المحتوى الرئيسى

مجالسنا من مظاهر ثقافتنا بقلم:د. خالـد الخاجـة

05/18 20:36

لكل مجتمع من المجتمعات منظومة قيمية نبعت من عمق ترابه، ارتبط بها وورثها خلفاً عن سلف، أخذت شرعيتها من التفاف الناس حولها ورضاهم بها، والدفاع عنها ضد من يحاول أن ينتقص منها أو يطمس معالمها، لأنها تمثل بالنسبة للعقل الجمعي، المرجعية التي يتم الاحتكام إليها في الشأن العام أو الخاص. وهذه المنظومة القيمية في الكثير من جوانبها، تحدد السلوك المقبول وغير المقبول مجتمعياً، مهما أتت الأيام بتغيراتها وتبدلاتها ومهما كانت قسوة صروفها. ومن نافلة القول أن التمايز بين المجتمعات سنة من سنن الله في كونه، والحضارات الإنسانية برمتها قامت على هذا الاختلاف، وهو ما أعطى للجماعة الإنسانية تميزها، وأعطى للحضارة الإنسانية زخمها عبر التلاقح بين بعضها البعض. لذا فمن المعلوم بالضرورة أن السعي لأن تكون المجتمعات الإنسانية نسخاً متشابهة، هو ضرب من ضروب الاعتداء على الإنسان، وهو اعتداء على الحضارة الإنسانية ذاتها. ومهما كانت المسميات من عولمة أو عصرنة، إلا أنه مع كل هذه المسميات تظل النفس تتوق إلى أصلها لتلتصق بترابها، عندئذٍ يحدث لها نوع من التوازن والصفاء النفسي. وإن نظرة فاحصة لمجتمع الإمارات، خاصة في الفترة ما قبل النفط، تفصح لنا عن أنساق قيمية مثلت العمود الأساس في كافة المنطلقات التنموية بجميع أشكالها، معتمدة في أغلبها على علاقات الدم والقرابة ونظام التكافل الاجتماعي ونظام الفزعة والشوفة، وكانت القيم والمعايير والعادات والتقاليد التي توارثها أفراد المجتمع، والنابعة من التقاليد العربية الأصلية بمرجعيتها الإسلامية، لها قوة تعادل قوة القوانين التي تصدرها الدولة. كان كثير من الأمور التي تعنّ للناس أو تطرأ على حياتهم، تعتمد على المجالس والبيوت، كونها المنتديات والباب الواسع لمناقشة القضايا المجتمعية، وأماكن الحل والعقد وتعليم القراءة والكتابة، كما كانت هذه المجالس عامرة بما أفاء الله على أصحابها أو ما تيسر لهم من طعام. ومرت السنون وتبدلت الأحوال، وقامت دولتنا بجهد المخلصين من الآباء المؤسسين الذين بذلوا الغالي والنفيس، وضحوا من أجل أجيال تنعم بما هي فيه الآن من خير بمؤسساتها المختلفة، واستطاعت أن تجعل لنفسها مكانا فوق الأرض وتحت الشمس، وطارت التقارير الدولية تثبت أن الإمارات من أكثر البلاد سعادة، بما استطاعت أن تخطوه كل يوم من خطوات سبقت بها الكثير من بلدان المنطقة، ضاربة المثل بأن ليس الفضل لمن سبق، ولكن لمن صدقت نواياه وقويت عزيمته وتعاظمت إرادته، للدرجة التي جعلت التنمية في بلدنا وثبات وثورات إدارية، طالبت بها القيادة السياسية لكي ينفض كل فرد من أبناء الوطن عن نفسه ـ أيا كان موقعة ومسؤولياته ـ غبار التخاذل والتردد، للسير في طريق لا حدود له من الترقي والتميز. كما أن أبناء الإمارات لم يتنازلوا عن تربتهم وقيمهم ومصدر سعادتهم، مهما زحفت المدنية بأشكالها وزينتها، فما زالت سباقات الهجن والقدرة أكثر بهاءً وأشد جذبا من كافة أشكال السباقات، وما زال اقتناء الهجن أو الخيل المميزة، يفوق اقتناء أفخر أنواع السيارات وأكثرها حداثة، وما زال البر بعبيره العليل وصفاء سمائه، أروح من أكبر المنتجعات العالمية وأشهرها، وما زال القنص أكثر الرياضات إمتاعا لغالبية أبناء الوطن. هذا التوازن بين الماضي والحاضر، هو الذي حافظ على وضوح الرؤية أمام أبناء هذا الوطن، وهو الذي جعلنا دائما على يقين من إجابة السؤال: من نحن وماذا نريد؟ وهذا ما جعل من مجالسنا عنوان ثقافتنا، سواء داخل هذا الوطن أو خارجه. ولم أتعجب خلال فترة دراستنا، سواء في بريطانيا أو أميركا، حين يكون هذا المجلس من أولويات ترتيب المسكن على ضيق مساحته، بل إن الكثير من الدبلوماسيين وسفراء الدولة، يحرصون أول ما يحرصون على أن يكون المجلس الإماراتي بشكله ومضمونه له أولوية في تكوين بيوتاتهم، في شتى بقاع العالم، لأنه جزء من الشخصية الوطنية. ولقد تعودنا أن تكون لمجالسنا حلاوة لا يعرف طعمها إلا من تذوقها، ولا يحس بسعادتها إلا من عايشاها، فهي مدرسة غير نظامية، تلقينا فيها كيف يكون توقير الكبير واحترام وجوده ومكانته في المجلس، وكيف يكون الإنصات حين يتحدث وألا يعلو الصوت في معيته، من منطلق الحب والتقدير لا الخوف والرهبة. وهي ذلك الحبل السري الذي يربط أبناء الوطن بتاريخه، حين يكون المقام تذكر أيام خلت وحكايات الآباء والأجداد، وكيف كانت حياتهم في بيئة شديدة القسوة، وما لاقوه من معاناة لكسب الرزق في حده الأدنى، والصعاب التي واجهتهم حين المرض وعند الحاجة، إلا أن ذلك لم يمنعهم من الحلم بغد أفضل. ولا يخلو ذلك من حكايات ونماذج دوّنها الآباء في ذاكرتهم، انتظارا ليوم يلتف حولهم الأبناء فيقصون عليهم رحلة الأمل والرجاء، لتكون الملهم والدافع لبذل المزيد من أجل وطن يستحق. مجالسنا هي ذاكرة الأمة، حين نتحدث نحن جيل الوسط عن طفولتنا كيف قضيناها في تعلم القرآن عند المطوع، ومن ثم مرحلة المدرسة التي كانت تفتقر إلى تكنولوجيا العصر من حواسيب ومعامل، لكنها كانت غنية بمعلمين ما زال سلكوهم محفورا في ذاكرتنا قبل علمهم، غنية بمناهجها وتلاميذ يتوقون شوقا لتحصيل العلم. نسترجع ما درسناه في التربية الإسلامية بمعينها الصافي الرائق وحقيقة وسطيتها، دون إفراط أو تفريط، وما بقي في ذاكرتنا من قصائد المتنبئ وامرئ القيس وغيرهما، لنرثي حال غربة أبنائنا اليوم عن لغتهم. نتذكر أياما على بساطة أدوات الترفيه المتاحة وماكنا نقوم به لإسعاد أنفسنا بأنفسنا، حين نصنع ألعابنا بأيدينا، مثل صناعة السيارات من علب الكيروسين وإطاراتها من علب الأناناس، وتدوير إطارات السيارات والدراجات في السكيك، فكنا بها أهنأ من كل ألعاب الحاسوب التي أحنت ظهور أبنائنا وجمدت الدماء في عروقهم. مثلت لنا مجالسنا واحة النفس ومصدر فرح وسرور عند لقاء الأهل والأحباب، حيث النفس على سجيتها والحديث من دون تكلف. لكن دوام الحال من المحال، بعد أن غلبت الحياة بماديتها على مجالسنا، فصار الحديث عن المشروعات والصفقات، وزادت التطلعات والرغبة في المزيد، وصار مشهد انكباب الشباب على ما في أيديهم من أجهزة حديثة، سواء للعب أو المحادثة، بديلاً عن سماع عبر السنين ودروسها.. تغير حديث المجالس وتبدل حال الجالسين، إلا أن مجالسنا ستظل دوماً من مظاهر ثقافتنا التي يجب أن نعض عليها بالنواجذ، مهما تغيرت الأيام وتبدل حالها. د. خالــــــد الخاجــــــــة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل