المحتوى الرئيسى

> قلة «أدب»

05/19 09:29

كتب - مؤمن المحمديفي منتصف التسعينات أعد أحد المخرجين المسرحيين عرضا، وقبل بداية العرض وقف مخاطبا جمهوره، قال كلاما فارغا، لكنه قاله بانفعال مسرحي كلاسيكي حاد، وفي نهاية الخطبة المسرحية العصماء، بلغ الانفعال ذروته فاتجه إلي مقدمة المسرح، وصرخ في الجمهور: مش عايزين غباء من أول الليلة، مش عايزين غباء من أول الليلة، مش عايزين غباء من أول الليلة، وكان صوته يزداد ارتجافا وانخفاضا في كل مرة، وهي طريقة شهيرة في المسرح أن تكرر جملة ما بانفعال ثلاثا ثم تخر علي ركبتك في الثالثة.عندما انتهي صديقنا المخرج من خطبته اندلع التصفيق الحاد في الصالة كما هو المعتاد في مثل هذا الموقف، ليقف المخرج المسرحي قائلا للجمهور بسخرية: مش قلنا مش عايزين غباء من أول الليلة؟كان المخرج يريد إيصال رسالة إلي الجمهور، وأن يثبت لنفسه في الوقت نفسه نظرية ما، وهي أن هناك أشكالا تقليدية من الفنون قادرة علي جذب انفعالات معينة، مهما كان مضمونها فارغا، ولكن هذه الانفعالات عادة ما تكون وقتية تزول بمجرد انقضاء "القعدة" ولا يتبقي منها شيء، وعليه فإن الاستسلام لهذه الأشكال من جانب الجمهور، والفرح بها من جانب المبدع هو نوع من الغباء علينا التخلص منه إذا كنا نرغب في الاستمتاع بالفن، وإلا فإننا نبحث عن متعة أخري تشبه ممارسة العادة السرية القائمة بالأساس علي الوهم، فلا هي تشبع ولا هي تنتج، إنها فقط تنهك الأعصاب حتي تهدأ وتكف عن الثوران، فننام.وهو ما دفع يوسف بك وهبي الذي بني ثلاثة أرباع شهرته من أداء كهذا أن يتراجع عنه في أواخر حياته، بل إنه سخر منه في أفلامه الأحدث، ونذكر أنه سئل في أحد الحوارات الصحفية: ماذا تحب أن يقال عنك في المستقبل، فأجاب: فنان حاول أن يحدث نهضة في الفن، وفشل. فالنهضة لا تقيمها الأشكال المفرغة من المضامين.نعتقد أن هذا المشهد الذي أداه صديقنا المخرج غني بالدلالات، فهو يشير كذلك إلي أن "التلقي الجماعي" يختلف عن تلقي الفرد، فعندما نكون في جماعة فإننا نميل عادة إلي الأكثر عمومية، والأقل خصوصية بالتالي، كما تتجه الأمور إلي الأكثر سطحية وغوغائية، قارن بين نجم وجاهين مثلا، بل قارن بين قصائد الأبنودي في الزحمة والأرض والعيال، ووجوه علي الشط، وقصائد من نوعية المشروع والممنوع والميدان والموت علي الأسفلت.كما أن نوعية الجمهور لا تقل أهمية عن حجمه، إضافة إلي الطقوس المصاحبة للعرض، وقد حضرت حفلين للمطرب الشعبي طارق الشيخ كان إحداهما في الزاوية الحمراء شعرت خلالها أن طارق الشيخ هذا هو مطرب مصر الأول، والثانية في الجامعة الأمريكية بدا فيها كمهرج من الدرجة الثالثة.يمكن للإخوة النقاد ودارسي الفنون المسرحية أن يفيدونا في هذا علي نحو أكثر تخصصا وعلميا، غير أن ما نريد استعراضه هنا هو أن هناك أنواعا من الجماهير ومن العروض تشكل خطرا علي الفن نفسه، إذ إنها تجبرك علي نمط ما من الإنتاج الفني (لن نقول الإبداع) يتماشي مع الذوق "العام" بصرف النظر عن مدي الجدة والجدية في موضوعك. دون أن يعني ذلك أن كل فرد من هؤلاء الجمهور علي حدة يتميز بالسطحية والخفة والتخلف ذاته.وأذكر أن أحد الملحنين الجادين في الثمانينات قال: لو أغنية لي نجحت و"كسرت الدنيا" فسأقلق كثيرا علي مستواي الفني، كما قال لي المؤلف بهاء الدين محمد إنه يعرف مستوي محدثه الثقافي من نوعية الأغنيات التي يبدي إعجابه بها، وكلما ذكر له أغنية من الأغنيات الأكثر مبيعا دل ذلك علي انخفاض الوعي والذائقة لديه والعكس بالعكس.البعض يقول إن هذه هي حجج وتنظيرات الفاشلين، وأننا لا يمكننا الحجر علي ما يحبه الناس، وما يكرهونه، وإذا حاز شاعر ما أو سيناريست أو مخرج أو ممثل علي النجومية والشهرة، فإن هذا استفتاء شعبي علي موهبته لا يجوز لأحد أن يشكك فيه.وفي الحقيقة فإن هذا الحديث فيه إهدار للفن ذاته، من ناحية لأن التحليل ليس تشكيكا، وفكرة الاستفتاءات لا محل لها من الإعراب في عالم الشعر، وعالم الفن عموما، ففي الوقت الذي كان فاروق جويدة شاعر مصر الأول، كان أمل دنقل شاعرا مجهولا لا يجد من يسمعه إلا مجموعة من الأصدقاء لا يزيد عددهم علي العشرة. وإذا ذكر اسمه ظنه الناس امرأة، ولكننا الآن نتسابق في حفظ أشعار أمل دنقل وتحليلها والاحتفاء بها وبه رغم رحيله منذ 28 عاما، فأين فاروق جويدة الآن من الشعر؟ وغيره وغيره من الأمثلة التي تدل علي أن الشعر والفن ليس بطاطس شيبسي ينتهي دورها بمجرد شراء الزبائن لها. وأن تحليل نجاح هذه القصيدة أو هذا الديوان أو هذا الفيلم مطلوب بصرف النظر عن توفيقك في هذا التحليل من عدمه.وإذا تحدثنا عن نجومية "الجخ" مثلا، فسنجد أنها مبنية علي أنه تمكن من خلق شكل استعراضي ما، مستعينا بشكل من أشكال الإلقاء المجربة والمضمونة (فليس صحيحا أنه استعار لهجة الأبنودي فحسب، بل طريقته في التقطيع والوقفات والسكنات وطريقة التغنيم)، إضافة إلي اختيار مكان هو ساقية الصاوي، تخصص في "تسليع" الثقافة وجذب "مستهلكين" لها لا مشاركين في إنتاجها، ثم مصاحبة موسيقية ملائمة، ثم خلط ذلك كله بأقل القليل من "فن" الشعر، تماما كما يصنعون الحواوشي، بهارات كثيرة وكثيفة علي عشرة جرامات من اللحوم، أو تماما كما صنع صديقي المخرج في التسعينات مع الجمهور.وهي وصفة بسيطة دأب علي تجريبها شعراء من كل جيل: قليل من الأدب وكثير من وسائل تسويقه تضمن لك نجاحا وقتيا عريضا، يدر عليك دخلا كبيرا، يمكنك أن تعيش به بقية حياتك، ولو بفتح سوبر ماركت.ولا مشكلة لدينا بالمرة في كثرة وتنوع وسائل التسويق لدي هؤلاء، وإنما في قلة أدبهم، بمعني قلة "الأدب" في إنتاجهم (من الأديب وليس من المؤدب).بقي أن نقول إن قضايا من نوعية: هل سرق الجخ عبد الستار سليم أم لا؟ هي قضية أخلاقية لا صلة لها بما نتحدث عنه هنا، يعني مثلا، لو أن الله قد نفخ في صورة الجخ وعرف أن هذه الأشعار لعبد الستار سليم، فلم يقلها، واكتفي بمربوعات التراث، فهل سيختلف الأمر من الناحية الفنية؟بالطبع لا، لأنه في الحالين ليس شاعرا وإنما عضو في فرقة إلقاء، وهما فنانان مختلفان. وهنا نسأل ما هو حجم إنتاج الجخ كشاعر بعيدا عن "الحفلات" خمس قصائد.. ستة؟ما هو الجديد في هذه الأشعار؟ أيوة بغير مثلا، ألم تغن نجاة: إلا باغير.. أيوة باغير.. قد ما أحبك قد ما أغير؟ألم يغن أحد الشاب جيلاني: طبعا طبعا أغار.. أنا شرقي وغيار.ما هو السطر الشعري الذي كتبه الجخ، ويمكنني أن أقول إنه من إنتاجه الخاص؟ وهل قول المشاعر والأفكار المستهلكة بطريقة إلقاء مختلفة هو نوع من الفن؟وأخيرا أقول لإخوتي الذين يضطروننا لاستهلاك مجهودنا في تحليل مثل هذه الظواهر: مليتوا البلد

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل