المحتوى الرئيسى

غادة نبيل تكتب: ارفع رأسك إنت حرامي

05/18 21:09

إصدار قرار من قاض يفيد بكون كل الهدايا التى تلقاها د.زكريا عزمى من رؤساء وملوك العرب تحديداً إبان فترة عمله كرئيس لديوان امبراطور الأبعدية لا تندرج ضمن توصيف " الكسب غير المشروع " يرسى القاعدة المعاكسة  " مشروعية الكسب غير المشروع " والتربح الوظيفى/ السياسى وأحقية " الكبار " فى امتيازات الإفلات من العقاب القانونى بغض النظر عن حجم ونوع الجريمة مع ديمومة حصانتهم فى الحياة الدنيا , كما يضع القرار الشعب المصرى كله فى مواجهة مع القاضى أو القضاة الذين يمكنهم  إصدار أحكام من هذا النوع ثم العودة إلى بيوتهم ليناموا بعمق وثقة .يقولون أنه ليس حكماً بل قراراً . ونقول : نحن لا نفهم القرار .لا أحد مستعد أن يفهم الـ " فارص " ( بتسكين الراء ) وبالأحرى مهزلة عدم إلقاء القبض على د. زكريا عزمى إلا بعد مرور أشهر على الثورة وظللنا ننزل كل جمعة نهتف ضدهم بالاسم والزملاء الصحفيون يكتبون أسبوعاً تلو أسبوع فى الصحف المستقلة والخاصة والمعارضة يتساءلون لماذل لم يتم إلقاء القبض على المشبوهين فى الحاشية للتحقيق فى ثرواتهم ومدى تورطهم فى النهب أو التدبير لموقعة الجمل الشهيرة .لقد كان استمرار بقاء صفوت الشريف ود.فتحى سرور ود. زكريا عزمى وأمثالهم فى مصر بعد الثورة يقلقنى وغيرى لأن كل يوم يمر كان يؤكد لنا أنهم مطمئنون ويستكملون ما بدأوه أثناء الثورة من حصر وبيع ونقل ممتلكات وأموال وتحوطات والتفافات قانونية و" فرم " أوراق ليضمنوا الموقف القانونى ويؤمنوا البراءة الورقية بعد عصور متراكمة من الرشى وجبال الصفقات التى لم يظهر إلا رأسها تحت حماية نظام كان يسن القوانين على مقاس فسادهم كما بقية النجوم المزيفة وسماسرة تحت الطاولة وحراس حزب الواحد الأحد من مزورى الانتخابات وبلطجيتهم .الصبر عليهم كان يعنى للشعب الذى لطالما استخفوا بذكائه وقدرته على الصبر شيئاً واحداً : إعطاءهم الفرصة لتسوية الأوضاع ويمكن بعدها استئذانهم فى عملية إلقاء قبض شكلية عليهم بوصفها لزوميات إعلامية كرنفالية مؤقتة تهدئ المشاعر الملتهبة لجماهير منهكة دأبت منذ الثورة على التضحية بيوم راحتها الأسبوعية لتنزله فى ميدان التحرير مُطالِبة بالتطهير وتحتاج أن تصدق إمكانية ذلك .نعم الشعب المصرى صبور , تلك الصفة النهرية الزراعية التى وفد عليها من المؤثرات والأسباب التاريخية ما رسخها وضاعفها لو شئنا مقارنته بغيره من شعوب الحضارات النهرية التى لم تتفوق عليه فى الصبر الملحمى المتوكل اليئوس , لكنه تيمة حياة وحس مسالم يطفر فى موهبة التنكيت الملحمية أيضاً لأنها تسحب من أعماق الروح الجمعى لذلك  الشعب مديد التحمل ولذا تمنح مصر _ سيدة المِحن _ كل من يأتى إليها شعوراً هائلاً بالعمق , ذلك الذى امتدحته لى فى التسعينات الروائية اللبنانية التى أقامت بيننا لفترة إميلى نصر الله . إنه الصبر الذى جعل آل مبارك وكل فاسد فى البلد يطمئن ويسترخى ويسمن ويواصل نهبه , الصبر الذى فتن غيرنا بنا وأحنقنا على أنفسنا و على بعضنا البعض حتى صدقنا مثل ديكتاتورنا وابنه الوريث تحت التحضير , أننا من المستحيل أن نثور .وقالتها أم كلثوم من عقود . رغم ذلك لم نصدق ونسينا ونسى الديكتاتور . لكن للصبر حدود . وللشعوب حدود , دائماً ما يخطئ الطغاة فى قراءة توقيت عبورها كما تشهد أمامنا الثورات المنفجرة فى ليبيا واليمن وسوريا وقبلهم تونس وإرهاصاتها فى البحرين والمغرب والجزائر والأردن والعراق وسلطنة عمان والتململ فى المملكة السعودية وقريباً الإمارات العربية المتحدة . الأمر المطمئن نابع هذه المرة من التكرارية , التى دعت للتشكيك المبدئى فى أفعال الثورة التى ظل الطغاة يصرخون ضدها أنها لا تليق بالاستنساخ , على غرار تصريحات متشنجة لسيف الإسلام القذافى أن ليبيا "مش تونس ومصر " أو دعاوى مماثلة من نظام الوريث الأسدى أن الموضوع يتعلق بمؤامرة خارجية لكون سوريا دولة مواجهة , وهو ما حاولنا تصديقه لفترة قبل خيار الدم المتوقع الذى وقّع عليه نظام البعث منذ أزمنة جددها الوريث هناك ورغم كل القمع الذى لا يريد العالم أن يسمع لصوته العالى فى السعودية والخليج العربى والبحرين لأسباب تتعلق بالمصالح الخارجية المعروفة فى المنطقة نفطياً واستراتيجياً .أريد ان أقول أن كل الطغاة , فى لحظة ما يشبهون بعضهم تماماً , يرتعبون من نفس الكابوس : صحوة الشعب , ويتصرفون بنفس القانون , الحبس وسفك الدم بعد استنفاد أساليب رشوة الشعوب من بعض أموالها التى يحتكرونها . لكن أيضاًً كل الشعوب , فى لحظة ما , تشبه بعضها , وتجأر بالثورة ضد مصادرة الحرية والفساد والإفقار المادى والروحى المتعمد .لهذا أرى القاضى صاحب " قرار " مشروعية هدايا – وربما أموال- د .زكريا عزمى يتجاوز كثيراً فكرة تقنين الرشى الوظيفية إلى منطقة أعمق .يعنى القرار أن كل موظف حكومى وغير حكومى من " حقه " طلب هدايا والحصول عليها , وليس فقط قبولها , وهو آمن مطمئن على مصير رشوته ونمط حياته ونظرة المجتمع لمصادر ثروته وفلسفته الأخلاقية فى التربح واستغلال الوظيفة , الأمر الذى كنا نحكيه بسخرية متألمة عن سنوات الإفساد للمنظومة النفسية والفكرية للمصريين الذين يمكن لكثير منهم أن يفتحوا أدراج مكاتبهم , نساءً ورجالاً ليدفع المواطن " ثمن كوب الشاى " , ذلك الاسم الحركى للرشوة , ثم يقوم نفس أولئك الموظفين للوضوء واللحاق بموعد الصلاة لكى تكون " حاضرة " فى مواقيتها كالرشوه الساخنة . يُحرك القرار أيضاً ما تشربته حد الامتصاص سيكولوجية المقموعين , أن العين لا يصح أن تعلو على الحاجب , فهناك عين وهناك حاجب لايصح تبديل مكانيهما وثمة فكرة فاسدة أن المال العام ليس ملكية خاصة بل هو مال سائب ( رغم أنه لا يعلم الجميع السرقة ) لا يمثل الاقتطاع منه سرقة . الآن , ثمة إضافة لصالح الضمير الفردى , حالة إذا ما أرق ذلك الضمير صاحبه : اخرس.هذا الإخراس سيعود الفضل فيه لقاض قال ذات يوم أن هدايا وأموال الوظيفة التى يقبلها المواطن دون عمل أو جهد , بل فقط مقابل منصبه , تعنى أن من يدفع لديه بالحتم استحقاقات ومطالب أو خدمات مؤجلة ,  توازى إن لم تفق حجم المدفوع , هذه الصفقات التى تُسخّر أو تُناقِض حقوق ومصالح الشعوب لأجل المصلحة الشخصية لطرفى الصفقة هى شأن خاص ومشروع لا يستأهل مجرد وخزة ذنب شخصية .يعلم القاضى الذى أصدر هذه المجاملة فائحة الرائحة أن قراره فاسد . لا يمكن أن يكون ناسياً الواقعة التاريخية أيام النبى ( صلعم ) حين استعمل عاملاً على الصدقة فجاءه العامل بعد أن فرغ من عمله وقال له :  "يا رسول الله , هذا الذى لكم , وهذا أُهدى إلىّ " فقال النبى ( صلعم ) : أفلا قعدت فى بيت أبيك وأمك فنظرت أُيهدى لك أم لا ؟" ثم صعد المنبر بعد الصلاة , وقال للناس ما قاله للعامل .ذكرنى إعفاء القاضى لزكريا عزمى بسارق كبير لم يفكر أو يشرع أحد فى تجميع  إثباتات تورطه وفساده المالى الكبير كما فعل بعض زملاء الصحافة القومية تجاه رؤساء صحفهم . رئيس تحرير ورئيس مجلس إدارة سابق لصحيفة قومية مصرية كنت أشاهد بعينى مع الزملاء طوال سنوات أمام جريدتنا , كيف كانت سيارات النصف نقل تقف أمام مركز خدمة العملاء التابع للمؤسسة وتكون السلع فيه أحياناً مقابل إعلانات فى شركات الإعلان التابعة لذات المؤسسة الصحفية .كانت سيارات النقل الخفيف تقف جاهزة بالجزء المكشوف للتحميل أمام مدخل ذلك المركز التابع لجريدتى القومية وخاصة مع بداية العام الجديد , وتخرج أمامنا الثلاجات 18 قدم والبوتاجازات والغسالات الأتوماتيك التى يقوم العاملون بلفها أمام الناس بورق الهدايا الفضى المزركش كتماثيل عملاقة أو منحوتات فى متحف للفن الحديث , لتأخذها سيارة النقل إلى بيوت الكبار من محاسيب رئيس التحرير ورئيس مجلس الإدارة  .. ونفس المسئول لم يتورع منذ أعوام عن تشغيل كل عمال الدهان والكهرباء والسباكة فى مبنى جريدة قومية أنفقوا عليها ملايين الجنيهات رخاماً حتى جدران البهو والثريات وديكورات حمام سيادته , لم يتورع عن الاستعانة بهؤلاء العمال _ بلا مقابل مادى من جيبه الخاص _ لتشييد فيللا تخصه فى منطقة العين السخنة بمصر . وكان أن كتب صحفى وقتها بإحدى الصحف المعارضة عن ذلك فمنع رئيس التحرير الفاسد جريدة ذلك الصحفى من دخول حرم جريدته القومية .حزنت تماماً حين تم تعديل شعار فرحة الثورة بعد خلاصها من الرئيس .. الشعار الجميل الذى اخترعناه يوم الاحتفال بالتنحى أو الخَلع " ارفع راسك فوق إنت مصرى " ,  يهتفها الشباب على أسد كوبرى قصر النيل , العلم المصرى فى أيديهم ونغني معهم   بهجتنا , إلى أن جاءت الفتنة التى نعلم من أيقظها وتبدله :" ارفع راسك فوق إنت قبطى".اليوم يوم أغنية الفاسدين : " ارفع راسك فوق , إنت حرامى " .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل