المحتوى الرئيسى

في الميزان نعم نحتاج‏!!‏

05/20 00:00

عندما يبلي جسدك‏,‏ فإن عينة بسيطة من دمائك قادرة علي الكشف عن سبب البلاء‏..‏ وليس كل الدماء‏!!‏ وعندما تبلي المجتمعات فإن عينة بسيطة من فنونها قادرة علي كشف سبب البلاء. وليس أوضح من الأغنيات عينة سريعة دالة علي الأسباب وراء العثرات; ذلك لأن الأغنية هي أقصر الأعمال وأسرعها نفاذا وأكثرها تركيزا, ومن ثم فإن منحني تكرارات الأغاني ونزوعها ـ بلغة الإحصاء ـ إلي مفهوم بعينه, لا شك وانه يجسد منوالا لا يمكن إغفاله في تقصي سبب المشكلات!! والطائفية في مصر مشكلة كبيرة بصراحة, وأسبابها المعلنة كثيرة ومحيرة: سيقولون عدم السماح ببناء الكنائس, وسيقولون عدم محاسبة المتسببين في الجرائم الطائفية, وسيقولون الاضطهاد الوظيفي التراكمي وسيقولون ويقولون, ولكن يبقي سبب أهم لا أجد أحدا يذكره من قريب أو بعيد, ألا وهو الجهل العام بالتعاليم المسيحية من جانب المسلمين وفق ـ وأكرر ـ وفق ما تنادي به العقيدة المسيحية نفسها, وليس وفق رؤية العقيدة الإسلامية للمسيحية; وهو ما يؤدي في الغالب إلي شيئين: فإما اتخاذ قرارات وإجراءات متصادمة مع عقيدة المسيحيين دون علم من جانبنا بتبعاتها; و إما انعدام القدرة علي التواصل مع هؤلاء القوم حين تحتدم المشكلات فيما بيننا, فإذا بهذه المشكلات تتفاقم و تتفاقم!! والحقيقة أنني أري هذا السبب يتجلي أيما تجلي في مرآة أغنياتنا التي تتناول الطائفية بالتهدئة; إذ سرعان ما تكشف هذه الأغنيات عن أن توجيه الرسالة دائما ما يكون علي خلفية معلوماتية تغفل وجهة نظر الآخر, بما من شأنه أن يؤدي إما إلي تشتيت أهداف الرسالة الأساسية نفسها وتحويلها إلي مجرد دخان يتطاير في الهواء ليس إلا, وإما إلي خلق حاجز نفسي لدي متلقي الرسالة يعوق وصولها أساسا فتصبح غير ذات نفع!! وأضرب لك في ذلك المثال: يطل شبح الطائفية بين الحين والآخر, ويجد بعض المبدعين أن دورهم المجتمعي يفرض عليهم إعمال الفن في تحفيز أجواء التهدئة وإشاعة السلام بين الطرفين, وهذا شعور محمود, ولكن إلي أي مدي تري هذه الأعمال تؤدي دورا له معني؟ لنأخذ مثلا أغنية كتلك التي خرج بها علينا منذ فترة وجيزة المطرب وائل جسار بكلمات من تأليف د.نبيل خلف وألحان الفنان وليد سعد ـ وكانت بعنوانالمسيح حنان, فالأغنية تقول في أحد أجزائها: جبريل يا مريم بشرك.. بيكرمك ويطهرك..( نطق المسيح الرضيع).. بيبرأك ويقدرك المعني جميل جدا, والرسالة واضحة تماما, ولكن المشكلة تكمن في أن النص يحتوي علي حدث غير موجود أساسا في العقيدة المسيحية, علما بأن الأغنية تستهدف مرضاة ومغازلة العقلية المسيحية بشكل أو بآخر; ذلك لأن العقيدة المسيحية لا تقر بمسألة تكلم السيد المسيح في المهد أساسا, وإنما هي معجزة لم يذكرها سوي القرآن الكريم فقط!! ومن ثم فإن الرسالة قد حادت ولا شك عن هدفها المنشود, والسبب هو عدم الإلمام بثنايا معتقد الآخر,علي خلفية اعتماد الشاعر علي معلومات من وجهة نظر ديانته الإسلامية, وليس علي حسن إلمام بالمعلومات الدينية المشتركة بين الجانبين حين ننشد توصيل رسالة لهذا لآخر!! أعطيك مثالا آخر: الأغنية التي يتغني بها اليوم المطرب محمد ثروت علي الشاشة المصرية, تعتبر مثالا حيا آخر علي فكرة عدم الإلمام بلب عقيدة الآخر قبل مخاطبته; حيث يقول مطلعها: برب طه والمسيح احموا مصر يا مصريين!! المعني نبيل في حد ذاته, يستحلف من خلاله الشاعر المصريين برب محمد والمسيح أن يحموا بلدهم!! حسنا, ولكن المشكلة, وبقليل من التدقيق في النص, تكمن في المساس بجزء مهم في صميم العقيدة المسيحية دون قصد اعتمادا علي وجهة النظر الإسلامية فقط; ذلك لأن المسيحيين ـ المعاصرين ـ لا يتعاملون مع السيد المسيح باعتباره نبيا كمثل ما ينظر إليه المسلمون; فهو بالنسبة للمسيحيين تجسيد لذات الله وفق ما صاغه مجمع نيقية عام325 ميلادية, وفيما عرف بقانون الإيمان المسيحي الذي تؤمن به جميع كنائس العالم الآن!! واختلافك أنت مع هذه العقيدة علي خلفية عقيدتك المسلمة لا ولن يغير من عقيدتهم في شيء و إنما سيتصادم معها, ومن ثم فإنه يكون أمام المبدعين المسلمين في هذه الحالة خياران لا ثالث لهما: فإما الخطاب الإبداعي علي خلفية هذه العقيدة,وهذا من رابع المستحيلات بالنسبة لنا كمسلمين; وإما تخطي هذه النقاط بالذات تماما في الخطاب إلي المسيحيين; لما لها من خصوصية جالبة للمشاكل, واختيار نقاط تماس أخري قريبة من الرؤية الإسلامية ـ المسيحية المشتركة تكون بعيدة عن ألوهية المسيح تلك تماما وما شابهها, والأمثلة في هذا المضمار كثيرة: كتعاليمه, أو معجزاته, أو أثره علي الفكر والأخلاق الإنسانية.. فمن هذه الزاوية لا توجد أي نقاط احتكاك بين الديانتين أو اختلاف, وإنما اتفاق ووئام ما بعده وئام, وإن زادت معجزات المسيح في الإسلام عنها في المسيحية ذاتها كما أسلفنا!! وربما يسأل سائل: وهل من المنطق أن نقرأ عقائد الآخر بالتفصيل لكي نشدو بأغنية؟ نعم نحتاج إلي ذلك بل وأكثر من ذلك إذا كنا نبغي التعايش المبني علي الاحترام المتبادل, وليس المهادنة والمراوغة والشعارات الزائفة غير النابعة من القلب التي تجلب فوق رءوسنا المشكلات.. وهكذا يجب أن تكون الأمم العملاقة دائما!! المزيد من أعمدة أشرف عـبد المنعم

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل