المحتوى الرئيسى

الحمد لله: لم يسرقوا الأكفان!

05/19 11:39

بقلم المستشار: فؤاد راشد ينكشف الغطاء يومًا بعد يوم عن أبعاد كوارث عصابة مصاصي الدماء التي نهبتنا خلال حكم "شيخ المنسر", الذي دافع عنه بعض أصدقائه، فراحوا يمارسون دور الدبة لما نفوا عنه السرقة قائلين إنه "متسول"، وأن ما جمع من مال هو حصيلة "التسول"، وراح البعض يعدد ما تلقى من مال هدية من هذا أو صدقة من ذاك, وقد رأى هؤلاء أن التسول أقل سوءًا من السطو على مال المصريين!   إن هذا البعض جاء يكحلها فأعماها؛ لأنه كيف يستقيم أن يمد رئيس أكبر دولة عربية وأعرق دولة على وجه الأرض يده قائلاً: "لله يا محسنين.. براميل نفط قليلة تمنع بلاوي كثيرة"، كما أن التسول مؤثم جنائيًّا وأخلاقيًّا, مُذهب لماء الوجه- بافتراض وجود ماء الوجه من الأصل- ولو سلمنا أنه مارس التسول من باب الهواية أو بدافع مرض نفسي فقد كان بإمكانه أن يمد يده "لأولاد الحلال" في مصر، وهم مستعدون وإن اختلفت الذرائع من قصد التقرب لله إلى قصد التقرب لمبارك، والعائد مضمون مع الأرباح أضعافًا مضاعفةً, وأرض مصر واسعة، وإهداء ملايين الأمتار ميسور تحت ستار البيع بالأمر المباشر؛ لأنه حتى القانون طُوِّعَ وتحول لأداة سطو للكبار! كما أن المصريين اعتادوا التبرع قهرًا سواء للطرق أو لتلك الجامعة أو ذلك المستشفى رغم علمهم على سبيل القطع واليقين أن عائد "التبرع القهري" يشق طريقه إلى جيوب السادة اللصوص!   إن بعض دفاع "البيج بوس" فكاهي، وإن كان لا يضحك لصدوره عن رئيس دولة يفترض أن له وقار الكرسي على الأقل رغم خلعه, كما أن السياق الدموي للثورة يحول دون الإغراق في الضحك, فقد خرج اللص ليهددنا- نحن الضحايا المنهوبين- بالملاحقات القانونية، مدعيًا أنه لا يملك خارج مصر مالاً, ولكن سويسرا سرعان ما ذكَّرَته بما نسي, وربما كان له العذر في النسيان بحكم السن، وبحكم أنه ربما اقترب من الله في المحنة، وصار يعتبر أن المال مال الله ونحن عبيده الفقراء لا نملك من حطام الدنيا الفانية شيئًا, وربما أيضًا نسي- متعمدًا هذه المرة- أن ردَّ المظالم واجب ولا توبة بدونه, وأنه لا يغنيه عن ردِّ المسروقات ما نقل عن ترديده في الأوقات العصيبة عبارة "ربنا كبير"؛ لأن الرب الذي يستنجد به يأمره بردِّ السحت سرقة كان أو تسولاً!   على أن مسلسل العجائب لا ينتهي في قصة "نهب مصر", ومن تلك العجائب دناءة نفوس حالت دون التعفف عن أي مصدر يتاح النهب من خلاله مهما كانت قوة الكوابح التي تحول دونه أو نوع تلك الكوابح!   لقد سمعنا حكايات كثيرة عن بقية خُلُق لدى بعض اللصوص والمجرمين عمومًا, وأنواع من الشهامة تأخذ بعضهم فيخجل أن يسرق عجوزًا أو معدمًا, وفي حدود معلوماتي فإن هناك عرفًا عامًّا بين لصوص (زمان) بألا يسرق أحد من منطقة سكنه إكرامًا للجيرة, وقد حوكم قاتل محترف يومًا وخلال المحاكمة تبين أنه لم ينل أجره؛ لأن من ثأر لمقتل زوجها مدت يدها إليه بقرطها الذهبي فرفض- رغم شناعة إجرامه وحقارة نفسه- وقال: "سأقتله جدعنة"!   والمذهل أن المجرمين ممن يحملون أسماءً على شاكلة "أبو سريع، والهجام، ومقشاط" يتعففون عما لم يتعفف عنه زعيم العصابة وامرأته وولديه وباقي أفراد التشكيل, فقد مد "الكبير" يده للتسول كما روى أحبائه، ومد الأبناء يدهم إلى كل شيء حتى الغاز المصدر للصهاينة، فقد حصل أحدهما على نسبة من الصفقة شبه المهداة من الحبيب إلى حبيبه!, ناهيك عن الأراضي والقصور والشركات في مصر وخارجها, ولكن الدهشة استبدت بي أكثر ما استبدت عند استحلال مال مكتبة الإسكندرية ومشروع القراءة للجميع؛ لأن مثل تلك المشروعات تتلقى تبرعات من الخارج والداخل, ومال التبرعات يثير تعفف أقل الناس إحساسًا, فضلاً عن أن مشروع القراءة للجميع كان مفخرة لسيدة مصر الأولى (سابقًا) حتى إن أحدهم أهاننا جميعًا على كل كتاب نشر حين كتب في المقدمة متزلفًا لها قائلاً: إنها حولتنا من شعب "الفول والطعمية" إلى شعب الثقافة من خلال مشروعها, فكان الأحرى بها أن تترك المشروع دون أن تمد إليه يدها، ولا تترك بعض تلاميذها يمدون الأيدي, وبعد ذلك فإن الدنيا أمامها وأمامهم مفتوحة على مصاريعها ومستباحة!   في يوم من الأيام قال عاطف عبيد مبتسمًا: إن مصر غنية ثم لوح إلى ثمن قناة السويس بصوت متحشرج نصف مكتوم, ويومها رجوته أن يترك لنا الأهرام والأزهر والقلعة وبعض المساجد والأديرة والأماكن الأثرية ودونه ما يشاء بعد ذلك للبيع, كنت وقتها منقبضًا لبيع ما يجوز وما لا يجوز, واليوم خطر لي خاطر مُقبض أستعيذ بالله منه, فبعد أن بدأت تتكشف كوارث السرقات من ملايين الأمتار وآلاف الأفدنة والفيلات والقصور ومليارات الدولارات, راح الخاطر يلح عليَّ فيغرقني همًّا ويقبض أنفاسي كالكابوس لأفيق حامدًا الله شاكرًا, ومحوره تساؤل كئيب, ترى لو طال المقام بالزعيم وعصابة الجراد المتوحش, وامتصوا كلَّ الأخضر واليابس وجف ما يسرق، أكانوا بعدها يتركون الموتى أم يسرقون أكفانهم ويتاجرون في الجثث؟! الحمد لله.. الحمد لله.. الذي لا يُحمد على المكروه سواه!!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل