضي الديمقراطية إحدى نتائج الحرية وهي أسلوب راق للوصول إلى المنجزات ككل ولا يبتعد عن اجتهاد البشر، فقد تنجح وقد تتعرض للتراجع، إلا أن ميزتها الأصلية أنها قابلة للحذف والإضافة فهي ليست بصمة واحدة لا تتغير، فلكل ديمقراطية في العالم قصة فريدة لا تتشابه مع غيرها منذ النشأة، فعلى الحصيف أن يقرأها سياسيّاً بدقة وتمعن حتى لا يخطئ في النتائج النهائية واستصدار أحكام لا يمكن تطبيقها على مجتمع دون آخر. فالديمقراطيات لا تنجح وحدها، بل هي بحاجة إلى الكثير من الضمانات التشريعية والقانونية والرقابية، حتى تؤتي ثمارها للصالح العام لأي مجتمع جعل من هذا الأسلوب نهجاً له ليس في السياسة فقط بل في كل جزئيات الحياة اليومية التي يجد الفرد أنه حر في اختياراته الخاصة والعامة إزاءها. والناظر إلى الحراك القائم في العالم العربي يشعر بأنه بحاجة إلى القليل من حدته والتكثيف من جرعة العقلنة حتى لا تختلط وسائل التعبير بأساليب التدمير للمكتسبات على أرض الواقع، لأنه ليست هناك دولة فارغة من أي مكتسب خلال العقود الماضية، ومن شأن أهل الإنصاف ألا يرموا أي منجز سابق خلف ظهورهم. فالديمقراطيات المنشودة، التي لم تثبت أركانها بعد في عمق الواقع الذي لا زال هشاً وقابلاً للتراجع، بحاجة أكبر من الرعاية المؤسسية وإلا فإن الفرد الأوحد سيعود من جديد إلى السطح وإن لبس ثوباً من الديمقراطية التي تدغدغ أحلام الذين ضحوا بالكثير من أجل إنجاح الحراك السياسي في العالم العربي. فالتحول الذي يعبر عن نفسه الآن بأكثر من شكل في بعض البلدان العربية التي طالتها يد التغيير غير المستقر، ليس كافيّاً وحده لإنزال الديمقراطية على الأرض المتحركة، لأن العالم العربي بأوضاعه الراهنة يخلو من نموذج مثالي واقعي ومتكامل عندما يقارن وضعه بالدول الديمقراطية في الغرب الأوروبي والشرق الآسيوي. ولذا فإن الحيطة مطلوبة لما يراد بناؤه في أرض العرب وفق خاصية معينة وخصوصية لافتة للنظر، حين التعامل مع الديمقراطية كمنظومة متكاملة تشمل السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة وغيرها من المجالات الأخرى التي هي بحاجة ماسة إلى غرس الأسس السليمة أو البذور الصحيحة لإنبات شجرة الديمقراطية الجديدة في الشرق الأوسط، وهي لن تأتي عبر الحروب الوقائية ولا الاستباقية، ففي كل مجتمع عربي مواقع ومصدات ومتاريس لا يمكن مواجهتها لا بالدبابات ولا المجنزرات. فالتغييرات الجارية إذا لم تعقلن وتغذ بالمفاهيم التي تلائم كل مجتمع على حدة، فإن الأحلام الوردية لا تحققها العواطف الجياشة، وتغير بعض الأنظمة العربية لا يعني أن "الديمقراطية" المطبقة في الغرب، صارت قاب قوسين أو أدنى من التحقيق الفوري، وهو شرط غير لازم لأي نظام جديد يراد من خلاله محو كل آثار الماضي جملة وتفصيلاً. إن على المتحمسين إلى درجة اللاوعي، قراءة التجارب الديمقراطية من حول العالم، لكي لا يصدم البعض من صعوبات التطبيق الحرفي لهذا المفهوم في عقر دار الغرب الديمقراطي. والأهم من كل ذلك، أن العالم العربي لو تحول بأكمله إلى الديمقراطية التي تلائمه، فلن يتحول إلى نسخة مكررة لما هو متاح في العالم الغربي، لأن الاستنساخ ليس فعالاً لأنظمة من اجتهاد الإنسان، إلا أن أنسنة القوانين والتشريعات هي من ضمانات النجاح لأي نظام ديمقراطي جديد يراد غرسه في أي مكان. *نقلا عن "الاتحاد" الإماراتية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل