المحتوى الرئيسى

> رئيس الحكومة يؤخر قطار الإسكندرية لينشر حديثه في الجرائد المسائية!

05/19 09:29

لم يكن إسماعيل صدقي باشا رئيس الوزراء عدواً للشعب فقط بل أيضاً عدواً للصحافة والصحفيين!! في عهد حكومة صدقي باشا أغلقت وصودرت عشرات ومئات الصحف والمجلات. في كل يوم كان صدقي باشا يقتل صحيفة أو مجلة، ويفاجأ بصدور جريدة أو مجلة، وأصدر قانوناً للصحافة يشترط ألا يتولي أي صحفي محكوم عليه في جريمة صحفية رياسة تحرير الصحف! وبذلك حرم عبدالقادر حمزة، أحمد حافظ عوض وتوفيق دياب ومحمد التابعي ومحمد حسين هيكل، ود.محمود عزمي وإبراهيم المازني من أن يكونوا رؤساء تحرير صحف! وبدأت الصحف تستأجر أشخاصاً مجهولين ومغمورين وتضع أسماءهم في صفحاتها الأولي كرؤساء تحرير مسئولين، مهمتهم أن يذهبوا إلي النيابة كل يوم وأن يدخلوا السجن في كل وقت، ومع ذلك لم تمت الصحافة ولم تستطع القبور التي حفرت لها أن تتسع لها! إن صدقي باشا يعترف في مذكراته بأن الصحافة أقوي سلاح حورب به، وهو يعترف بأن «الصحافة قوة تستطيع أن تبني وتستطيع أن تهدم واستطاعتها في الهدم أشد منها في البناء». إن كراهية صدقي باشا للصحافة لم تمنعه أيضاً من الاعتراف بقوله: «وقد اشتغلت بالصحافة أثناء دراستي بهذه المدرسة ــ مدرسة الحقوق ــ فحررت مع مصطفي كامل في مجلة ــ المدرسة ــ التي أنشأناها ثم أنشأت مع لطفي السيد مجلة الشرائع وهي مجلة قانونية، فكنت أحرر فيها فصولاً في القانون والاقتصاد وكنت ميالاً بطبعي إلي المسائل الاقتصادية». لكن هذا النوع من الصحافة الذي أحبه صدقي باشا ليس هو الذي يحبه القراء ويتهافتون علي قراءته، إن مزاج العامة شيء، ومزاج النخبة شيء مختلف! ضرب القراء كفاً بكف في دهشة بالغة عندما قرءوا قصة وحكاية الأستاذ عبدالمجيد نافع رئيس تحرير جريدة «الشعب» لسان حال «حزب الشعب» حزب صدقي باشا عدو الشعب اللدود! لقد جاءت تفاصيل القصة المذهلة علي صفحات مجلة «الصرخة» التي كانت السيدة «روزاليوسف» قد أصدرتها عقب إغلاق صدقي باشا مجلتها الشهيرة. تحت عنوان «رئيس تحرير جريدة الشعب وكيف طرد من الهيئة الوفدية» كتبت «الصرخة» في عدد 16 ديسمبر سنة 1930 تقول: «وأخيراً صدرت جريدة الشعب معلنة علي صدرها بالبنط الغليظ أن رئيس تحريرها هو «عبدالمجيد ناقع» بالقاف لا بالفاء! استهل صديقنا القديم الأستاذ «عبدالمجيد ناقع» سلسلة افتتاحيات جريدة الشعب التي كتب لها منذ الآن في لوح القدر أن ينتهي بها المطاف إلي دورات المياه، استهل حضرته بمقاله عن النقد وحدوده وأنه ليس لكاتب أن يهاجم آخر إلا فيما يتصل بحياته السياسية العامة. ووعدنا حضرته بأن جريدة الشعب سوف تسمو دائماً عن الشخصيات والتهجم علي الأعراض وأنها تسامح منذ الآن كل من سوف يتهجم عليها وعلي محرريها وتطلب له الغفران من المولي الكريم، والافتتاحية تكاد تكون حرفاً بحرف نفس الافتتاحية التي استهل بها أخونا ولي الله سليمان الصفيق صفحات جريدته الثغر التي لم تلغ في دماء كرامة ولم تنهش عرضاً من الأعراض». وتمضي «الصرخة» قائلة: «وعلي كل حال سواء صدقت جريدة الشعب في وعدها أو لم تصدق فهذا حساب بينها وبين.. دورات المياه»! والآن كلمة نقدم بها رئيس تحرير الشعب إلي الجمهور.. بدأ الأستاذ عبدالمجيد نافع حياته السياسية العامة في صفوف الوفديين ودخل برلمان سنة 1924 نائباً وفدياً عن إحدي دوائر مركز ميت غمر.. واتصل بسعد باشا عليه رحمة الله أن النائب الوفدي عبدالمجيد نافع يتقرب إلي جهة سياسية معروفة وأنه ينقل إليها أخبار الوفد وما يدور في اجتماعات الهيئة الوفدية! وأراد الزعيم الخالد الذكر ــ سعد زغلول ــ أن يتحقق من صحة الخبر، فانتهز فرصة وجود الأستاذ عبدالمجيد نافع في حضرته وأسر إليه بخبر كاذب. وفي مساء نفس اليوم عرف سعد زغلول أن هذا الخبر الكاذب قد اتصل «وصل» بالمقامات السياسية الآنفة الذكر.. ومن ثم أرسل سعد باشا من يبلغ عبدالمجيد نافع بأن زيارته لبيت الأمة وحضوره اجتماعات الهيئة الوفدية غير مرغوب فيها! وفي نفس العدد الذي نشرت فيه «الصرخة» فضيحة رئيس تحرير الشعب نشرت فضيحة أخري لحكومة الشعب التي يرأسها صدقي باشا وكيف أن صحيفة الشعب جاءت تكحلها فأعمتها! تقول مجلة «الصرخة»: «نشرت زميلتنا جريدة «المساء» الغراء صورة بالزنكوغراف لوثيقة خطيرة هي صورة خطاب ــ سري خاص ــ أرسله مأمور مركز قويسنا إلي مدير المنوفية خاص بالإجراءات التي تتبعها الإدارة في جمع أو لم الأعضاء لحزب الشعب الجديد، وإذا كان الخطاب المذكور قد أثار ضجة كبيرة فما كان ذلك لأنه فضح سراً كانت تجهله الناس، وإنما لأنه قدم للناس مستنداً رسمياً علي صحة التهم التي وجهت إلي رجال الإدارة في الأقاليم. والحكومة نفسها هي التي تقدم هذا المستند الرسمي موقعاً عليه من مأمور مركز ومن مدير مسئول، فضيحة لو وقعت في أي بلد لأي وزارة لهزت كيان الوزارة هزاً لا تستطيع معه البقاء في كراسيها يوماً واحداًَ! وتساءل الناس: ماذا تفعل الوزارة؟ وهل هي تصدر بلاغاً رسمياً؟ وماذا تقول في هذا البلاغ والخطاب بخط المأمور وإمضاء المأمور وعليه توقيع مدير المنوفية العزبي بك؟! وتمضي مجلة «الصرخة» في هجومها وسخريتها إذ تقول بالحرف الواحد: وانتهت ضجة الخطاب وطويت فضيحته وشغل عنها الناس بما جد من الأمور! ولكن جريدة الشعب التي أخذت علي نفسها فيما يظهر أن تدخل شيئاً من التجديد علي الحكم والأمثال، وأن تعلن إيمانها بأن الصديق الجاهل هو في رأيها خير من العدو العاقل، جريدة «الشعب» هذه تبرعت بفتح باب الفضيحة من جديد، وراحت تسائلنا في سذاجة الطفل البريء.. أي فضيحة هناك وأي شيء نراه في هذا الخطاب؟! و...... و.... ثم راحت «الشعب» تعيب علي «المساء» عملها غير الشريف في سرقة الخطاب. هذا هو دفاع «الشعب» لسان حال حزب الحكومة عن الحكومة! وهو دفاع لو تقدم محام بمثله إلي محكمة ما لتركت المحكمة المتهم وحكمت علي حضرة المحامي بالسجن في إصلاحية الأحداث. وأما ما جاء في خطاب المأمور من أن «العمل جاء بهمة للفراغ من هذه المهمة قبل انعقاد الجمعية العمومية يوم 5 ديسمبر والمأمول أن يحضر جميع الموقعين هذه الجلسة بذلك التاريخ». هذه الفقرة من الخطاب وهي بيت القصيد، لم تر فيها جريدة الحكومة إلا دليلاً علي بعد الحكومة عن التدخل لدفع الناس للانضواء تحت لواء حزبها الجديد! وعلي المنطق والعقول أن تحني رأسها وتقول الأمر لله. وفي نفس العدد أيضاً تنشر زجلاً ساخراً تحت عنوان «التلاتة بقرش» وتسخر فيه من عدم إقبال الناس علي صحافة الحكومة «الشعب» والجرائد الموالسة والموالية لصدقي باشا ومنها «التلغراف» و«الثغر»! كان الزجل بغير توقيع وإن كان الأرجح أن كاتبه هو د.سعيد عبده الذي لمع وذاع صيته عبر صفحات «روزاليوسف» والذي وصفه الكاتب الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل بأنه: كان أحسن من كتب الزجل السياسي في مصر في الثلاثينيات والأربعينيات «المهم يقول الزجل الساخر عن جريدة الشعب: مقالات يا سلام.. مكتوبة تمام.. تفانين «علام»! تقرأ وتلف.. كمان وتتف.. وبرده «تنف»! ملحق ملحق.. الحق الحق.. دي جرايد ما تقولشي إلا الحق! ويشير الأستاذ مصطفي أمين إلي بعض ما كانت تنشره صحيفة الشعب واقتراحها بأن يوضع تمثال سعد زغلول في حي زينهم، لأن سعد كان زعيم الرعاع وفي حي زينهم يعيش الرعاع، أو أن يوضع تمثال سعد زغلول عند نهاية المجمع الرئيسي العام لمواسير المجاري لأن مكان سعد بين القاذورات! وكانت الحكومة تغمر هذه الجريدة الحكومية وأمثالها بالأموال الطائلة من المصاريف السرية مكافأة لها علي بذاءتها وتطاولها! كان الصحفيون الذين يقاومون حكم صدقي موضع احترامه، يضربهم ويحني رأسه لهم، أما الصحفيون الذين يشتريهم فكان يحتقرهم، يدفع لهم ويدفعهم بعيداً عنه، وحدث مرة أن بعضهم رشح نفسه لعضوية البرلمان وإذا بصدقي نفسه يأمر بإسقاطهم في الانتخابات ويقول: هذه قباقيب أدخل بها دورة المياه ولا يصلح أن آخذها معي إلي الصالونات! > > ولم يفلت مصري واحد من شتائم وسخائم وبذاءات جريدة «الشعب»! ولم تفلح شتائمها وحملاتها ومقالات رئيس تحريرها عبدالمجيد نافع الذي أسمته مجلة «الصرخة» التي أصدرتها «روزاليوسف» باسم عبدالمجيد ناقع إلا في زيادة مبيعات الجريدة. في ذلك الوقت ــ ومنذ العدد الأول ـ كان الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ محمد زكي عبدالقادر قد التحق للعمل بجريدة الشعب وشاهد عن قرب مأساة بل ونهاية جريدة صدقي باشا، ويعترف في مذكراته قائلاً: وظلت جريدة «الشعب» تطبع وتعود إلي أصحابها كما طبعت، ونشطت الحكومة ففرضت الاشتراك فيها علي العمد والمشايخ، فجاءها إيراد كبير من هذه الاشتراكات، ولكن حتي المشتركون بالإكراه لم يكونوا يقرؤونها، كأن ما تكتبه سر لا يباح به لأحد ولا يبوح به أحد». ثم يحكي زكي عبدالقادر كيف أن محمود رشيد سكرتير صدقي باشا أصبح صاحب نفوذ في الحزب والجريدة، كما أصبح مسئولاً عن تنظيم الجريدة ودفعها إلي الأمام، ويحكي زكي عبدالقادر هذه الواقعة الطريفة: قال لي أنا ملاحظ أن المحررين في الجريدة لا يؤدون عملهم كما يجب فما رأيك؟! كان يتحدث كأنه ابن ذوات مرموق في الحزب والحكومة وعند الباشا، دولة الباشا، قلت له: هذا صحيح ولكن لا تنس أن جو العمل له أثره، إن سياسة الحكومة مكروهة من الشعب، وإذا كان الناس لا يقرءون جريدة «الشعب» فليس لأنها جريدة سيئة من الناحية الصحفية، بقدر ما هي سيئة لأنها تمثل رأياً سياسياً لا يقبله الناس! قال: أظن أن العناية بالتحرير تغري الناس بقراءتها! وكان رد الأستاذ زكي عبدالقادر هو قوله: إلي حد ما! ويكمل زكي عبدالقادر قائلاً: ولا أطيل، فشل محمود رشيد في دفع جريدة «الشعب» إلي الأمام، كما فشل صدقي باشا والأستاذ عبدالمجيد نافع وكيف يمكن أن تدفع جريدة إلي الأمام، وعجلاتها مغروزة في الوحل والرمل والأحجار.. كان علام باشا عمدة الحزب ومديره ينظر إلي المرتجع وهو يتدفق بالأطنان ويكاد يبكي!! كان الأستاذ عبدالمجيد نافع طرازاً غريباً ولافت للنظر في رؤساء تحرير تلك الأيام، لقد خصه الأستاذ زكي عبدالقادر بهذه السطور الدقيقة الموحية التي تكاد تكون لوحة بالكلمات المرسومة فكتب يقول عنه: إنه رجل مكتنز قصير، ذو رأس كبير وأشداق منفوخة، وعينين واسعتين ونظارة كبيرة، كانت ثقافته فرنسية خالصة، كان فعلاً محامياً اشتغل بالصحافة أو خطيباً اشتغل بالصحافة، يبدو في مقالاته أسلوب المحامي وأسلوب الخطيب! كان يملي مقالاته أحياناً، يدعو الشيخ «علي الشايب» محرر طويل عريض، شيخ رقيق علي الرغم من أنه هائل الجسم والرسم، ريفي طيب، أزهري طيب، يحاول أن يكون مودرن فلا يستطيع!! يحاول أن يكون أزهرياً خالصاً فلا يستطيع، أحببته إذا رأيته واطمأننت إليه إذا حادثته! كان علي قدر من المعرفة والخلق والطيب جعله محبوباً من المحررين جميعاً، يدعوه عبدالمجيد نافع إلي مكتبه ويأخذ يملي عليه مقاله، ولك أن تتصور الشيخ علي الشايب وعمامته الثقيلة علي رأسه، وحر الصيف شديد، وغرفة رئيس التحرير ضيقة، ورئيس التحرير نفسه سمين مكتنز يضايقه الحر، فيخلع طربوشه ويخلع المحرر عمامته فيجفف عرقه بمنديل محلاوي، بينما يضع رئيس التحرير حول رقبته وبين الجاكتة، منديلاً طويلاً عريضاً، أقرب أن يكون هو الآخر منديلاً محلاوياً.. وهات يا تملية.. رئيس التحرير يجهد نفسه وقريحته والمحرر يتابعه وهو يكتب ويشطب ويحذف ويثبت، رئيس التحرير يملي في صوت خطابي وفي نبرة محامين ناجحين اعتادوا مواقف الدفاع والهجوم، والمحرر يكتب ويثني ويشجع وينتشي، فإذا فرغ المقال، فقد أصبح لدينا عمودان أو ثلاثة أعمدة هي افتتاحية جريدة الشعب! هكذا كان نموذج رئيس تحرير جريدة الشعب لسان حزب الحكومة! > > لكن الأهم والأغرب والأطرف أيضاً هو ما كان يحدث بعد أن ينتهي رئيس تحرير «الشعب» من إملاء مقاله، يقول زكي عبدالقادر: فإذا فرغ رئيس التحرير من إملاء مقاله، وكان الجو صافياً، خرج إلي حديقة الدار وجلس في الشمس أو في الظل حسب الظروف، وحوله عبدالحميد أفندي «محرر في الشعب» وأحمد الساعي أقرب الناس إليه وأدناهم منه يحدثهما ويتحدثان إليه، ينقلان إليه أثر مقالاته في الناس ويبديان إعجابهما الذي لا إعجاب بعده بالسحر الذي يتدفق من رئيس تحرير، كما كانا يبديان إعجابهما به ولا يخلو الأمر من أن يطلب رئيس التحرير «بروفة» المقال ويتلوه علي عبدالحميد أفندي وأحمد الساعي وقد تتسع الحلقة فينضم إليهما «محرران» وينتشي رئيس التحرير ويبتهج وهو يجد القراء.. نعم القراء، فقد كان يظن أن الناس يتلهفون في الصباح علي قراءة مقالاته، ويحسب أن من حوله من الحواريين المداحين صورة من القراء أو لا بد أن يكونوا صورة منهم! كان محررو جريدة الشعب خليطاً عجيباً، أزهريين بجبب وقفاطين ومخبرين، منهم من كان وكيل محام أو موظفاً في دائرة أو موظفاً في البريد لأنه قريب أحد أعضاء الحزب البارزين، ومنهم من كان نائباً وعيناً من الأعيان وغنياً من الأغنياء وسياسياً من السياسيين! ثم يتحدث زكي عبدالقادر عن بعض نماذج المحررين في جريدة «الشعب» الذي لفتوا انتباهه ومنهم الأستاذ محمد الصباحي النائب الوفدي القديم، شخصية بارعة ذكية، خفيفة الدم، محدث من الطراز الأول داهية من الطراز الأول، مدح صدقي باشا كما لم يمدح إنسان إنساناً، صاحبه في مواكبه لزيارة الأقاليم وكتب عن الحشود المصفقة الهاتفة المؤيدة وأوراق مداد قلمه كأنه مؤمن مخلص مصدق، فلما أفل نجم صدقي باشا وترك رياسة الحزب كان يقول: «واحنا مالنا ومال الراجل ده.. ده جبار»! كانت هذه فلسفته، وكانت فلسفة العصر عند كثيرين! وفي سطور بالغة الأهمية والدلالة يتساءل الأستاذ زكي عبدالقادر كيف كان صدقي باشا وعلام باشا عمدة ومدير الحزب وغيرهما من كبار رجال الحزب ينظرون إلي الجريدة؟! والإجابة: لا شيء.. مجرد أداة لا بد أن تكون لأن لكل حزب جريدة تعبر عن رأيه.. تماماً كما أن لكل بيت نافذة أو باباً.. مجرد شيء يستكمل به الوجود الواقعي للحزب. لعل زكي عبدالقادر كان يقصد أن الصحافة بالنسبة إلي صدقي باشا كانت وسيلة لا غاية، ولم تكن جريدة «الشعب» تصلح كأداة أو وسيلة للغاية التي يرجوها ويحلم بها وهي إقناع الشعب بقراراته وسياساته المفروضة والمكروهة. ربما يؤكد ذلك تلك الواقعة التي يحكيها الأستاذ مصطفي أمين فيقول: حدث في أحد الأيام أن دعا صدقي باشا مندوبي الصحف المسائية في مجلس الوزراء لمقابلته في مكتبه بديوان الرياسة، وقال لهم صدقي باشا: عندي حديث مهم ويهمني أن ينشر في الصحف التي ستصدر بعد ظهر اليوم! ونظر الصحفيون إلي ساعاتهم وقالوا له: مستحيل يا دولة الباشا، الساعة الآن الثانية إلا عشر دقائق، ومطابع الصحف المسائية تدور الساعة الثانية وعشر دقائق علي أكثر تقدير. قال صدقي: لا بد من نشر الحديث بعد ظهر اليوم! قال الصحفيون: إن الصحف لا بد أن تلحق قطار الإسكندرية الذي يغادر القاهرة الساعة الثالثة والنصف، وإذا فاتها هذا الموعد، فلن تباع الصحف في الإسكندرية أو الوجه البحري، وطبعاً يهم دولتك أن ينشر حديثك في البلد كله! وسألهم صدقي: هل إذا تأخر قطار الإسكندرية يحل تأخيره الإشكال الفني؟! قال الصحفيون: طبعاً! وبهدوء أمسك صدقي سماعة التليفون وطلب توفيق دوس باشا وزير المواصلات وقال له: أرجوك يا أخي تتكلم مع محطة مصر وتأمرهم بتأخير قيام الإكسبريس الذي يسافر الساعة الثالثة والنصف لحين وصول أعداد الصحف المسائية إلي المحطة مهما تأخرت، لأنه يهمني أن تسافر الصحف المسائية بهذا القطار! وأملي صدقي باشا بعد ذلك حديثه علي الصحفيين. وحلت الساعة الثالثة والنصف ولم يتحرك الإكسبريس المسافر إلي الإسكندرية وعندما مرت خمس دقائق ولم يتحرك القطار، وأطل الركاب من نوافذ القطاع مستفسرين متطلعين.. ومرت ربع ساعة وثلث ساعة، وتصور الركاب أن شخصية عظيمة سوف تستقل القطار. وفي نحو الساعة الرابعة وصلت الشخصية العظيمة وهي نسخ صحف المساء حاملة حديث رئيس الوزراء، وعندئذ تحرك القطار! ولا تحتاج الحكاية إلي تعليق! > > في تلك الأيام راح بعض الصحف الإنجليزية عن طريق تقارير مراسليها في مصر تكتب قائلة: «وإذا استثنينا جماعة المشاغبين ومحترفي السياسة، فالبلاد كلها هادئة وهو ما يؤيد دعوي صدقي باشا من أن البلاد معه ويكذب دعوي الوفديين»! وانتهزت مجلة «الصرخة» لصاحبتها السيدة «روزاليوسف» هذه المناسبة وراحت تسخر وتهزأ من هذا الكلام الفارغ، وكتبت تحت عنوان له دلالة هو «الحالة هادئة! ومصر راضية عن نكبة الدستور»! وقالت: الأفواه حرة تتنفس ملء الصدور، فإذا لم يخرج منها صوت، فذلك لأن الناس راضية عن الوزارة، قريرة العين بنكبة الدستور! والصحافة حرة فلا إنذار ولا إلغاء ولا مصادرة ولا تعطيل، فإذا كانت الصحافة ساكتة، أو هي لا تقول كل ما تستطيع أو كل ما يجب عليها أن تقوله، فما ذلك إلا لأنها راضية عن الوزارة، مغتبطة بما أصاب البلد في حريته، تود من فرط الفرحة لو تضم إلي صدرها وتلثم «خدي» رئيس الوزراء وزملائه الوزراء. ثم تمضي «الصرخة» متهكمة وساخرة مما يشاع فتقول لصدقي باشا: هنيئاً لك يا باشا بهذا الخيال، وهنيئاً لأنصارك مراسلي الصحف من مرتزقة الإنجليز، الحالة هادئة! ومصر راضية عن مسخ دستورها بدستور أعرج سقيم! وكيف تريدون الحالة أن تكون؟ وقد كممتم الأفواه وعقلتم الأقلام، وأقمتم علي الحريات العامة والخاصة الجند والبنادق والحراب! وفي كل يوم لكم غضبة علي الصحافة تخرج منها الصحافة أضيق صدراً وأشد وثاقاً، ثم تقولون بلسان الأنصار: الحالة هادئة ومصر راضية يا صبر أيوب! وتنشر «الصرخة» رسماً بالغ الأهمية، عندما صور الرسام «صاروخان» وهو يمسك بكتاب عنوانه «المستور في هدم الدستور»! وتستمر المعركة ضد «صدقي باشا» وتلك قصة أخري!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل