المحتوى الرئيسى

باسل رمسيس : عسكر وحرامية

05/19 19:48

خدعني السيد هيكل!!! حين شاهدته يتحدث في التلفزيون بعد اندلاع الثورة، تصورته قد عاد شابا ثوريا. لدرجة أنه قد خطرت ببالي إمكانية ما، لا تخرج عن سياق أحلام اليقظة، التي نعاني منها أحيانا، وهي أننا ربما نحتاج السيد هيكل خلال إحدى مراحل الضغط علي المجلس العسكري، الضغط من أجل عودته للثكنات وتسليم السلطة لمجلس رئاسي مدني. الحاجة إلي السيد هيكل بمعني أن نطرحه كشخصية قادرة علي إدارة مجلس رئاسي مدني لعدة شهور.إلا أنه قضي علي أحلام اليقظة وأوهامي، خدعني، بمعاودة الظهور مانحا الهدايا المجانية، أو بمعني آخر مانحا المشير ما لا يملكه أي منهما، عارضا عليه الرئاسة!!! ما هي شرعية هيكل ليقدم هذا الطرح!!! أعلينا فتح الملفات القديمة؟ ألم يكن هو أحد المسئولين عن انهيار مشروع ناصر والهزيمة التي ندفع ثمنها حتى الآن!!! وكأنه، وبمحض إرادته، يقرر الانتماء لنادي “الجدود/الكهول”، الذين ربما يكون من الأفضل لهم الانزواء النهائي والتام، وربما الصمت، وذلك لتجنب التخريفات.تتضخم تدريجيا قائمة عضوية نادي “الكهول”، بالعائدين للساحة السياسية بعد عقود من فشل مشاريعهم، منتهزين فرصة ثورة لم يكونوا من قادتها، أو ممن هيأوا لها الطريق. من ضمنهم الشيخ عبود الزمر بمجمل تصريحاته، المستشار طارق البشري، الذي برغم الاحترام البالغ له، يبدو أن الأخبار بأن في مصر قد قامت ثورة لم تصله، حين كان يقوم بصياغة التعديلات الدستورية. فيدافع عن البنود الجديدة الخاصة بجنسية الرئيس وعائلته بمنطق أن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبالتالي علينا ضمان ولاءه الوطني!!! لماذا لم يخطر بباله أن الثورة ربما تسقط هذه الشرطية التي تنتمي لجمهورية العسكر السابقة؟ ناهيك عن التشكيك المبرر في الولاء الوطني للسادات ومبارك “المصريين بالكامل”، والتشكيك في ولاء الآلاف من خادميهم خلال هذه العقود. إلا أن قائمة “الكهول” طويلة، وليس هناك داع لاستعراضها كاملة.لا أعتقد بأن تصريحات السيد هيكل لها علاقة بأعمال ابنه وشراكته لأبناء الرئيس المخلوع، ولا أعتقد أيضا أن لها علاقة بأمراض الشيخوخة. إنما هي تنم عن وعي هيكل وذكائه البالغ، فهو بحكم خبرته يعرف جيدا أن الديمقراطية الحقيقية، الآتية عبر ثورة، هي خطرة تماما. خطرة علي أمثاله وتصوراتهم عن الدولة، وكذلك خطرة علي الفئات الاجتماعية التي يمثلونها.في طفولتنا كنا نلعب بالشارع لعبة “عسكر وحرامية”. وهي اللعبة التي ربما تكون من ضمن ميراث الحقبة الناصرية، حين كانت إحدى مهام العسكر هي مطاردة الحرامية، ومهمة الحرامية الأساسية، بالإضافة للسرقة، هي الهرب من العسكر. ليس لدي معلومات واضحة، لكن القارئ الذي لديه أطفال لديه المعرفة، وقادر علي أن يجيب بالنفي أو بالإثبات، إن كانت اللعبة قد انقرضت فيما بعد أم لا، وإن كان أطفاله ما زالوا يلعبونها.فالعسكر خلال حقبة الرئيس المخلوع تحولت مهمتهم الأساسية لأن يكونوا حرامية، ممارسة التعذيب، الإرهاب والقتل خارج سياق القانون. أما الآن، عام ٢٠١١ و بعد بداية ثورتنا، فالمجلس العسكري يغير اللعبة مرة أخري. العسكر يتوقفون عن كونهم جهاز الشرطة وفقط، بل هم جنرالات الجيش أيضا، الذين يرسلوننا تدريجيا إلي مقاعد المتفرجين، لا يحق لنا اللعب، لسنا عسكرا ولسنا حرامية. يريدوننا فقط مشاهدين، ليلعب المجلس العسكري الدورين معا.أؤكد هنا أنني لا أقوم بالتلميح إلي فساد داخل الجيش، وتورط قيادات به خلال حقبة مبارك، فأنا أعرف مصير من يتحدث عن المجلس العسكري بما هو أقل من هذا!!! أكتفي فقط بالإشارة المجازية إلي أنه يسرق الثورة وكأنه قام بها. يمن علينا هو وحكومته الرديئة بالحسنات التافهة، أغلبها سئ وعديم المعني. يمنحنا يوميا الشائعات التي يحذرنا هو ذاته منها، بغرض قياس نبضنا ودرجة حرارتنا. يعايرنا بدور لم يلعبه، بينما نحن نبحلق في بالونات الهواء التي يطلقها في سماء مدننا ويطلقها أيضا في عالمنا الافتراضي. وإن طالبنا بحق الفعل، فليكن هو حق التصفيق لانتصاراته الباهرة، ألا وهي التحقيق مع حوالي عشرة من كبار النظام السابق!!!ذاكرتنا ليس رديئة إلي هذا الحد، فنحن -الشعب الذي قام بهذه الثورة- نعرف ونتذكر أن الجنرالات حاولوا حماية رئيسهم مبارك ونظامه حتي النهاية. انقلابهم جاء في اليومين الأخيرين، كمحاولة لتحجيم ثورتنا وإجهاضها. الانقلاب كان هو المخرج الوحيد الذي يرضي أصحاب السلطة الحقيقيين وينقذ نظامهم، رجال الأعمال الكبار، الأمريكان، الأوروبيين، وأيضا إسرائيل. أي لحماية القوي التي تعلم جيدا بأن الديمقراطية في مصر خطر، لأنها تولد الآن من رحم ثورة شعبية حقيقية، لن تتوقف عند المكاسب التافهة، إنما ستمتد إلي المستويات الاجتماعية والاقتصادية، وفتح ملفات تخريب مجتمعنا خلال العقود الماضية.المجلس العسكري ومن يعمل معهم يعلمون أنه ليس هناك ما هو أخطر من شعب منتصر ويشعر بانتصاره. وخصوصا حين يأتي الانتصار بعد تدخل اللاعب الحاسم في ساحة المعركة. ما أقصده هنا هو تحرك العمال والموظفين بإضراباتهم الموجعة ضد النظام، خلال الأيام الأخيرة قبل سقوط مبارك.الجيش لا يستهدف، ولا يستطيع، حكم مصر الدائم. ووجوده رهن بتنفيذ مهمة وحيدة: تحجيم، تقليم أظافر الثورة، وترويضها حتى النهاية. ساعتها ستصل السلطة تلقائيا لمن كانوا يحكمون وقت مبارك، مع التجميلات المطلوبة في بعض الوجوه.ممارسات المجلس العسكري لا تتوقف فقط عند المحاكمات العسكرية والتحقيق مع من ينتقدونه، والاتهامات الموجهة ضده بالتعذيب، والقتل أحيانا، إنما يتمثل أيضا في إرهاقنا، وكسر معنوياتنا، حتى ننسي إننا قد قمنا بثورة وإنها حققت بعض أهدافها.العسكر الذين سرقوا انتصارنا، أو علي الأقل يحاولون سرقته، سوف يعودون لمعسكراتهم حتما. لكن هذه العودة لها شكلان:أن يعودوا منتصرين، يسلمون الدولة لأصحاب المال وتابعيهم، ونحن نعود لمنازلنا مرهقين، وبمرارة هزيمة جديدة، نظل نلوكها لمدة عقود. ولأنتهز الفرصة هنا لطرح تساؤل “برئ”: هل من ضمن برنامج إجهاض ثورتنا سفريات الشحاتة والمديونية من صندوق البنك الدولي والقوي الدولية؟ لمصلحة من تتم هذه المبادرات التي سينتج عنها إخضاعنا أكثر لقوي هي عدوتنا بالأساس، وقامت بسرقتنا خلال العقود الماضية؟الشكل الثاني لعودة العسكر لثكناتهم هي أن يعودوا مهزومين، لو انتصرنا في مواجهتهم. إن تمكنا من تعبئة الجمهور الأساسي للثورة، في مرحلتها الأولي قبل سقوط مبارك، علي أهدافنا الأساسية مرة أخري. إذا استطعنا التأثير في هذا القطاع المرهق من مجتمعنا، والذي يزيفون وعيه بأكاذيب أن الثورة قد أتت بالخراب الاقتصادي والفوضى. وأيضا إن استطعنا التأثير في قواعد وشباب الإخوان المسلمين، فهذا القطاع من الممكن أن يتأثر بأطروحاتنا حول دولة مدنية وديمقراطية، ويبتعد تدريجيا عن دعاوي أصحاب الطرابيش الحمراء.المواجهة سوف تأتي، وهي حتمية. إن لم نستطع التعبئة لها بالتنظيم والوعي، فسوف نخسرها نهائيا. هزيمتنا وهزيمة الثورة ستكون مضمونة إن لم نستخدم في هذه المواجهة سلاحنا الأساسي، الإضراب العام. وهو ما يشترط التعبئة الحقيقية والاستعداد التام قبل استخدامه، عبر طرق عديدة من ضمنها تفعيل كل الإضرابات والاحتجاجات الصغيرة. التي ترهق السلطة الحالية.حين يتحول شعار “الإضراب العام هو الحل” إلي شعار له السيادة في الشارع، ستكون لدينا القدرة علي التفاوض، ليس علي تنويعات “العسكر والحرامية”، القديمة والحديثة، وإنما علي الخروج الآمن للعسكر من السلطة، باتجاه معسكراتهم، وعدم مغادرة هذه المعسكرات مرة أخري.مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل