المحتوى الرئيسى

وأد الأنثى.. من الجذور إلى المعالجة بقلم:صلاح حميدة

05/20 22:08

وأد الأنثى.. من الجذور إلى المعالجة صلاح حميدة حالة عاطفية استنكارية سادت في أوساط الشّعب الفلسطيني بعد مقتل فتاة على يد قريب لها، على خلفية إصرارها على الزّواج من شاب تريده، كما أعلن من أكثر من مصدر. هذا الموضوع يحتاج لجدلية اجتماعية وبحثية وقانونية، لتقصّي أسبابه والوصول لحلول له، أمّا من النّاحية الدينية فالقضيّة واضحة تماماً ولا حاجة لإقحام الدّين والتّديّن في الموضوع، فأنا أعرف حالات من ديانات غير الإسلام قتل فيها فتيات لنفس الأسباب، أو لأسباب تتعلّق بقضايا أخلاقية. كما أنّ الحالة الأخيرة في منطقة الخليل تتشابه في حيثيّاتها مع العادة الجاهلية - ما قبل الإسلام- في وأد الأنثى، منها إلى تشابيه أخرى. مصطلح ( جريمة شرف) مصطلح إشكالي، فلا توافق بين طرفي المصطلح، فالجريمة هي الجريمة، ولا يمكن قرنها بتعبير مناقض لها تماماً، كما لا يمكن وضع كل الجرائم التي تقع تحت هذا العنوان الكبير، ففي حقيقتها قد تكون لها دوافع أخرى، ولكن تغلّف بغلاف ما يسمّى ب ( شرف العائلة) أملاً بالإفلات من العقاب. القضيّة بشكل أساسي إجتماعية، وتعود لموروث ثقافي شعبي يشترك فيه إبن القرية مع إبن المدينة في العالم العربي وغير العربي كذلك، فبمتابعة لهذه الحالة وجدت أنّ هناك حالات في دول غربية وآسيوية أيضاً. كما أنّ العنف بكافّة أشكاله ضدّ المرأة، يسير بمنحى تصاعدي في أكثر المجتمعات تقدّماً ومناداةً بحقوق المرأة. ولذلك فهذه السّلوكيّات عابرة للحدود والأديان والثّقافات. يوجد نوع من الإنفصام في التّعاطي مع هذه الظّاهرة الإجتماعية في المجتمعات التي تجري فيها، بشكل عام، وهي نابعة من نوع من التّفكير المتّصل مع الماضي، وهو نوع من التّفكير الذي تتبنّاه الكثير من النّساء بالتّوازي مع الرّجال، ومن الظّلم اختزال الإتهام للرجال فقط، أو لبعضهم، فمن خلال متابعتي للموضوع منذ زمن، وجدت أنّ الكثير من حالات القتل - على هذه الخلفية- ترتكبها نساء، قد تكون أم أو أخت أو غير ذلك، فالتّعاطي العنيف هنا يتم بناءً على نمط تفكير وليس على أسس دينية. وفي حالات كثيرة تكون الجريمة ناتجة عن شبهة أو محاولة تلفيق من كارهين أو بسبب محاولات استعراض بين أصدقاء لقدرتهم على إقامة علاقات مع فتيات، وبالتالي يتمّ الإدّعاء بعلاقات لا أساس لها، تكون ضحيّتها فتاة أو فتيات. وهنا يجب الإنتباه والتّوعية المجتمعية والتّربويّة والتّفكير والتّريّث، كما يجب أن يتمّ توعية الشّبان والفتيات إلى المزالق التي قد يواجهونها نتاج التّفكير والتّصرّف أو الكلام بطرق غير سليمة، لما سيلحقه هذا من أذى بهم وبعائلاتهم. الإزدواجية والفصام يتعلق أيضاً بالتّعاطي مع جريمة الرّجل في المنظور الإجتماعي، فما يتم معه لا يتم بحق الأنثى في الأغلب، مع أنّ هناك حالات تمّ التنكيل فيها بالفاعل، وفي حالات وصل لحالة أجبرته على الإنتحار أو أنه قتل، مع أنّ الحالات العددية لا تقارن بين الرّجل والأنثى. الحالات التي تجري - بشكل عام- تسير بطريق تنازلي، وليس بطريق تصاعدي، وفي أغلب الحالات يتم تزويج الذّكر والأنثى وتنتهي المسألة، أما حالات القتل فهي النّادر في مثل هذه الحالات، وقد سألت بعض وجوه الإصلاح عن كمّ القضايا التي يواجهونها في هذا الصّدد، وتبين لي النتيجة السّابقة. أمّا حالات القتل فهي بشكل عام تتم في إطار تحريض عائلي، أو تبعاً لطبيعة تفكير أسرة الضّحية، أو فرد فيها، أو نتيجة لوصول الجدل الأسري لطريق مسدود، لتمترس الطّرفين خلف ما يريد على طريقة الأفلام والمسلسلات، وبالتّالي تكون النّهاية مأساوية. قتل الفتاة هنا لا يعكس ظاهرة اضطهاد عامّة للمرأة في المجتمع الفلسطيني، كما حاول بعض النّاس التّرويج، ولكن هذا لا ينفي أنّ هناك قضايا اضطهاد يجب تسويتها مثل هذه القضية. كما أنّ متابعتي لقضايا كثيرة مع اختصاصيين كشفت عن حالات عنف شديدة من قبل المرأة ضد الرّجل، بل في حالات جرى تعذيب لرجال من قبل زوجاتهم، وبعضهم يذهب سرّاً لبعض القضاة والموظّفين في المحاكم الشّرعية، ولبعض المصلحين والأصدقاء ورجال الإصلاح لاستشارتهم، وهم يخافون انكشاف أمرهم وفضيحتهم بسبب الموروث الإجتماعي الذي يمجّد سطوة الرّجل على المرأة. يضاف إلى كل هذا قتل المرأة للرجل في حالات كثيرة في العالم العربي نتيجة أسباب مختلفة. المرأة الفلسطينية لها مكانة مميّزة في المجتمع، وتتبوّأ مناصب حسّاسة ومفصلية، وهي تأخذ حقّها في الكثير من القضايا بطريقة تتفوّق فيها على الرّجل نفسه، وفي الوقت الذي يأخذ الموروث الإجتماعي من المرأة أشياء، فهو يعطيها أشياء على حساب الرّجل، فالمرأة تعفى من الكثير من القضايا التي تشكل محل تفكير وعمل وجهد الرّجل منذ ولادته حتى وفاته، وهي العناية بالمرأة والنّظر بطلباتها إن كانت أختاً أو أمّاً أو بنتاً أو زوجة، وهذه كلها لا تكلّف بها المرأة تجاه الرّجل. كما أنّ النّساء في الكثير من البيوت تمتلك دفّة القرار والتّقرير في غالبيّة القضايا، بل يتنازل الرّجال عن الكثير من أدوارهم الاجتماعية لصالح المرأة، ويكون دورهم فيها شكلياً فقط، وهنّ من يقررن أيضاً في قضايا الزّواج، وفي حالات ساحقة لا يمكن لرجل أن يفرض رأيه على ابنته أو أخته للزّواج من شخص ما، حتّى لو كان مناسباً، ويرضخون لرأي الفتاة التي ترفض الزّواج إلا بمن تعتبره مناسباً، وبالتّالي يكون الإدّعاء بوجود ظاهرة ظلم واضطهاد تستهدف النّساء في المجتمع خارجة عن السّياق ولا تنطبق على الواقع، وما يجري أحياناً يكون الإستثناء وليس الأصل. من الواجب علينا رجالاً ونساءً أن نقف في وجه القاتل في أي جريمة يرتكبها، والجرائم كثيرة ولها أسباب عديدة، وهي مستهجنة دائماً، ولكن العاطفة لا تكفي، وإقرار القانون لمواجهتها بطريقة ردّة الفعل أيضاً لا تكفي، ولن يردع من يؤمن بفرضيّة القتل من ارتكاب جريمته، هذه قضية أو لنقل جدلية واسعة ومتشعّبة، ومن يتابع الكثير من الظّواهر المجتمعية، ويخالط رجال القانون والإصلاح والبحث الجنائي والقضاة الشّرعيين، ويهتم بالقضايا الإجتماعية والنّفسية والإعلامية، يدرك حجم المشاكل المرتبطة بعالم الجريمة، ولذلك هذه جدلية لها فروع اجتماعية متأصلة، وهي بحاجة لأيّام بحثية دراسية موسّعة لا تجامل أحداً، لا تظلم امرأةً ولا رجلاً، و من الجريمة تصوير الأمر وكأنّه معركة بين الرّجل والمرأة، مثلما تريد بعض المؤسّسات التي تموّل من الغرب، كما يجب تعميم مراعاة العادات والتّقاليد المجتمعيّة، وعدم التّعاطي معها وكأنّها كم سلبي مطلق، لأنّ هذا سيقودنا إلى حالة من الإغتراب والضّياع،وسنكون كمثل من يحاول تكحيلها فيقلع عينها. وبالتّالي فالموضوع بحاجة لبحث عن الجذور والعمل على المعالجة بطريقة علمية وموضوعيّة هادئة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل