المحتوى الرئيسى

البحث في هوية مصر

05/19 20:23

بقلم: د. خالد فهمي مؤلم جدًّا، وصعب جدًّا أن تضطرنا بعض الأجواء، وبعض الصخب، وبعض الصوت الصارخ أن نعاود فحص كثير من الأفكار، والحقائق المستقرة في وقت يفرض بحق أن نتفرغ فيه لترقية وطن حقه باسم التاريخ، وباسم الجغرافيا، وباسم الحضارة، وباسم ما تراكم حوله خلال الأعمار المتلاحقة من مسوغات المجد- أن يتبوأ مكانًا مرموقًا.   مؤلم جدًّا وصعب جدًّا أن يلجأنا أحد أي أحد إلى معاودة البحث في هوية مصر، وهو الأمر الذي نحسب أنه حقيقة قارة، مدعومة بما لا يحصى من الأدلة التي تبرهن عليها، وتشكل قسمات وجه غير مخدوش، ولا مشوهٍ! (1) هل ثمة شرعية للتساؤل؟! وإذا كانت الهوية بما هي مصطلح يمثل مشغلة كثير من العلوم الاجتماعية: تعرف بأنها حقيقة الشيء التي تميزه عن غيره، بحيث يكون واحدًا في ذاته، على ما يقرره معجم الفلسفة (ص 208 مجمع اللغة العربية بالقاهرة، سنة 1983م)، فإنه يصبح أمرًا مثيرًا أن نفتتح هذه الفقرة بمثل هذا التساؤل، ولا سيما وكثير من الدارسين الاجتماعيين كانوا يرون أمر هوية مصر حقيقة مستقرة.   فما الذي فجَّر السؤال الآن؟ أعتقد أن مسوغات طرح السؤال كثيرة في ظل قدر غير قليل من الصخب المصطنع، وفي ظلِّ قدرٍ غير قليل من الدعاوى التي يوهم الإلحاح عليها أنها تملك وجهًا من حق.   ومن هنا يبدو السؤال مشروعًا بسبب محنة اللحظة الراهنة التي توشك مصر فيها أن توصف بأنها تستقبل عصرًا جديدًا مختلفًا بامتياز، وتكاد تستقبل كذلك عصرًا يريد عددًا ليس قليلاً من الأفكار والطوائف أن يلفتها عن نفسها، أو بلغة ظاهرة الإثارة عليها مسحة من أثر الصياغة الإعلامية: في ظلِّ مَن يريد أن يسرقها، ويخدعها عن حقيقة نفسها، وعن حقيقة هويتها!في ظلِّ هذه المخاتلة، والمراوغة يصبح التساؤل مشروعًا ابتداءً، من جهة ثانية فإن تنازع المرجعيات، وصراع الجماعات جاء بعد فترة طويلة شوه فيها العقل المصري، واستلبت إلى حد بعيد الذاكرة الوطنية؛ بسبب من منظومة تعليمية مارست الترسيخ للتبعية بامتياز، ومارست التسطيح، والابتسار بامتياز أيضًا.   صحيح أن ثمة مصادر كامنة تشكل بعض ملامح القوة المطمورة، يمكن استفزازها لتظهر للنور، لكن هذه المصادر الكامنة التي تمثل بعضًا من عناصر القوة في الشخصية المصرية بما استقر لديها بفعل عوامل متعددة من رفض للاستبداد، وحنين للمجد، وتطلع دائم لدورها في صناعة الحضارة، قد مورس ضدها أبشع أنواع الطمس، والتشويه، والتحريف، وسكنها علامات متعددة انحرفت بها عن مسارها.   وهذا الملمح هو بعض ما يجعل من طرح التساؤل مجددًا أمرًا مشروعًا، ومصر شعبًا وواقعًا تعاني بعضًا من إرادة إخضاعها للتيه حتى لا تتنبه لطريقها.   ومن جهة ثالثة فإن بعضًا من المظاهر التي خرجت إلى أجواء الانطلاق بفعل من قيود الكبت التي قطعها سلاح الحرية يمكن أن تسهم في صناعة التيه من غير قصد في أغلب الظن؛ بمعنى أن الأفكار التي انطلقت ولا سيما على الجانب الإسلامي في بعض اتجاهاته تحتاج إلى قدر تأمل مواقعها في تربة الأرض المصرية؛ ذلك أن طبيعة الجغرافيا المصرية المنبسطة أورثت النفس المصرية قدرًا ضخمًا من النفور من كل ملامح التشدد، أو الانغلاق، أو الإعلاء من الوزن النسبي لبعض الأمور، ولو كانت مناسك وشعائر، وهو الأمر الذي يفرض إعادة فحص الظهور السلفي، وتقدير وزنه المجتمعي، وهو الأمر الذي يزداد بشكل أكبر إذا ما وقفنا أمام ظهور فصيل آخر أكثر غرابةً من الفصيل السلفي عن تربة الهوية المصرية ألا وهو الفصيل الجهاد! واستقرار هذين الفصيلين وغيرهما مما يقترب منهما على الجانب الإسلامي أو النصراني مرهون بتغير جذري في استراتيجيات حركتهم على الأرض لكل هذه العلامات، والملامح، والظواهر نرى أنه يلزمنا طرح التساؤل والتوقف أمام البحث في هوية مصر، من دون الانخداع بكل الذين يدعون وصلا بها، وهي لا تقر لهم بذاك.   (2) قلق الهوية.. أبعاد وحدود ولم يكن الأمر محدودًا في خانة الإجابة عن مدى شرعية التساؤل من عدمه، ولكن الأمر يتجاوز إلى أفق آخر أرحب مدى يشير إلى أن ثمة قلقًا يحيط بهذه الهوية، وبهذه الشخصية التي ظلت على امتداد تاريخها متمايزًا من غيره.   لقد استمر اتصال ملامح صورة هوية مصر على امتداد حقبتها الإسلامية على الأقل، وهو اتصال لم يشهد انقطاعها بأي شكل من الأشكال إلا في ظل ما يمكن أن نسميه الانقطاع الجزئي العارض بسبب من الاحتلال الإنجليزي لها في العصر الحديث، وهو ما يصح أن يقرر بصدده أنه كان تشويشًا على اتصال هويتها، ولم يكن انقطاعًا تامًّا، صحيح أن قوته ازدادت، وتوحشت أحيانًا بفعل ما يلي:   أولاً- توحش الفعل الاستعماري، ولا سيما عبر قنوات التعليم.   ثانيًا- استنبات جماعات التغريب الثقافي، وجماعات التبعية، وجماعات الانهزام الحضاري في التربة المصرية، واستمرارها.   ثالثًا- تنامي محددات الإنهاك والتجريف لعلامات الثقافة الوطنية.   رابعًا- تنامي أجواء الاستبداد الحاكم، وتقدير القوى الغربية تقديرًا ظاهرًا من دون قدرة على تنمية ملامح استقلال القرار الوطني.   خامسًا- وجود جماعات داخل الأنطمة الحاكمة استثمرت هذه الأجواء للمرور منه لإحداث شروخ في بنية الهوية المصرية عبر مؤسسات الأسرة تعيينا.   وهي الملامح التي فجرت ما سميته هنا بقلق الهوية، فبدت مصر شخصية لا هي شرقية مسلمة، ولا هي شخصية أوربية غير مسلمة، وليس هذا حكمًا بكفرها مطلقًا.   وإنما بدت مصر أشبه شيء بمسخ شائه، صحيح أن تحت سطحها الشائه بقايا جمال فطري، لكنه مطمور بفعل مساحيق أنكرت معها ملامح وجهها الذي كان مضيئًا، كانت هذه المساحيق خليطًا غير متناغم من قوانين تشدها شدًّا نحو هدم المرجعية، والقفز عليها (محاولات التطاول على الذات الإلهية في سياق الإنتاج الإبداعي) ومن إنتاج يسعى لإنتاج تراكم يخلخل صورتها الإسلامية المستقرة، وهو الإنتاج الذي توزع على أعمال فنية درامية، وكتابات فكرية، وقوانين حاولت أن تصدر صورة مصر غربية.   كل ذلك مثَّل حدودًا لتنامي قلق الهوية، والمرعب في الأمر أن خريطة هذا القلق كانت مرشحةً للتمدد بفعل ممارسات النظام السابق- وهي لا تزال مرشحة للتمدد، وإن لم يكن الأمر بالقدر نفسه، لكن ملامح استمرار أصوات النظام السابق ثقافيًّا لا تزال قائمةً مستقرة على مستوى السياسات، والأفكار والرموز! وهو بعض الخطر الحقيقي على هوية هذا الوطن، ولا سيما أن الآليات الداعمة من اقتصاديات الفكر، ومن هيمنة الثقافة التغريبية على مقدرات الثقافة الرسمية، والإعلام الرسمي والتعليم معًا. (3) أركان هوية مصر في البحث عن مفتاح للشخصية المصرية والمتابع للأطروحات التي ناقشت أركان بناء هوية مصر يمكنه أن يلحظ عدة أمور مهمة في هذا السياق، يمكن إجمالها فيما يلي: أولاً- ظهرت كتابات كثيرة تعلق على سمات الشخصية المصرية، وتدرس التحولات التي أصابتها على امتداد شريحة غير قصيرة من الزمن، وقد غلب على كثير من هذه الأطروحات الانطلاق من زاوية متأثرة بحالة التراجع التي أصابت وضع مصر والمصريين عمومًا.   كانت كثير من هذه المحاولات تفسيرية تسعى لتشخيص الحالة، وتفسيرها ورصد العوامل التي أدت إلى هذا الوضع، وهو المحاولات التي يمكن أن نمثل عليها بكتابات الدكتور جلال أمين بما هي نموذج تفسيري ممتاز في رصده للمتغيرات، وممتاز في الإحالة على ما سماه الحراك الاجتماعي تفسيرًا لحالات التراجع التي أصابت مناطق كثيرة من حركة المصريين، وتعاملاتهم.   ومن جانب آخر وقفت محاولات أخرى في فخ التخصص الضيق لصاحبها فرصدت العلامات المرضية بما هي أعراض لمرض ما، وفي هذا السياق تأتي محاولة واحد كالدكتور أحمد عكاشة في كتابه (ثقوب في الضمير)، وهذا العنوان الذي لم يأخذ حقه من العناية والتحليل ينبه إلى مسألة مهمة جدًّا هي أن ما مورس تجاه محددات بناء ضمير المصريين من اختراقات هو المسئول الأول عن انحرافات سلوك المصريين، ومن ثم يصبح تعريض هوية مصر (أو ضميرها) للتشويه مسئولاً عما أصاب وضع مصر والمصريين من تراجع وانهيار.   ثانيًا- وثمة دراسات أخرى، صحيح أنها أقل عددًا، ولكن قيمتها مقارنةً بسابقتها كامن في أنها تأصيلية تأسيسية بمعنى أنها لا تفسر وضع المصريين، ولكنها كانت منشغلة بتأصيل ملامح شخصية مصر والمصريين، وهناك محاولات كثيرة في هذا السياق يمكن أن نذكر منها: محاولة الدكتور زكي نجيب محمود، ومحاولة الدكتور محمد عمارة وغيرهما.   والتوقف أمام هذين النموذجين مقصود لعدة اعتبارات لعل أهمها موقع كل منهما الفكري، والعلمي، فهما يلتقيان في كونهما دارسين متعمقين للفلسفة بلا شك- وهما يفترقان في الوجهة الحاكمة لتصورهما للحياة والكون بحكم أيديولوجية كل منهما.   انطلق الدكتور زكي نجيب محمود في تحديد هوية مصر، أو ما سماه مفتاح شخصية مصر في كتابيه (قصة عقل، دار الشروق 1993م)، و(في مفترق الطرق، دار الشروق 1993م) من تحديد دقيق لهذه الشخصية ماثل في تعانق وصفه بالعابد الصانع، حتى قرر أن مفتاح شخصية مصر هي كونه صانعًا عابدًا!   وأخذ الفيلسوف المعروف يبرهن على تعيين مفتاح شخصية مصر والمصريين بتعانق (الصانع العابد) معًا، وهو ما دعاه إلى وصف هوية مصر والمصريين بالتوازن الناتج عن اجتماع الانبساط والانغلاق، حتى وسم اجتماع هذين الوصفين كل ما أنتجته الحضارة المصرية على امتداد تاريخها كله.   معنى هذه أن أول ملمح يعينه زكي نجيب محمود كامن في الفكرة الدينية الطامحة للخلود ابتداءً.   وفي تحليل المحاولة الثانية التي أطلقها الدكتور محمد عمارة في عدد من كتاباته المهمة، يتصدرها كتابه في المسألة مباشرة، وهو كتاب (عندما أصبحت مصر عربية إسلامية، دار الشروق 1997م) الذي يقرر فيه من غير مواربة أن فتح الإسلام لمصر مثل بالنسبة لها عيد ميلاد من جديد أعادت فيه اكتشاف هويتها وعن طريق تعانق العروبة والإسلام على أرضها استردت (على حد تعبيره) عافيتها الحضارية.   هذا الاسترداد هو الذي مكنها من أن تتبوأ مركز الصدارة، وقلب الأمة، وكعبتها العلمية والحضارية، على حد تعبير ابن خلدون.   ومن مجموع هذه المحاولات، وغيرها يظهر أن هوية مصر على امتداد التاريخ ماثل في كونها أمة (عابدة)، وأمة (صانعة)، وأمة مسكون (بالطموح).     ومن ثم فإن كل محاولات سرقة مصر حقيقة أو مجازًا بعيدًا عن أجواء هذه الهوية فلن يتم لها نجاح يذكر.   ومن هنا أيضًا فإن العناصر التي يتكون فيها نسيجها، وهم المسلمون والنصارى مؤهلون بامتياز لاستمرار انصهارهم في داخل رحم هذه الهوية بسبب من أنهما معًا من المؤمنين بمركزية (فكرة الوحي) الإلهي، ومن المؤمنين بمركزية (فكرة النبوة)، وبالعطاء المتبادل في حماية كل جماعة لأختها، فالمسلمون يحفظون اليد البيضاء للنصرانية في حماية الجماعة المسلمة في الحبشة مثلاً، والنصارى يحفظون اليد البيضاء للإسلام في حماية النصرانية بعد فتح مصر، وإعادة رئيسها إلى سلطته الروحية في حماية الدولة المسلمة الأولى في مصر.   إن إسلامية مصر، وطموحها الحضاري، وما يدور في فلكها من توازن وتوسط مدعوم من عناصرها السكانية جميعًا هو الطريق التي ينبغي أن تسير فيه مصر، لأنه عماد صورة هويتها في رحلة البحث عن هذه الهوية. ---------- * كلية الآداب- جامعة المنوفية- مصر  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل