المحتوى الرئيسى

تشيرنوبيل آخر من فوكوشيما

05/19 03:30

على ما يبدو أن زمن الرغد البيئي قد انتهى بلا رجعة، وعلى ما يبدو أن الإنسان قد أصبح على موعد دائم مع كارثة كبرى طبيعية أو صناعية كل سنة. وإذا كان في هذا قسوة، فالأقسى أن تجتاز الكارثة الحادثة الحدود الجغرافية الواقعة فيها، لتضرب مناطق أخرى آمنة لم يكن منظورا أو متوقعا أن تمسها.والأقسى أكثر وأكثر أن تستديم تأثيرات هذه الكارثة لسنوات طويلة مسببة أمراضا وبلايا كثيرة، للأطفال الذين لم يولدوا بعد وعشرات الأجيال القادمة.وهذا ما ينطبق تماما ومن دون كل أنواع الكوارث، على حوادث تسرب الإشعاع النووي، وعلى ما يمكن أن يسببه إعطاب محطة طاقة نووية واحدة، وخروج الأمور فيها عن السيطرة، في الدنيا بأسرها.ولنا في هذا أكثر من سابقة وذكرى سيئة، منها ما جرى في "ثري مايل آيلاند" بالولايات المتحدة الأميركية عام 1979، وتشيرنوبل بالاتحاد السوفياتي سابقا عام 1986، وما تسببتا فيه، بخاصة الأخيرة، من مآس أليمة ورعب ممتد.فوكوشيما أسم جديد -من اليابان هذه المرة- أضيف مؤخرا إلى قائمة العذاب النووي الخالدة، وهذا من واقع ما فرضه التسرب الإشعاعي الحادث من محطة الطاقة النووية التي تحمل هذا الاسم، إثر زلزال سينداي المدمر، ومن واقع الرعب الذي عاشه العالم طوال الفترة الماضية، بسبب احتمال تكرار مأساة تشيرنوبل 1986، وانتقال هذا التلوث لمناطق أخرى في العالم عبر الرياح والسحب والأمطار وتيارات المحيط وعوامل الطبيعية الأخرى.والواقع إننا بالفعل إزاء زلزال نووي جديد، خيمت نتائجه وآثاره على العالم كله، وليس فقط على اليابان وحدها، حيث تعدت آثار التسرب الحادث -رغم محدوديته- الجوانب البيئية والصحية وحدود المنطقة الجغرافية، لما هو أبعد وأشمل من ذلك، وهو أيضا نفس ما أفضت إليه كارثة تشيرنوبل قبل 25 عاما، مع الفارق طبعا في حجم الكارثة وفداحة الخسارة في كلا الحالتين.إشكاليات وتداعيات ما بعد الأزمةاللافت في كارثة فوكوشيما النووية، هي أنها الأولى التي تحرك الطبيعة المقادير فيها، وهذا على غير حوادث التسرب النووي الأخرى، والتي ينسب السبب فيها إما إلى أخطاء تقنية مفاجئة وإما إلى أخطاء بشرية عارضة.واللافت أيضا أنه كما أثارت جدلا ممتدا ونقاشا محتدما بشأن مزايا وعيوب الطاقة النووية، وبشأن جدوى استخدامها.من أبرز هذه التداعيات، اهتزاز الثقة بشدة في صناعة الطاقة النووية، وفي عدد من المعتقدات الأساسية المرتبطة بها، من أمان نووي وإجراءات سلامة وخلافه، بما أدى إلى إضفاء ظلال قاتمة وتحديات كثيرة على مستقبل هذه الصناعة، وهو ما بدا واضحا من إرجاء كثير من الدول خططها الطموحة التي كانت مطروحة لنشر المفاعلات النووية أو التوسع في استخدامها، وعلى رأس هذه الدول اليابان بالطبع، وألمانيا وإيطاليا والهند والصين، فضلا عن عدد من دول المنطقة العربية.وقد يبدو هذا -بالنسبة للمناهضين لاستخدام الطاقة النووية- على أنه بداية النهاية لهذه الصناعة المدمرة. لكن الأمر -من المنظور المقابل- لا يتعدى كونه مجرد ردة مؤقتة، يتوقع بعدها أن تعاود هذه الصناعة نشاطها الذي كانت عليه قبل الكارثة.فالطاقة النووية -من هذا المنظور- تمثل حاليا خيارا إستراتيجيا ومصدرا مهما للطاقة لعدد كبير من الدول لا سيما في الغرب وأوروبا. ومن أمثلة هذه الدول فرنسا التي تعتمد عليها بنسبة 80%، واليابان التي توفر ما يقرب من 30% من استهلاكها من نفس هذا المصدر.وهذا يعني أنه من الصعوبة بمكان لأي دولة نووية كانت في الشرق أم في الغرب الاستغناء فجأة ومرة واحدة عن هذه الصناعة، وصعوبة تحميل ميزانياتها بأعباء تكلفة استيراد النفط الباهظة ومتاعب أسعاره المتذبذبة.كحل وسط لهذا وتداركا للهواجس السائدة، عمد اللوبي النووي والخبراء المعنيون إلى الترويج للأجيال الجديدة من المفاعلات النووية، وطمأنة المجتمع الدولي بشأن سلامة تشغيلها، وهذا من خلال التأكيد على رفع معدلات الأمان النووي وتعزيز إجراءات السلامة واتخاذ كل ما يلزم لعدم تكرار الأخطاء السابقة.لكن المتابع للأمر يعرف جيدا، أن هذا الحل لن يكون مجانيا، وسيؤدي إلى رفع كلفة إنشاء وتشغيل المفاعلات الجديدة والقديمة بدرجة لافتة، وهذا بما قد يضر باقتصاديات هذه الصناعة، وبما يضيف عبئا ماديا إضافيا على معظم الدول العازمة على استخدام الطاقة النووية، ومنها بالطبع دول نامية ومثقل كاهلها بالديون والمتطلبات الأخرى لتحقيق التنمية.من النقاط الخلافية أيضا، والتي تسببت في إثارتها من جديد كارثة فوكوشيما النووية، ما يتعلق بمصير النفايات الناتجة من تشغيل محطات الطاقة النووية، وطريقة التخلص منها، وما يتعلق أيضا بسوء استخدام عدد كبير من الدول لمخرجات هذه الصناعة، سواء بإنتاج أسلحة نووية مدمرة وفتاكة، أو سواء قيام كثير منها بتصدير النفايات النووية سرا لدول العالم الثالث.لذا يؤمن كثير منا، بأن أفضل حل لهذا كله، هو حسم الأمر بأسرع وقت ممكن، والاستغناء نهائيا عن استخدام الطاقة النووية وعن خدماتها. لكن هذا بدوره -وبفرض إمكانية تحقيقه- سينقل الإشكالية من خانة أمن الطاقة النووية إلى خانة أمن الطاقة العالمي، وهذا مأزق آخر خطير، ومن شأنه التسبب في حدوث فجوة كبيرة في إمدادات الطاقة العالمية مستقبلا، حيث تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية IEA، إلى أن الطلب على الطاقة سيزيد عالميا بنسبة 50% بحلول عام 2035.وهذا يعني من جهة أخرى احتياج العالم إلى زيادة إنتاج الطاقة وإلى مصادر جديدة لتغطية هذا الطلب خلال الفترة القادمة، وهذا بدوره يمثل معضلة أخرى جديدة، نظرا لعدم قدرة النفط على الإيفاء بهذه الاحتياجات، ومقاربة احتياطياته على النفاد، ونظرا لمحدودية إنتاجية مصادر الطاقة البديلة المتاحة حاليا، مثل الطاقة الشمسية وغيرها، وعدم إمكان تطويرها حتى الآن بالقدر الفعال والمناسب.وعلى هذا تبدو الطاقة النووية أقدر مصادر الطاقة البديلة المتاحة حاليا، على تغطية هذا العوز، وعلى إمداد العالم بنسبة كبيرة من احتياجاته المستقبلية من الطاقة، وهذا على الأقل من منظور المؤيدين لها.تحديات ومتطلبات العودةالثابت والواضح من العرض السابق أن صناعة الطاقة النووية تعاني حاليا من أزمة كبيرة، بل يمكن القول إن مستقبلها يدنو من الحافة، وسوف يتعين عليها خلال الفترة القادمة، إما النهوض من جديد وإما السقوط بلا عودة. وهذا في تقديرنا سيبقى مرهونا بيد عدد من العوامل الخارجية، وليس بيد أو إرادة القائمين عليها، كما كان الحال في السابق.أولى هذه العوامل يتمثل في مدى نجاح وقدرة هذه الصناعة على الإيفاء بالتحديات والمتطلبات التقنية والإجرائية المطلوبة واللازمة لكي يبقى تشغليها آمنا ومأمنا ضد مخاطر الطبيعة وأخطاء البشر.ومن التحديات التقنية المطلوب اجتيازها، ضرورة زيادة معاملات الأمان النووي، بما يمكن معه تجنب تكرار الأخطاء السابقة، وهذا فضلا عن خفض تكلفة إنشاء المفاعلات الجديدة، وضمان إجراءات السلامة فيها، حتى في ظل أقسى الكوارث الممكنة.في حين تتمثل التحديات الإجرائية والقانونية في ضرورة زيادة الرقابة الدولية على الاستخدامات النووية، وتحديد المسؤولية النووية للشركات النووية، ووضع معايير جديدة للأمان النووي، وضمان التزام جميع الدول النووية بهذه المعايير، وخضوع جميع المفاعلات النووية -من دون استثناء- للمراجعة والتفتيش بشكل دوري.العامل الثاني المؤثر في مستقبل صناعة الطاقة النووية، يتمثل في المقادير، بمعنى أن تخدم الظروف الطبيعية والبشرية هذه الصناعة بعدم حدوث أي حادثة تسرب نووي أخرى خلال الفترة القادمة، إذ يُجمع القائمون على هذه الصناعة -قبل المناهضين لها- على أن حدوث أي مشكلة أخرى بأي مفاعل أخر بأي جزء بالأرض، سيعني انتهاء تماما مستقبل هذه الصناعة.وفي هذا الإطار، يمكن أن تشكل مآلات كارثة فوكوشيما خلال الفترة القادمة منعطفا فارقا، لأن زيادة التسرب الإشعاعي وانفلات الأمور في فوكوشيما أكثر وأكثر، سيزيد من صعوبة الموقف بالنسبة لمستقبل هذه الصناعة. في حين أن نجاح الحكومة اليابانية في إحكام سيطرتها على الوضع وقضائها على الخطر، سيساعد هذه الصناعة من دون شك على التعافي والعودة للساحة، وهذا هو الاحتمال الأقرب، أو ما يبدو أن الأمور متجهة إليه.أما العامل الأخير المرهون به مستقبل صناعة الطاقة النووية، فيتمثل في عامل الوقت، حيث سيتعين على هذه الصناعة في كل الأحوال الانتظار لفترة قد تمتد لسنوات، كي يمكن لدول العالم اجتياز حاجز الرفض النفسي، ونسيان الآثار المرعبة التي أفرزتها كارثة فوكوشيما، والتي أعادت إلى الأذهان مآسي تشيرنوبل المروعة.خسائر ومكاسب العالم العربيلا يمكن استثناء الدول العربية من تأثيرات كارثة فوكوشيما النووية، بل يمكن القول إنها تقع تماما في بؤرة الحدث، وهذا رغم بعدها طولا عن فوكوشيما بأكثر من ثمانية آلاف كم. لذا لم يكن غريبا تأثرها بما حدث، سواء كان هذا بشكل سلبي أو بشكل إيجابي.من الآثار السلبية الحادثة، إرجاء أغلب الدول العربية المقبلة على استخدام الطاقة النووية، وهي تحديدا مصر والسعودية وقطر والإمارات والكويت والأردن، لخططها الرامية لإنشاء محطات نووية بأراضيها، وهو تماما نفس ما حدث مع مصر، بعد كارثة تشيرنوبل، حيث اضطرت الإدارة الحاكمة وقتها إلى إلغاء الفكرة من جذورها، قبل أن تحاول إحياءها مجددا منذ خمس سنوات.لكن الأزمة لم تخل في مقابل هذا، من عدة مكاسب مؤثرة، وبخاصة بالنسبة للدول النفطية في المنطقة. فمعلوم أن الولايات المتحدة الأميركية ومعظم الدول الصناعية الكبرى يؤرقها ورقة النفط الرائجة في المنطقة، كما يؤرقها تذبذب أسعار هذه السلعة الإستراتيجية بشكل مطرد وتحكم ملوك النفط العرب في الكميات المنتجة.لذا فقد عمد أوباما بوضع إستراتيجية عاجلة تهدف للاعتماد على مصادر الطاقة البديلة، والاستغناء تدريجيا عن النفط العربي، وهذا من خلال نشر مزيد من محطات الطاقة النووية، وتطوير بدائل أخرى للطاقة وأبرزها الوقود الحيوي.لكن ظلال حادثة فوكوشيما والتسرب النووي الحادث منها، قد فرضت نفسها على المشهد بقوة، وبقدر يتوقع معه الجميع أن تُرجأ معه كل هذه الخطط، أو على الأقل يتأخر تنفيذها لبعض الوقت، وهو ما سيصب بالطبع في صالح النفط العربي.من الآثار الإيجابية أيضا، زيادة الطلب على النفط والغاز، بسبب نقص الطاقة الحادث في اليابان وغيرها من الدول التي اضطرتها الظروف لإيقاف مفاعلات نووية، وتوقع أن يؤدي هذا إلى استمرار ارتفاع أسعار النفط، وزيادة من ثم مداخيل الدول العربية المنتجة له من العملة الصعبة.ومن الآثار الإيجابية المسبوغة أيضا، وإن كانت غير مباشرة هذه المرة، ما يفترض أن تلجأ إليه الدول العربية سواء المنتجة للنفط أو المستهلكة له، من التركيز على تطوير مصادر بديلة ونظيفة للطاقة، وذلك عوضا عن تكلفة استيراد أو استهلاك النفط الباهظة، وتحسبا لوقت نفاده، وهو آت لا ريب.ومن أهم هذه المصادر بالطبع، الطاقة الشمسية، الأجدر باستغلالها وتطويرها الدول العربية، لما تحظى به من نسبة سطوع شمسي عالية، تفتقدها معظم دول العالم، لا سيما الصناعية والغربية.غير أن الأمر يمكن أن يكون كله مكاسب بالنسبة للدول العربية، بخاصة النفطية، وهذا إذا ما قرر أي منها تجنب الخسارة والجمع بين كل المزايا السابقة، وهذا بتخصيص بعض استثماراتها لتطوير مصادر الطاقة البديلة والمتجددة التي تشتهر بها المنطقة، بخاصة الطاقة الشمسية وطاقة رياح، وبالاستمرار في جني الأرباح من خلال تصدير النفط والغاز لكل الدول المستهلكة، وبمتابعة أيضا خططها الرامية لاستخدام الطاقة النووية.وقد يبدو في هذا تناقضا أو انفصاما، وقد يثير أسئلة كثيرة بشأن تعريض سلامة المواطن العربي والأجيال القادمة للخطر، خصوصا إذا ما خرجت الأمور في أحد المفاعلات النووية العربية المستقبلية عن نطاق السيطرة، أو إذا عصف بأحد هذه المفاعلات زلزالا مفاجئا أو موجات مد عاتية، لا قدر الله، وهي كلها أسئلة مشروعة ومحقة بالطبع، لا سيما في ظل عدم استثناء المنطقة من التعرض للمخاطر الطبيعية أو الأخطاء البشرية.لكن هذه الأسئلة وإن كانت في محلها، تغفل حقيقة هامة ومحورية، تتمثل في عدم انتفاء هذا الخطر في كل الأحوال، وهذا من واقع وجود مفاعل ديمونة في قلب المنطقة العربية، وقرب تشغيل مفاعل بوشهر ووقوعه على بعد 250 كم من سواحل الدول الخليجية، وكذلك مفاعل مرسين بتركيا، الواقع بالقرب من حدود الشام ومعظم الدول العربية المطلة على البحر المتوسط، علما بأن جميع هذه المفاعلات تقع بالقرب من أحزمة زلازل وصدوع متحركة.المكسب الأهم والأكبر إذن يجب أن يكون في محاولة تخليص المنطقة من احتمالات تعرضها لأي أذى نووي، وإخضاع جميع مفاعلاتها، بخاصة ديمونة، للتفتيش الدوري، وفي إلزام الدول المالكة لها بكافة الاتفاقيات الدولية المعنية، ويا حبذا لو أمكن اجتثاث هذا الخطر كلية من كامل أرجاء المنطقة.أما ما دون ذلك فسيعني استمرار خسارة العالم العربي للوقت، وتخليه عن ركب كان مقدرا لإحدى أكبر الدول فيه وهي مصر، من الانضمام إليه منذ ما يقرب من خمسين سنة كاملة، ونقصد بهذا طبعا ركب الدول المنتجة للطاقة النووية والممتلكة لتقنياتها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل