المحتوى الرئيسى

لابد من حفنة دماء لنبعث الحياة من جديد بقلم:ميرنا سخنيني

05/19 23:03

الكاتب : ميرنا سخنيني في العام 1948 اتخذ أجدادنا طريق مارون الراس ممرا للهجرة القسرية من فلسطين هربا من إجرام العصابات الصهيونية فعبروا تلال بلدة صلحا سيرا بين التلال الوعرة ، أما في العام 2011 فقد انقلب المشهد وتبدلت وجهة السير فقدنا نحن الجيل الجديد من اللاجئين بوصلة الوصول إلى فلسطين . مسنون و شبابا وأطفال سلوك الدرب سيرا على الأقدام من بلدة عيترون حتى مارون الراس ، هي الدرب نفسها التي سلكوها وهم صغارا من الجليل حتى مارون الراس وبيدهم صرةٌ ومفتاح هو كل ما خرجوا به ، من حولهم نحن كنا ننظر إليهم بحب ونسألهم كيف خرجنا من فلسطين قبل أكثر من ستة عقود كيف سلكوا تلك الهضاب الوعرة من الجليل الأعلى إلى مارون الراس . البارحة فلسطين كانت اقرب في عيون أبنائها أكثر مما مضى فقد تحول مفهوم النكبة في 15 أيار الـ2011 إلى يومٌ خالد لن ينسى ، بالأمس اطلينا بغصةٌ على أرضنا وتاريخنا من بين الأسلاك الشائكة التي تفصلنا عن الجليل المحتل ، هي أسلاك هشة إمام تصميم وإرادة لاجئين أصروا على المضي بصدورهم العارية وهتافهم و أن يشقوا الطريق لاستعادة حقوقهم المغتصبة ، أردنا إحياءها سلميةٌ بالأهازيج التي تعبر عن إصرارنا على العودة ، ولكننا عشناها نكبة جديدة دامت طوال ساعات النهار ساعاتٌ من الدموع والفرح والهتاف والتشييع . عدنا إلى فلسطين مغفلا من يفكر بهذا بالأمس روينا تراب مارون الراس وتراب الجولان بدمائنا الفلسطينية التي سطرت تاريخٌ جديد من النضال فكانت الضحية أكثر من 12 شهيد وحوالي 120 جريح في لبنان فقط . ايارات كثيرة مرت على الشعب الفلسطيني منذ كامب ديفيد وقضية فلسطين في خانة اليك دوما والعدو الصهيوني يزداد شرستا وإبادة لشعبٌ اعزل ، كل الأيارات التي مرت علينا كانت مأتم حتى الـ 2011 فكان الأقسى ولم يبقي في الذكرى سوى الدموع والأحزان .. بدء الحديث عن التحضير لمسيرة العودة منذ حوالي الثلاثة أشهر لن أتكلم في الشكليات ولكن لابد من الوقوف عندها قليلا لربما نستطيع أن نعرف لماذا حصل كل هذا معنا فحتى التجهيزات التي وعدنا بها لنقلنا إلى الحدود مع فلسطين لم نحصل عليها فبقي المئات من اللاجئين ينتظرون على باب مخيمهم ليتم نقلهم إلى الحدود ورؤية وطنهم ولو من بعيد ، ولكن بقي عدد كبير لم يستطيع الوصول بالرغم من أن مجموعة من الشباب قام بإستأجار الباصات ونقل باقي العائدين. الكل كان ذاهب بقلبه وعقله ليشم رائحة وطنه من بعد منهم من سألني في الباص " يعني هلاء رح نشوف فلسطين ، رح تخلونا نصورها ونحكي لولادنا عنها " بهذه الكلمات ترك العائدون مخيماتهم لملاقاة الحبيبة والأم ولكنها يا ليتها لم تكن من ملاقاة فما أردنا أن نوصله للعالم يومها قد تمدد من مارون الراس إلى كل مخيمات لبنان لتزف شبابها شهداء من السداجة الحديث عن أن ما حصل فاجئ الكثيرين ولم يكن في حسابات لجنة التنسيق اللبنانية الفلسطينية فعنى أي تنسيق وأي تنظيم نتكلم فقط ما كان مجهز على أكمل وجه هو سيارات الإسعاف والنعوش التي نقلت الشهداء وكأنهم كانوا ينسقون ويعلمون إنهم يرسلونا لنعود في إسعافاتهم شهداءنا وجرحى ، كان من المفترض أن يتم إيصالنا إلى اقرب نقطة حدودية وعندها يبدأ التجمع ويبدأ التظاهر ولكن الباصات أوصلتنا إلى بلدة عيترون القريبة من مارون الراس ومشينا نحن وشيبانا وأطفالا ما يقارب الساعتين فتخيلنا أنفسنا كأجدادنا لحظة الخروج من فلسطين ، ربما سيعترض البعض على هذه النقطة ويقول بأن الطريق إلى فلسطين تستحقُ العناء ولكنني أأكد بأن الطريق لم تكن سهلة مشيا على الأقدام وحدثت حالات إغماء كثيرة من كبار السن ولو كنا نعلم بأنها العودة النهائية لفلسطين لزحفنا وليس فقط مشينا ، وهكذا اكلمنا طريقنا بكثير من الحماسة والحب لملاقاة فلسطين وقبل أن نصل بقليل بدءنا بسماع دوي إطلاق نار وسيارات إسعاف تنطلق مسرعة والحديث عن سقوط أول شهيد فلسطيني بعد أن كان منظمو المسيرة قد نصبوا في ساحة مارون الراس شاشة لنقل ما يحصل في الأردن والجولان وغزة وكيف استطاع الأبطال في الجولان اخترق الحاجز الإسرائيلي وزرع العلم الفلسطيني ، وقف كل العائدون حائرون يتسألون ما لنا ان نفعل هل نعود أم نكمل ما أتينا من اجله حتى أصر الجميع على أن يكمل الطريق مرددين الأغاني الثورية التي رددها أهلنا في الصغر ، وصلنا إلى مارون الراس وبدءنا بتأمل فلسطين الحبيبة بنظرة عاشق لمعشوقته حمل الجميع الكاميرات وبدء بتصوير جمالها ربما كان شيء بداخلنا يقول ستموتون بعد قليل ومن سيعود سيعود جريحا فصوروا قبل أن تستشهدوا ، وبدءنا بالتقدم خطوة تلو الأخرى ونحن ننظر إلى فلسطين بشغف الأم لملاقاة ابنها بعد فراقٌ اليم ، بدءنا بالنظر حولنا أين من نظموا المسيرة أين عناصر الانضباط من حزب الله أين من وعد بحمايتنا أين جمهور حزب الله الذي نراه دائما في أي احتفال أين قياداتنا الفلسطينية وأبنائهم أين المجاهدين من قياداتنا فلم نجد أحدا و اصرينا على عناق فلسطين واقتربنا من الأسلاك الشائكة وهناك بدأت المواجهة فقام شبابنا بردة فعل عفوية ورمي الحجارة وإحراق العلم الإسرائيلي وهذا كل ما يملكوه ، والمستغرب انه لم يكن يحمينا سوى 150 عنصر من الجيش اللبناني وماذا يمكن أن يفعل هذا العدد أمام 42000 إنسان يريدون العودة أمواتا أو أحياء .. بعد الكثير من المواجهات مع إسرائيل بدء الإسرائيلي يصطادنا كما يتم اصطياد اضعف عصفور ولم يحمينا سوى دعاء قيادتنا ومن نظم المسيرة ، بدء شبابنا بالاستشهاد واحد تلو الأخر ليصل عددهم إلى اليوم لـ 12 شهيد وأكثر من 120 جريح بعد ذلك تدخلت فرقة المغاوير اللبنانية لتحاول من التخفيف من عدد الشهداء ولكن لا جدوى من شباب فلسطيني تحرم عليه الدولة اللبنانية ابسط حقوقه بأن يعيش كإنسان وتضعه أمام من اغتصب أرضه فماذا تتوقعون منه أن يفعل ، والى هنا من اشرف ونسق وصرح بدخولنا إلى الجنوب لم يكن موجود بعد والكل يعرف من المقصود ربما كان يحمينا هو والبعض من تنظيماتنا من أعلى التل بدعائهم ونحن نستشهد في الأسفل . ما كان من الشباب الذين استشهدوا إلا أن أرسلوه إلى الداخل الإسرائيلي والعربي واللبناني بالذات رسالة مفادها أن حق العودة حقٌ مقدس لا عودة عنه فعزل اللاجئ في مخيمه لا ينسيه حق عودته ولا ينسيه تراب وطنه . فقام البطل عماد أبو شقرا من مخيم عين الحلوة بإيصال هذه الرسالة من خلال استشهاده بعد أن غرس العلم الفلسطيني على السلك الشائك وأبى هذا العلم أن ينكسر بالرغم من الرصاصة الحاقدة في قلبه التي أردته شهيدا . ما حدث في مارون الراس لهو نكبةٌ جديدة لشعبٌ اعزل لم يكن يحميه أو يشد على يده احد من قياداته فكل قياداتنا قد بُلغت بعد الذهاب إلى المسيرة وإنما قيادة غرفة العمليات من أماكن تواجدهم أو من مكاتبهم ، عن أي غرفة عمليات نتحدث ! فما كان يجب أن يدار كان على ارض مارون الراس على الحدود مع فلسطين المحتلة وليس من مكاتبهم فنحن سقطنا واحد تلو الأخر واعذروني على حدة رأيي يا قادتي وأساتذتي ولكننا شبابٌ مجروح مما حصل ، نعم أن من سقط هم شهداء وربما كنا بحاجة لهذه الحفنة من الدماء لنغسل كل الشوائب التي علقت بنا وبفصائلنا عمدا أو من دون قصد .. كنا بحاجتكم كثيرا بحاجة لرؤيتكم معنا تحملونا حجرا مثلما فعلنا تشاركونا حرق العلم الاسرئيلي وترفعون العلم مع عماد ابو شقرا وتشاركون في تشيعه في لحظتها فهؤلاء هم الأبطال والساحة اليوم هي لنا نحن الشباب شكرا على دوركم الذي أديتموه معنا لسنوات وسنوات من تثقيف وتوجيه وتدريب ولكن بعد الذي حصل في مارون الراس نحن من سيعيد كتابة التاريخ كتابة تاريخ فلسطين لا تعرف لا السلام ولا الاستسلام نحن من سيرسم ملامح فلسطين كما نحب أن نراها نحن ، نعم كان لكم الفضل في ما وصلت له القضية الفلسطينية في المحافل الدولية ولكن بعد الدم الذي روى تراب الجنوب اللبناني وتراب الجولان فالساحةُ لنا وانتم نتمنى أن تراقبونا من بعيد .. بكينا مجروحين في مارون الراس أردنا أن تمتزج دماءنا بدماكم وليس دماءنا بأفكاركم وتعليماتكم ، نعلم خطورة تواجدكم معنا ولكن من اجل فلسطين ترخص الارواح الم تعلمونا ذلك ! .. أردناها عودةٌ بتنظيم فلسطيني بحت لم نكن نريد التنسيق مع أي جهة فيا قادتنا نحن معكم حتى أخر قطرة دم ، فأنا فلسطينية قبل أن أكون صحافية رأت أحباءها يسقطون كالعصافير بنيران إسرائيلي حاقد ، يا قادتنا إذا كنتم تريدون وضع شبابكم أمام امتحان لتتأكدوا من وطنيتنا ورغبتنا في العودة فالشعب الفلسطيني سبق قيادته وعبر بدمه وشهدائه كنا نتمنى أن تكون هذه الذكرى اقل دموية و إهانة وان تكون بتنظيم فلسطيني بحت حتى لو اختلفت التوجهات والآراء بين ليبرالي و ريديكالي ومسلما متشدد اعتقد للحظة بأن 42000 إنسان في مارون الراس مشروع استشهادي وسيبقى هو فقط يصلي عليهم وهذا ما لمح له احد القيادات الفلسطينية المجاهدة دون ذكر الاسم وهو مبعوث من قبل احد التنظيمات عندما سألناه " لم نراك معنا على الشريط فقال بكثير من الثقة نحن نرسلكم للأسفل ونبقى نحن في الأعلى نراقبكم " يا قادتنا يا عظماء فلسطين انتم الاحرص على دماءنا من " س أو ص " أو أي جهة تنادي باسم القضية الفلسطينية وإنها لن تستريح حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني فأنا أقول لكم أرجوكم استريحوا ودعوا فلسطين لأبنائها فهم الأقدر على تحريرها وكفاكم متاجرة بأطهر القضايا وابحثوا عن قضية أخرى وتاجروا بها يكفيكم 63 عاما .... كل هذه الأفكار التي تدور في رؤوس الشباب الفلسطيني بعد الـ 15 ايار الـ 2011 تؤكد لنا بأننا ذهبنا ضحية رسالةٌ سياسية اردوا ايصالها لإسرائيل فكان حبر هذه الرسالة 12 شهيد و120 جريح خطوا بدمائهم اقسى الرسائل فعذرا لشهداءنا في الجولان ومارون الراس اذا كنتم ضحية رسائل عربية وهنيئا لكم شهادتكم على مذبحة فلسطين ... وهكذا بعد 63 عاما من الحرمان والذل والقهر قرر شعبنا البطل الانتفاضة على واقعه ولجوئه وإعادة كتابة تاريخه كعائد ليمحي كلمة لاجئ من القاموس الفلسطيني . ميرنا سخنيني

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل