المحتوى الرئيسى

الدعاة الفدائيون

05/18 11:19

بقلم: حسين رضا الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونثني عليه الخير كله، والصلاة والسلام على أطيب الناس قلبًا، وأخلصهم عملاً، وأقربهم من ربهم منزلةً، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أفضل الصلاة وأتم التسليم، وبعد..   إن التاريخ يذكر أن هناك رجالاً لا نعرف أسماءهم، لكننا رأينا آثارهم في كل شبر من أرض الإسلام، إنهم المتجردون الذين عرفوا الإسلام، واستشعروا السعادة في نصرته، هم في الدنيا أشخاص مجهولة، لكنهم في الآخرة أعلام شامخة في رُبى الجنة مكرمة مرفوعة.   إن الدعاة المخلصين الذين يتحمَّلون في سبيل دينهم ما لم تتطِق الجبال حمله، ويبذلون في سبيله ما تهفو النفوس إلى اكتنازه، فهم بحق يستحقون أن نسميهم الدعاة الفدائيين، وفي كلمات مضيئة، وعبارات رقيقة نجلُّهم ونتعرف إلى صفاتهم، جعلنا ربنا منهم.   الدعاة الفدائيون.. ربانيون مشغولة قلوبهم، وعقولهم ليلاً ونهارًا، سرًّا وجهارًا بربهم، وعظمة خالقهم سبحانه، لا يسلمون زمام نفوسهم إلا له، ولا يتركون أنفسهم إلا لما أراد وأمر، فهم يقصدون بعملهم وجهه، وبجهادهم رضاه، وعقولهم أثقل في ميزان الله من جبال الدنيا، فهي تركت التافه من الأمور لترقى في معراج الربانيين، والعقول التي ينقطع عنها تيار التفكر والانشغال بالله، تنشغل بالأحاسيس الرخيصة، والمشاعر الدنية، فمن لم يشغل عقله بالخير أقحمه في الشر.   الدعاة الفدائيون.. رجال طاقتهم لا تنفد، وجهدهم لا ينقطع، ما داموا يعملون لله، فهم أناس ملء أعصابهم مدخر وفير من النشاط، فرغم مشاغل النهار، وطول تعبه، فهم فيه فرسان، ومن بعد انقضائه رهبان، تشق نغمات شجون صوتهم، وأنات استغفارهم، سكون الليل، وهم صافّون أقدامهم بين يدي ربهم، يرتلون القرآن ويبتهلون في الأسحار ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ (الزمر: من الآية 8).   الدعاة الفدائيون.. لا ينظرون موضع أقدامهم ولا يتمنون إلا ما عجزت البشرية دونهم عن تحقيقه، فبصر همتهم يشق فضاء الأمنيات، وقوة عزيمتهم ترتقي لتحقيق أعظم الغايات، ولم لا وهم يسعون بالنهوض بالدعوة من كبوتها، لتصير للدنيا هادية ومرشدًا، فهم لا تجد في الدنيا أصدق منهم لهجة، ولا أعلى منهم همة، ولا أقوى منهم عزمًا، لأنهم همتهم محلقة عند العرش لا يرضون بغير ذلك بديلاً، يقول ابن القيم رحمه الله في فيهم: "علو الهمة ألا تقف (أي النفس) دون الله ولا تتعوض عنه بشيء سواه ولا ترضى بغيره بدلاً منه ولا تبيع حظها من الله وقربه والأنس به والفرح والسرور والابتهاج به بشيء من الحظوط الخسيسة الفانية". ولله الهمم ما أعجب شأنها وأشد تفاوتها، فهمة متعلقة بالعرش وهمة حائمة حول الأنتان والحُش (أي بيت الخلاء)، وما أعظم همة ربيعة بن كعب الأسلمي لما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سلني يا ربيعة أعطك". قال أسألك مرافقتك في الجنة، قال له صلى الله عليه وسلم "أو عليك بغير ذلك" قال هو ذلك قال "فأعني على نفسك بكثرة السجود"، وهذه الهمة العالية التي ما رضيت بغير رسول الله بديلاً، همة الفدائيين من الدعاة.   الدعاة الفدائيون.. ليس للدنيا إلى قلوبهم سبيل، فهم يعلمون حقيقتها، ويفهمون طبيعتها فهم يبتغون الباقي وهي فانية، ويسعون وراء الغالي وهي رخيصة، ولا يرجون سوى الحقيقة وهي متاع الغرور، ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ﴾ (النور: من الآية 37).   الدعاة الفدائيون.. سلوتهم كتاب الله، وراحتهم في ترتيل آياته، وسعادتهم في استخراج كنوزه ودرره، فقلوبهم به ملئت، وجوارحهم له مطيعة، فإن تعرفت إليهم رأيت سلوك القرآن في خلقهم، وإن جلست إليهم كأنك جلست إلى مفسر صادق يستخرج من القرآن لآلئ وجواهر، فمن كلامهم تنشرح الصدور، وتزول الهموم، وتزداد نفس المؤمن إيمانًا، ﴿وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)﴾ (النور).   الدعاة الفدائيون.. لا تنقطع عن الذكر ألسنتهم، ولا تغفل عنه قلوبهم، يجمع الناس من حولهم ما يستطيعون من الدنيا، وهم يجمعون ما لا يستطيع غيرهم من التسبيح والتهليل والتكبير والإجلال والتعظيم لربهم، وفيهم قال الله ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ (الزمر)، فهم على نور الذكر، وبنور الذكر، وفي نور الذكر، فعلى الدوام قلوبهم مطمئنة، ونفوسهم مستقرة، لا يفزعون إذا فزع الخلق، ولا ينزعجون إذا انزعجوا فهم ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾ (الرعد).   وهم بهذا أحب العباد إلى ربهم، وأكرمهم عند منزلة، وأرفعهم لديه درجة، فلما كانت الحياة الدنيا يسرًا وعسرًا، وحلوًا ومرًّا، لا تزال ألسنتهم من ليل أو نهار رطبة بذكر ربهم، لا ينفك الذكر عنهم في يسر، أو عسر، أو منشط، أو مكره، أو فقر، أو غنى، ففي ذكر ربهم يجدون قلوبهم، ويعثرون على سعادة أنفسهم، وذكرهم غير ذكر كل الناس فذكرهم هو الذي يحملهم على البذل في تلك الدار ابتغاء ما عند الله في الآخرة، وهذا النوع من الذكر كما حملهم على البذل في الدنيا يعوضهم الله به الكرم عند الموت ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ (إبراهيم: من الآية 27).   الدعاة الفدائيون.. هم من يقدمون مصلحة الإسلام على مصالحهم، وبقاء الدعوة على بقائهم وإن هلكوا في سبيل ذلك فلا يضرهم، فهذه أمنيتهم، وتلك رغبتهم، وهذا هتافهم.. والموت في سبيل الله أسمى أمانينا، فهم يدركون تمامًا أن الفناء في الحق هو عين البقاء، والإنسان المنصف يرى آثار النبوة باقية في هؤلاء الصالحين، فإن كان محمد صلى الله عليه وسلم مات عنا فروحه في أعماقهم تحركهم، وتضخ دماء الهمة في عروقهم، لقد ورثوا من نبيهم ميراث الدعوة فحافظوا على روعته، وجماله حتى سلموه لمن خلفهم، أو ماتوا دونه، إنهم بحق نوع من البشر نادرًا ما يشهد الزمان بمثله.   الدعاة الفدائيون.. بينهم من أواصر المحبة في الله ما تعجب منه الدنيا، فلا يستغني الواحد منهم عن أخيه ولا يسوءُه وإن كانت له جبال الأرض ذهبًا، وإن قبلها يقدمها لأخيه هديةً متواضعةً معبرةً عن شيء يسير مما يحمله له في قلبه من محبة وود.   لا تظن أن تلك مبالغة فإن من يطلب أن يتقدم إلى الموت قبل أخيه ليجعله يتمتع هو بدقائق الدنيا بدلاً منه ويؤثره على نفسه في الحياة، لا يستكثر بذل الدنيا من أجل سعادته، وما أروع ما تجده في سجلات التاريخ الذي أرخ لأخوة الصادقين، والمحبين في مسيرة الدعوة.   القلم لا يطاوعني على الختام، ولكني أخشى طول الكلام فقد يُنسي بعضه بعضًا، وما أجمل الموعظة إن صدقت وقصرت، وما بقي أحبتي إلا أن نرجع إلى تاريخ أعلامنا على مر الزمان، ننهل من فيض صدقهم، ومن روعة تضحياتهم، ونتربى على سيرهم، ونتعلم من حبهم لدعوتهم، لعل الله أن يطهر قلوبًا مرضت، وأنفسًا هرمت، وأرواحًا عن الجنة تأخرت..اللهم استخدمنا ولا تستبدل بنا واجعلنا ربنا من الدعاة المخلصين واجعل لنا القبول في القلوب يا رب العالمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل