المحتوى الرئيسى

قلق امني وإصلاحات سياسية في مجلس التعاون

05/20 02:42

راغدة درغام تزداد دول مجلس التعاون الخليجي ثقة بنفسها بسبب التعاضد والقفز على الخلافات في ما بينها، لكنها تزداد أيضاً خوفاً على نفسها من عواصف التغيير التي أتت الى العالم العربي فجأة. انها واعية الى الواقع بأن واحة الخليج العربي تحتاج الى اصلاح سياسي واجتماعي واقتصادي ولا مناص من التغيير، لكنها لا تثق بطموحات إيران الإقليمية من جهة ولا بما سيأتي به «الربيع العربي» الى جيرتها، فتتأهب أمنياً كأولوية استراتيجية لها الآن. تتأهب سياسياً أيضاً ليكون لها دورها في رسم الخريطة الإقليمية الجديدة، حيناً بمبادرة منها، وحيناً آخر بإعادة صياغة العلاقات الإقليمية والدولية. محطات مبادراتها في المسألة الليبية واليمنية لم تُحسَم نتائجها بعد، إلا انها اتخذت مواقف جماعية نحو المسألتين بتفاوت الدرجات حيناً وبطمر درجة الخلافات حيناً آخر. اليوم، هناك مؤشرات على معاناة لن تطول ازاء المسألة السورية لأن الأحداث على الساحة تفرض على الدول الخليجية الست في مجلس التعاون الخروج من التملص من حسم أمرها. لكن العلاقات الإقليمية ليست وحدها التي تمر بتغييرات مهمة سيكون لها أثرها على المدى البعيد. فالعلاقة بين دول مجلس التعاون والولايات المتحدة ستبقى استراتيجية إنما ليس على نسق «بزنس كالعادة». فنوعية العلاقة الأميركية مع إيران وإسرائيل وينبوع التغيير العربي تتصدر الاعتبارات لدى دول مجلس التعاون الخليجي العاكفة اليوم على عملية صعبة للتوفيق بين التمسك بهويتها وإعادة رسم ملامحها في آن واحد. فالمسألة ليست مرحلية عابرة وإنما هي مصيرية للانظمة الملكية في المنطقة العربية التي تصر على الاحتفاظ بهويتها مع النظر في اتخاذ إجراءات إصلاحية. وتيرة التغيير والإصلاح في المنطقة الخليجية موضع نقاش واحتجاج، إنما ليست هناك مؤشرات على توجه عواصف التغيير الجذري نحو دول مجلس التعاون الخليجي. الحاجة الى الإصلاح واضحة للغاية. كذلك الحاجة لدى بعض الدول الست الى الكف عن الحلول الأمنية حصراً والعمل بدلاً منها على صياغة استراتيجية جديدة في زمن بزوغ «الربيع العربي» وأفول «الصيف الإيراني» الذي أتى بلهيب حارق الى منطقة الشرق الأوسط. المدن الخليجية شهادة على إنجازات مذهلة للحكومات وبين أكثرها شهرة وانفتاحاً دبي وأبو ظبي والدوحة، الى جانب مدن بنيت بكاملها للتعليم كما في المملكة العربية السعودية وغيرها. فهناك شعور خاص إزاء ولادة مدينة في قلب الصحراء – مدينة معرفة وتطور وعلم وانفتاح تؤمّن فرص العمل وتضيء بوعود الازدهار. هناك قدر من الافتخار الذي يساهم نفسياً وعملياً في الشعور بالاستقرار. هذه المدن فتحت أبوابها أمام الكفاءات العربية وأصبحت بيتاً لها. وعليه، هناك اعتراف بالجميل وهناك شعور بالاعتزاز لمرافقة ولادة المدن الخليجية المدهشة. بالطبع هناك مآخذ عدة من بين أبرزها تقلّص ساحة المنافسة في مجال العمل والاستثمار عندما يدخله منافسون من العائلة الحاكمة في بعض الدول الخليجية، كما هناك ذهول إزاء نسبة الفقر في بعض هذه الدول. بالطبع، هناك مآخذ حتى بين الدول الخليجية الست على تقاليد اجتماعية ولّى الزمن عليها وبات تفسيرها بذريعة ضرورة بطء وتيرة الإصلاح غير مقبول في زمن «الربيع العربي» – وأبرزها وضع المرأة. إنما كل هذا لم يوصل الى المطالبة بتغيير الأنظمة. فهناك علاقة مختلفة بين أهل الخليج وحكامهم. سيضطر بعض دول مجلس التعاون الى إصلاحات داخلية أسرع من غيره، والبحرين في المقدمة. فالوضع في البحرين يدعو الى ورشة تفكير سياسي عميق بعدما حرص مجلس التعاون على الإيضاح ان أمن البحرين من أمن الخليج عبر «درع الجزيرة». الجمهورية الإيرانية الإسلامية وكذلك «حزب الله» اللبناني تصرّفا بأذى لشيعة البحرين، وهذا بحد ذاته فرصة لإعادة النظر لكل من الحكومة والمعارضة في البحرين. فلا بد من فتح صفحة حوار سياسي جدي سيتطلب تنازلات عن امتيازات للعائلة الحاكمة انما مع ضمانات بألاّ تتحول المشاركة السياسية الى موقع قدم لانقلاب أو لتنفيذ مشروع سياسي طائفي أو ايراني. إنقاذ البحرين عبر «درع الجزيرة» أو عبر معونات مادية يتطلب إجراءات جريئة. فالأفضل لدول مجلس التعاون تبني استراتيجية تضعف وتؤدي الى تآكل قدرة إيران على لعب ورقة الشيعة العرب. نعم، هناك خوف خليجي من تكرار مرارة طعم النفوذ الإيراني في العراق، انما حتى في العراق، اثبت الكثير من الشيعة العرب أولوية هويته العربية وهو ما زال متمسكاً بها. ففي العراق ارتكبت الدول الخليجية العربية خطأ عدم التمييز والبناء على هذا الواقع، وهذا خطأ يجب استدراكه في كل مكان آخر، والآن يجب ان يكون إضعاف ورقة الشيعة العرب لدى ايران استراتيجية واعية، لأنها أفضل بكثير من التذرع بغايات ايران ومشروعها السياسي لتجنب اتخاذ الإجراءات الضرورية للإصلاح. ترتيب البيت الداخلي الخليجي أولوية بديهية. والعنصر الايراني يبدو دوماً حاضراً في ذهن حكومات مجلس التعاون، ولأسباب ملموسة. فإيران لم تكف عن محاولات تصدير ثورتها وزعزعة الاستقرار في الدول الخليجية، وهي كانت تتصرف بعنجهية في العراق وتشعر بأنها تمتلك أوراقاً مهمة عبر علاقاتها مع النظام السوري والممر الذي تؤمنه سورية الى «حزب الله» في لبنان. التطورات في سورية لافتة جداً من ناحية الدور الإيراني في المنطقة العربية وما كان يسمى في دمشق «الورقة الإيرانية» في الخليج. صحيح ان تهديدات صدرت على لسان قريب الرئيس السوري، رامي مخلوف، في حديثه الى «نيويورك تايمز» بأنه «إذا لم يكن هناك استقرار في سورية، فلن يكون هناك استقرار في إسرائيل»، مؤكداً «لا أتحدث عن حرب لكنني أقول لا تمارسوا ضغوطاً كثيرة على الرئيس. لا تدفعوا سورية الى القيام بما لا ترغب به». لكنه قال أيضاً عندما تحدث عن «السلفيين» الذين يتهمهم بالسعي وراء الحكم في سورية: «لدينا الكثير من المقاتلين» و «لا أحد يعرف» ماذا سيحصل ليس فقط داخل سورية وإنما أيضاً خارجها من «كارثة» وحالة «اضطراب في المنطقة برمتها» إذا ازدادت الضغوط على النظام السوري. كثير من الخليجيين فهم معنى هذا التهديد بأنه موجه الى الساحة الخليجية وليس الى إسرائيل بصراحة عبارة «لدينا الكثير من المقاتلين». من جهة، ارتفعت درجة الخوف من الانتقام إذا اتخذت دول مجلس التعاون مواقف صارمة ضد نظام الرئيس بشار الأسد. ومن جهة أخرى، ازدادت المخاوف من عدم اقتناع نظام الأسد بالخروج من السلطة سوى اما بحرب أهلية يدفع ثمنها الشعب السوري أو بحرب مع إسرائيل يستفيد منها النظام ومعه إيران ويدفع ثمنها لبنان بدخول «حزب الله» طرفاً فيها، سهواً أو عمداً بقرار سوري. إنما هناك من فكَّر بالتطورات على الساحة السورية من منظور استراتيجي في العلاقة الخليجية – الإيرانية بمعنى فوائد حذف سورية من المعادلة مع إيران. أي ان زوال نظام الأسد يلغي الاستخدام المتبادل بين دمشق وطهران لبعضهما بعضاً في الإطار الخليجي العربي. كما يعني قطع طريق الإمدادات الإيرانية الى «حزب الله» في لبنان، وإضعاف النفوذ الإيراني فيه، وربما سحب الورقة الفلسطينية التي يستخدمها النظام الإيراني لغايات المزايدة. النظام في دمشق زاد من عزلته الإقليمية في الفترة الأخيرة على صعيد العلاقات مع دول في مجلس التعاون الخليجي. قطر حاولت جهدها لإقناع الرئيس السوري بأن لا مناص من الاستدراك قبل فوات الأوان، لكن النصيحة ارتدت بتهديدات. ونقلت وسائل الإعلام أجواء مواجهة حادة بين بشار الأسد ورئيس وزراء قطر الشيخ حمد بن جاسم الذي كان مقرباً جداً من أركان الحكم في دمشق بالأمس القريب. نواب في البرلمان الكويتي طالبوا هذا الأسبوع بطرد السفير السوري وبقطع العلاقات الديبلوماسية مع دمشق بسبب «المجزرة» التي تحدث في سورية للمعارضة وبسبب منع سورية دخول قافلة مساعدات إنسانية كويتية الى درعا. قد لا تلتحم صفوف مجلس التعاون في طلب تدخل مجلس الأمن في سورية كما التحمت عندما بادرت الى طلب التدخل الدولي في ليبيا، إنما هناك مؤشرات على عدم حماسة هذه الدول لتوفير غطاء الحماية للنظام في دمشق. فالمسؤولية تبدو ملقاة على أكتاف الأسرة الدولية في هذا الملف. فإذا تلكأت إدارة باراك أوباما، فهي مسؤولة عن تلكؤها. فدول مجلس التعاون الخليجي بادرت الى ملفي ليبيا واليمن وهي لا تريد أن تكون الدرع الذي تختبئ وراءه الأسرة الدولية أو العنوان الذي تقصده تلقائياً لإطلاق المبادرات. إنها عازمة ولكنها ليست مغامرة في كل ملف ومسألة. إسرائيل قلقة من «اضطرار» النظام السوري الى تغيير توجيه الأنظار عنه في اتجاه عدوان إسرائيلي على أرض عربية، وعليه فهي تحض واشنطن على عدم تصعيد الضغوط على دمشق. الإدارة في واشنطن لم توضح هويتها بعد لدى الكثير من دول مجلس التعاون الخليجي، لا إيرانياً، ولا عربياً، ولا اسرائيلياً. هناك تنسيق معها وهناك أيضاً شكوك بها وبغاياتها. هناك كلام ليس واضحاً إن كان يدخل في خانة الشكوك أو التنسيق، عن «تشجيع» أميركي للتباطؤ في إنجاح المبادرة الخليجية في اليمن والقائمة على ضمانات للرئيس علي عبدالله صالح مقابل رحيله عن السلطة، وذلك لأسباب قد تدخل في خانة اتخاذ الإجراءات والاستعدادات لملء فراغ مخيف إذا استغلته «القاعدة» في اليمن. التغيير في المنطقة العربية يتطلب جديداً في فكر الإدارة الأميركية كي يستمر «الينبوع العربي» للإصلاح والديموقراطية والحرية بالعطاء. وهذا يتطلب سياسات أميركية جريئة نحو إيران ونحو إسرائيل ونحو العرب، بما في ذلك دفع الأصدقاء بجدية الى الإصلاح الجذري قبل أن تأتي العواصف في اتجاههم. الدورة العاشرة لـ «منتدى الإعلام العربي» في دبي حملت عنوان «الإعلام العربي وعواصف التغيير» وتخللتها نقاشات صريحة في جغرافيا التغيير وليس في عواصفه فقط. القلق الأمني واضح في دول مجلس التعاون كما تُبيِّن الإجراءات الأمنية كتلك التي اعتمدتها دولة الإمارات العربية عبر «بلاك ووتر». لكن الدول الست تدرك تماماً ان مستقبلها في صوغ الخريطة الإقليمية وموقعها على تلك الخريطة يتطلبان منها استراتيجية إصلاح سياسي جدية وليس الاعتماد الحصري على الاستراتيجية الأمنية. انها تعيد اختراع نفسها وتفعل ذلك كمجموعة لها وزنها الخاص الإقليمي منه والدولي. * نقلا عن "الحياة" اللندنية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل