المحتوى الرئيسى

جامعة العرب تواجه التحديات

05/20 02:46

رغيد الصلح استقبل تعيين الدكتور نبيل العربي في منصب الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية بترحاب واسع في الأوساط العربية . عبر وزير الخارجية الجزائري مراد مدلسي عن نظرة هذه الأوساط عندما أشاد بتجربة الأمين العام “الجديد الدبلوماسية والقانونية الكبيرة” و”أخلاقه الطيبة والتوازن في تصرفاته”، وعندما توقع له القيام بالنجاح في امتياز في منصبه الجديد . وتتسم هذه الشهادة بالأهمية لأنها تأتي من بلد لطالما اشتكى من العرف القاضي بتعيين الأمين العام من دولة المقر . ولا ريب أن الجامعة هي اليوم في أمسّ الحاجة إلى شخص في مكانة د . العربي، فهي الآن ترزح تحت وطأة تركة مثقلة بالأعباء، وهي تواجه مستقبلاً قلقاً ومصاعب كثيرة يمكن تلخيصها بالتحديات التالية: * أولاً، تحدي الاستمرار: لقد كانت الجامعة تواجه دوماً مثل هذا التحدي، إذ إنها كانت تفتقر إلى المساندة والدعم . جاءت الجامعة تلبية لنداء التوحد والتعاون والتكامل بين الدول العربية . من هذه الناحية كانت تثير قلق المتمسكين بالدول العربية القائمة . ولكنها كانت في الوقت نفسه تلقى معارضة بين المتحمسين لمشروعات الوحدة العربية، إذ اعتبروها محاولة لإجهاض هذه المشروعات . هكذا كانت الجامعة في قلب الجدل حول العلاقات بين الدول العربية، وكان التحدي الرئيسي الذي واجهته الجامعة ولم تنجح فيه هو إقناع الحكومات العربية بأهمية التعاون وبضرورة رفع مستوى التنسيق والتكامل والتساند في ما بينها . اليوم لم تعد فكرة التعاون الإقليمي التي نشأت عليها الجامعة موضع جدل . لقد أصبح انضمام الدول إلى تكتلات إقليمية عنواناً من عناوين سيادتها وأهميتها على الصعيد الدولي . وتضاعف عدد التكتلات الإقليمية خلال التسعينات عشرات المرات تقريباً . وأصبح ثلث التجارة العالمية حالياً محصوراً في إطار هذه التكتلات . ولم تتطور التكتلات الإقليمية من حيث عددها فحسب، وإنما أيضاً من حيث النوع والفاعلية، بعد أن أزيحت العقبات الجمركية وغير الجمركية التي كانت تعرقل التجارة بين دولها . إذاً، لم يعد تحدي الاستمرار ناجماً عن مقاومة الدولة العربية لمشروعات التعاون الإقليمي العربي، ولكنه بات اليوم على العكس من الأمس ناجماً عن إقبال الدول العربية على مشروعات التعاون الإقليمي ولكن غير العربية . وهذه المشروعات هي على نوعين: الأول احتوائي، يرمي في أكثر الأحيان إلى إضفاء مشروعات التعاون والتكامل العربية في إطار تكتلات واسعة فضفاضة بحيث تبطل القدرة على تحقيق تعاون فعال بين اعضائها . النوع الثاني، تكتلات فرعية تعمل على تعميق العلاقات في ما بينها، بينما تبقى العلاقات بين دول الجامعة في أدنى المستويات . * ثانياً، التحدي الديمقراطي: يمكن إعادة هذا التحدي إلى منبعين مهمين، الأول هو الاتجاه المتزايد بين التكتلات الإقليمية في العالم نحو اعتبار التحول الديمقراطي هدفاً أساسياً من أهدافها . الظاهرة الأبرز على هذا الصعيد هي بالطبع السياسة التي درج عليها الاتحاد الأوروبي في سائر مراحله التأسيسية والتكوينية والتطورية . إلا أن الالتزام بالديمقراطية لم يعد محصوراً بالاتحاد الأوروبي وحده، بل انتشر بين غيره من التكتلات والمنظمات الإقليمية . هذا ما يؤكده كتّاب كثيرون مثل أندريه مالاموس في بحث نشره بعنوان “الديمقراطية من فوق: المنظمات الإقليمية والديمقراطية”، وهيلين غاندوا في بحث بعنوان “المنظمة الإقليمية كفاعل في التحول الديمقراطي، التجربة الإفريقية”، حول الدور الإيجابي الذي اضطلعت به منظمات إقليمية فرعية في التحول الديمقراطي في دول إفريقيا وأمريكا اللاتينية بعض الدول الإفريقية . المنبع الثاني، هو الانتفاضات العربية التي تطالب بالإصلاح الديمقراطي . لقد تطرقت القمة العربية في تونس عام 2004 إلى هذه المسألة حيث تعهد الزعماء العرب بالعمل على الدمقرطة، وكان من المستطاع أن ينعكس هذا التعهد على نشاط الجامعة لولا أن القمم التالية تراجعت بصورة منهجية وعلى خط مستقيم عن دعوة الإصلاح . في ظل هذه المتغيرات سوف يزداد الضغط على الجامعة من أجل اعتماد سياسة ثابتة في مجال دعم التحول الديمقراطي في المنطقة . قد يكون الموقف الذي اتخذته الجامعة تجاه الانتفاضة الليبية مقدمة لهذه السياسة، ولكن حياد الجامعة تجاه الصراع بين الحكم المطلق والإصلاح الديمقراطي سوف يؤدي إلى المزيد في تراجعها وفي فقدانها مشروعيتها . * ثالثاً، التحدي التنموي: لقد استبقت الجامعة هذا التحدي، وبمبادرة كويتية، عندما بدأت بالقمة العربية الدورية الاقتصادية والاجتماعية، وعندما أدخلت تعديلاً شددت بموجبه على المضمون التنموي للقمة . وانطلقت فكرة القمة هذه قبل اطلالة الانتفاضات على مسرح السياسية العربية . وكان الحافز وراء هذه القمة رغبة سليمة في الفصل-ما أمكن الفصل-بين الاقتصاد والسياسة بحيث لا تتأثر العلاقات الاقتصادية بالأزمات السياسية التي تطرأ على العلاقات بين الدول العربية، وبحيث يوفر لقضايا التعاون الاقتصادي العربي الاهتمام الكافي وتبقى طرقه ومنافذه سالكة باستمرار ودون تعطيل . إلا أنه كما يحدث في أكثر القضايا المتعلقة بالتعاون العربي، سرعان ما ترجمت هذه الفكرة السليمة ترجمة ناقصة . ذلك أنه جرى ترحيل قضايا التعاون الاقتصادي برمتها إلى القمة الاقتصادية التي تجتمع مرة واحدة كل سنتين . في الوقت نفسه انحدرت أهمية هذه القمة الأخيرة في مؤتمرها الثاني خاصة بعد أن حولت حكومة حسني مبارك، الذي غدا شريكاً في رئاسة الاتحاد من أجل المتوسط، جل اهتمامها إلى العلاقات مع الاتحاد الأوروبي . بالمقابل ابتعدت القمة العربية العادية عن الاهتمام بالقضايا التنموية وبقضايا البطالة والفقر والأمية التي كانت حافزاً إلى ملايين المواطنين والمواطنات للخروج إلى الشارع وللمطالبة بالتغيير، والتي تحظى عادة بالاهتمام الحثيث من قبل زعماء التكتلات الإقليمية الكبرى في العالم (الاتحاد الأوروبي، آسيان، ميركوسور ونافتا) . إن نجاح الجامعة العربية في الإبحار عبر هذه التحديات يحتاج إلى قبطان ماهر يملك ما للدكتور العربي من خبرة ونظرات سديدة في واقع العلاقات الإقليمية والدولية . لقد انتقد د . العربي في مقال كتبه أخيراً افتقار السياسات العربية إلى المقاربات العقلانية وحاجتها إلى الانتقال من ردود الفعل إلى الفعل، ومن القرارات العشوائية إلى السياسات الهادفة والحكيمة . لعل الأمين العام لجامعة الدول العربية ينجح في تحقيق مثل هذا الانتقال فيسهم في إصلاح الأوضاع العربية المتردية، وفي الارتقاء بالعمل العربي الجماعي بصورة خاصة . * نقلا عن "الخليج" الإماراتية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل