المحتوى الرئيسى

الوطن والهوية ومستقبل العلمانية

05/19 20:26

بقلم: د. مكارم الديري حين نتحدث عن الهوية فنحن نتحدث عن العناصر التي تشكل حضارةً أي شعب من الشعوب بمنطلقاتها الفكرية والثقافية والتاريخية والدينية، وتلك هي الخصوصيات الحضارية لأي شعب، فتاريخ أي شعب، ولغته وثقافته ودينه وعقيدته التي تشكل رؤيته في الحياة من علاقته بالله وبالإنسان والجماعة والأسرة والقيم الحاكمة له من خلال وطن يعيش فيه ويعيش بهم، ولا يمكن التنازل عنه ولا عن الأيديولوجيات الراسخة في وجدانه، ولا تغيير المنطلقات التي تشكل وجوده، وبقاءه وأن ما نراه من تفاعلات حضارية بين الشعوب هي مجرد قيم وخبرات يجمعهما المشترك الإنساني فحسب.   فالحضارة المصرية على سبيل المثال هي رصيد من تاريخ فرعوني، وتاريخ قبطي وعقيدة مسيحية ورصيد من عقيدة، وعبادة ومنهج تشريعي إسلامي وثقافة ولغة عربية، فالمشترك بيننا ليس هو أرض الوطن بل ما هو أكبر من ذلك إنه تاريخ، وإيمان وثقافة عربية مصدرها اللغة العربية لغة القرآن الكريم، فهل يمكن لأحدنا أن يتكلم، أو يفكر ويكتب بغير العربية، أو يكون له رصيد أدبي ولغوي يصوغ فيه مشاعره وآماله وآلامه ويعتز به بعيدًا عن العربية؟   إن عناصر الحضارة لا تكتمل وتتميز أو تشعر بكيانها إلا من خلال الدين واللغة والتاريخ كما يقول: هانتجتون وذلك ما يدعونا للتساؤل هل يمكن تغريب ثقافتنا أو استئصال عقيدتنا أو مسح تاريخنا بجرة قلم؟   هل يمكن للعلمانية بكل ما تتغنى به من قيم ليبرالية استئصال الدين أو تحجيم دوره في مجتمعاتنا؟   وهل يمكن لنا أن ننهض من كبوتنا على غير أساسٍ من دين وتاريخ ولغة هي عناصر بناء أي حضارة؟ وبماذا نسمي حضارتنا اليوم هل هي حضارة فرعونية أم قبطية أم إسلامية؟   فمُسمى حضارة يطلق على تلك التي توفرت لها عناصر تواجدها واستمراريتها إلى يومنا هذا في بلادنا وهي الحضارة العربية الإسلامية.   لقد فشلت كل محاولات العلمنة خلال قرنين من الزمان سواء بالتغريب أو العولمة في تغيير هوية الأمة سواء من سلطة حكم، أو نخب فكرية، أو مؤسسات تغريبية بل ونرى منذ الربع الأخير من القرن الماضي صحوة إسلامية تعم أرجاء العالم الإسلامي ربما العلمانية التي تبنتها هذه الدول لم تلبِ طموحات الشعوب في الحرية والكرامة، أو تحقق لها التقدم الذي تنشده، فنرى تركيا تنتفض ضد مبادئ العلمانية الأتاتوركية التي استأصلت كل ما هو إسلامي، ولم تنهض في ظلِّ علمانيتها ولكنها نهضت في ظل حكومة إسلامية وتوجه إسلامي.   وفي الجزائر وبعد أكثر من مائة وثلاثين عامًا من الاحتلال الفرنسي وإحلال اللغة والثقافة الفرنسية، وإذا بها تعود مرةً أخرى إلى هويتها الإسلامية.   ونرى في مصر فشل نظام ثورة يوليو الذي كان مكملاً لدور الاحتلال الغربي في علمنة الدولة وصادر حق الشعب في الحرية والكرامة وسحل خصومه وزج بهم في أقبية السجون، وعلق الإسلاميين على أعواد المشانق، وصادر حقهم في الاختلاف وإبداء الرأي بل وصادر حقهم في الحياة الآمنة المستقرة؛ وذلك وجه آخر من وجوه العلمانية التي تتخذ من مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وذلك من أقبح ما بشرتنا به العلمانية وهي القفز على القيم الأخلاقية في سبيل تحقيق مكاسب سياسية وتسفيه الخصوم، أو محاولة استئصال وجودهم.   لقد فهمت خطأ أن الفكر العلماني يستوعب كل الأفكار، ويرحب بكل الآراء ولكني وجدته يستوعب كل الأفكار الليبرالية والاشتراكية والرأسمالية والشيوعية ويستثني من ذلك التيار الإسلامي، ويكيل له التهم، وهذا ما نشاهده اليوم من جدل قائم على الساحة السياسية في مواجهة أصحاب المرجعية الإسلامية، وما نستشعره من صراع خفي تضمره بعض النفوس مما قد يكون سببًا في انتكاسة لأهدافنا المشتركة التي نسعى من خلالها تحقيق المصالح العليا للوطن.   وتكمن إشكالية العلمانية بما فيها من تيارات ليبرالية في أمرين: الأول هو ما تنطوي عليه من تناقض صريح بين شعاراتهم عن الحرية، والديمقراطية والمساواة وبين ممارساتهم يوضحه التحامل التام، أو التجاهل المتعمد لأصحاب التيار الإسلامي، وعدالة النظر إلى قضايا المسلمين، والأمر الثاني على مستوى الفكر الليبرالي في تعزيزه لحقوق الفرد على حساب حق المجتمع، وتعلية قيمة المصالح الخاصة على مصالح الجماعة- وليس هذا هو رأيي- بل شهد شاهد من أهلها وهو "فوكوياما" صاحب كتابه الشهير (نهاية التاريخ) الذي أفصح عن مخاوفه من تحول الحريات الفردية إلى عبثية يتآكل معها النظام الاجتماعي للدولة فيما نرى أن النظام الاجتماعي الإسلامي أشد تماسكًا لما فيه من توازن بين حقوق الأفراد، وحق المجتمع بل إن حق المجتمع ومصالحه العليا مقدم على حق الفرد.   أرى أن محاولات البعض من المنتمين إلى الفكر الليبرالي من القفز على مبادئ ثورة الخامس والعشرين يناير والتي ساهم فيها الشعب بجميع ألوانه، ومشاربه وتوافق على تحقيق مبادئ الحرية والعدالة والكرامة للجميع، وكانوا على قلب رجل واحد وهؤلاء الشباب الطاهر الذين فجروا الثورة قد جاءوا إلى ميدان التحرير بقلب نقي وصدور مفتوحة يقدمون التضحيات وليس في سبيل صراعات سياسية، أو أيديولوجيات فكرية، ويتم استخدامهم اليوم من أجل تحقيق مكاسب حزبية دون مصلحة الوطن مما العليا سيعود بنا إلى سابق عهدنا في الفرز والاستبعاد ثم الاستئصال.   علينا أن ندرك أننا جميعًا قد نبتنا من تراب هذا الوطن، وأن ثماره هم شباب من مذاق خاص بطعم الوطن لا يمكن تحليل عناصر ترابه رغم اختلاف ثماره وإلا سيصبح شيئًا آخر غير الوطن الذي نعرفه.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل