المحتوى الرئيسى

حذائي الذي لم أخلعه

05/19 16:53

بقلم م: إبراهيم عبد الفضيل على الرغم من أنني عضو عمالي منذ ما يقارب اثنتي عشرة عامًا، إلا أنها كانت أول مرة تصلني دعوة من اتحاد عمال مصر لحضور احتفال عيد العمال، بحضور الرئيس السابق حسني مبارك في شهر مايو من العام الماضي 2010م، وطبعًا أقول كلمة احتفال مجازًا لأنه كان في الحقيقة مسرحية سنوية هزلية للتصفيق والتهليل والهتاف للرئيس، وليس احتفالاً بالعمال وعيدهم، وبحث مكتسباتهم ومشاكلهم ومحاولة حلها.   ومن المعلوم من الأمن بالضرورة أنه يُمنع على كل إنسان محظور حضور مثل هذه الاحتفالات الهامة؛ حفاظًا على هيبة وأمن الرئيس، وألا يعكر صفو الحضور من المنتفعين والهتيفة "وبعدين بصراحة كدة ما ينفعش حد محظور يحضر مع الناس الأكابر دي".   ولكنه قدر الله الغالب الذي شاء أن يحدث خطأ بشري بحت بحذف اسم آخر غير اسمي، وتكون النتيجة أن تصلني دعوة الحضور لأول مرة وسط ذهول ودهشة كبيرة من باقي زملائي الذين اعتادوا الحضور كل عام دون حذف أو مشاكل.. معقول هذا المحظور تصله الدعوة كيف؟!، وهل سيُسمح له بدخول القاعة ويجلس معنا عادي كده؟!.. شيء غير معقول! ولا بد أن هناك ثغرة أمنية خطيرة أدت إلى هذا الخطأ الجسيم.   وفعلاً ذهبت في هذا اليوم مبكرًا برفقة باقي زملائي العشرة إلى قاعة المؤتمرات بمدينة نصر؛ حيث ما لا يمكن أن يتصوره عقل من إجراءات أمنية مشددة، وكمين بعد كمين وتفتيش بعد كل تفتيش, وآلاف الجنود والضباط والحراسات وكأننا داخلون حربًا وليس احتفالاً، وسوف نعبر إلى دولة أخرى وليس إلى قاعة المؤتمرات.   وأخيرًا دخلت إلى قاعة الاحتفال ووقفت أفكر إلى أين أتجه وأين أجلس؟! فإذا بأحد رجال الأمن الذين يرتدون الزي الملكي والسماعة في أذنه ويبدو أنه المسئول "عن رص الناس" في مقاعدهم، وبحزم وجدية وجدته يقول لأصدقائي إلى هنا، ويشير إلى المقاعد الخلفية التي يجلس فيها المشجعون والهتيفة، ويقول لي "تفضل معي"، وسار وسرت خلفه حتى أجلسني في الصفوف الأمامية خلف الوزراء وكبار رجال دولة المخلوع؛ وذلك وسط دهشة مني ومن أصدقائي، ولا أدرى لماذا فعل هذا؟ ربما انخدع في شكلي أو أعجبته بدلتي!، أو أنني أشبه أحدًا ممن يعرفهم؟! لا أدري.   وجلست خلف الوزراء وبيني وبين المنصة مسافة قصيرة جدًا أتابع وأراقب ما يحدث، الكل مشدود الكل مرعوب من حدوث أي خطأ، رجال الأمن والحراسة منتشرون يفحصون كل صغيرة وكبيرة ويُجلِسون كل واحد في مكانه، ويعطون لهم الأوامر لا تتحرك لا تتكلم، وزكريا عزمي يأتي كل عشر دقائق يفحص ويطمئن ويراقب الأوضاع عن كثب، ثم يخرج ليعود بعد عشر دقائق مرة أخرى.. وهكذا رعب شديد.   وبعد أن اطمئنوا أن كل شيء في مكانه وعلى ما يرام، بدأ الوزراء والسفراء في الدخول واحدًا تلو الآخر فرادى وجماعات، واللافت في هذا المشهد هي لحظة دخول كلٍّ من الدكتور كمال الجنزوري رئيس الوزراء الأسبق، ولحظة دخول "الغالي" يوسف بطرس غالي وزير المالية الهارب؛ فالأول عندما هم بالدخول اشتعلت القاعة بالتصفيق الحاد والهتاف والصفير، وما سكت الناس حتى توجه بوجهه إليهم وحياهم وطلب منهم التوقف والجلوس، ولسان حاله يقول "ما تودوناش في داهية"، أما الثاني فشتان عندما دخل القاعة انفجرت في وجهه بالصراخ والعويل والصياح وهاج وماج الجمهور سخطًا وبغضًا عليه، فجلس وأعطى لهم ظهره وكأن شيئًا لم يكن.   وبعد أن اكتمل حضور العمال والسفراء والوزراء والقاعة "هس اسكت" وكله تمام؛ دخل زكريا عزمي لآخر مرة يطمئن على الأوضاع، ثم خرج وعاد ومعه الرئيس الخلوع "وقتها طبعًا مكانش مخلوع وما كان أحد يجرؤ فقط أن يتخيل أنه سيُخلع"، وما أن دخل إلى القاعة حتى قامت عاصفة الصحراء التي تعرفونها هتاف وصراخ وعويل وأناشيد وأشعار وطلبات، وكل هذه الأمور التي اكتشفنا جميعًا الآن أنها كانت تُعد سلفًا.   كل هذا وأنا أتابع وأنظر وأراقب وأرى هذه الأفلام أمامي، وأتعجب هل هذه دولة هل هذا نظام هل هؤلاء هم فعلاً كبار رجال الدولة كما يقولون؟!، وتذكرت قول فرعون لبني إسرائيل ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ‏[‏غافر‏:‏ آية 29‏]‏، وقلت سبحان الله ما أحلم الله عليك أيها الطاغية وعلى كل طغاة الأرض، ما كل هذا النفاق، ما كل هذا الكبر وما كل هذا الجبروت بل ما كل هذ التأله على الله وقد رأيتُه عن قرب يمشي بصعوبة، ولا يكاد يستطيع الوقوف حتى إن أحد الهتيفة صاح وقال لأحدهم عندما قاطع المخلوع أثناء الحديث "الراجل تعبان ماتقاطعوش خليه يقول الكلمتين ويمشي".   وأنا أتابع كل هذه المهزلة والمسخرة وهذا العبث قلت لنفسي أنا الوحيد المعارض والغريب عنهم في هذا المكان، لا بد أن أستفيد من هذه الفرصة فلن أستطيع الوصول إلى هذا المكان بعد الآن، لا بد أن أفعل شيئًا لا بد أن أثبت للحضور وللعالم أن هذا الرجل بشر مثلنا يصيب ويخطئ، يأكل ويشرب يُشفى ويَمْرَض، ينام ويصحو، ويدخل الخلاء ويمكن أن يُقذف بالبيض أو الطماطم أو حتى الحذاء، ولم يكن بحوزتي من هذا كله الا حذائي "جزمتي"، و تذكرت وقتها حذاء العراقي البطل منتظر الزيدي، وقلت "أكرر هذا العمل واللي يحصل يحصل"، خصوصًا أني كنت قريبًا منه وكان في مرمي حذائي.   ومكثت أفكر قليلاً وأحسب السلبيات والإيجابيات والعواقب، وأنا في وادٍ والقاعة كلها في وادٍ آخر، إلا أنني تراجعت في آخر لحظة، ويعلم الله أني ما تراجعت خوفًا على حياتي وكنت أُدرك جيدًا أن التصفية الفورية هي الحل عندهم في مثل هذه المواقف، ولن ينتظروا تحقيقًا ولا تدقيقًا كما فعل الأمريكان مع الزيدي، ولكني أدركت أن هذا الحذاء سوف يُعلِق من أمثلهم وأنتمي إليهم على أعواد المشانق، وسوف يتعرض الإخوان إلى حملة شرسة من التشويه والتنكيل، وعندما ذكرت هذه الواقعة لأحد إخواني بعد ذلك قال لي: "جزمتك دي كانت هتعلق الدكتور بديع وقيادات الإخوان على حبل المشنقة".   وقررت إلغاء الفكرة والبحث عن خيار آخر فهداني ربي إلى السلاح الذي يصيب دائمًا ولا يُخطئ، والسهام التي لا تًضٍل طريقها أبدًا وهي سهام الدعاء؛ فتوجهت إلى السماء بقلب ذليل إلى رحمة الله، وبينما هو يخطب ويصول ويجول ويقول ويعد بوعود كاذبة وانتخابات نزيهة والهتافات ترد عليه فقلت "يا رب يا صاحب الملك والملكوت والكبرياء والعظمة لا تسلط هذا الظالم علينا بعد اليوم واجعل هذا اليوم هو آخر احتفال للعمال يحضره".   والله دعوت بهذه الدعوة وأنا مهموم من هول ما أرى أمامي، وما كنت أدرك أن الله سبحانه وتعالى دبر له كل ما حدث اليوم، وسوف يمكر به كل هذا المكر ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ آية 30‏]‏، واستجاب الله عز وجل دعاء الملايين، واحتفل العمال هذا العام بدون هذا الجبار ونظامه، ورأينا آيات الله حقيقة واقعة أمامنا في دنيا الناس ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىَ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ‏[هود‏:‏ آية 102‏]‏.   فاللهم لا تسلط على هذه الأمة العظيمة فاسدًا ولا جبارًا يحكمها بعد اليوم.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل