المحتوى الرئيسى

كيف تُبنَى الأمة؟!

05/18 09:51

بقلم: الشيخ/ محمد عبد الله الخطيب حين نريد أن نشيد الأمة من جديد، ونطهرها من العبث والعابثين والفساد والمفسدين، ونبنيها على قواعد راسخة فلا بد من النظر إلى هذه الحقائق:   أولاً: النظرة إلى الوطن والوطنية، وهما جزء لا يمكن أن ينظر إليه الإنسان إلا نظرة تقدير، لكن يبقى في دائرته فهو جزء من الأرض تربطنا به حقوق وواجبات وذكريات تجعلنا ننطق دائمًا: حب الوطن من الإيمان.   والرسول صلى الله عليه وسلم حين هاجر من مكة إلى المدينة، نظر إليها وقال "والله إنك لأحب بلاد الله إلى الله، وأحب البلاد إلي ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت".   ويظل الإنسان عزيزًا كريمًا ما دام وطنه حرًّا أبيًّا بعيدًا عن الأيدي الملوثة، ويجد الإنسان فيه حريته وكرامته ويرفع رأسه شامخًا يعلن عن رأيه الذي يؤمن به، وعن حرية وطنه التي تملأ قلوب الجميع؛ فالحاكم فيه إنسان عادي يفضل غيره بالأخلاق وسعة الصدر، فهو يحنو على الجميع، إنه أبوهم، إنه المسئول عنهم، وبكى مرة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فسئل: لماذا تبكي؟ قال: تفكرت في اليتيم الضائع والمسكين والفقير والمريض، وعلمت أن ربي سائلي عنهم يوم القيامة، فلذلك بكيت. من المسئولية فالحكم مسئولية عظمى لإيصال الحقوق إلى أصحابها لا كما حدث في العهد السابق- لإرادة الله- وضع الحقوق وأصحابها في جيبه، وأخذ يتطاول عليهم ويظلمهم بل ويقتلهم ويحبسهم ويعذبهم، لا يرعى يتيمًا ولا ضعيفًا ولا فقيرًا ولا مسكينًا، بل يكذب على الجميع ويتركهم بلا أدنى مسئولية.   هذا الوطن بهذه المعاني قطعة واحدة، وبين جميع أهله وشائج وتربطهم مصالح تلزمهم أن يصدق بعضهم مع بعض، ولا يتطاول أحد منهم على الآخر، ولا يظلمه ولا يحقره ولا يسلمه لعدو.   والمواطنة التي تنادي بها هذه الأيام لها جذورها في هذا الدين، إنها جذور عميقة إذا وجدت غابت الفتن وتم حل الخلافات، وتم رد كل الحقوق إلى أصحابها، فنحن من قديم ننادي بالإحياء لكل عمل يرفع شأن هذه الأمة، ويعلي من أمرها، ويربط أفرادها برباط مكين قوي، من التعاون والتسامح والتآلف، فليس بين الناس شيء إلا المودة والصدق والإخلاص والتجرد لله رب العالمين، ولذلك يشعرنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "خير الناس أنفعهم للناس".    ويجب أن تعلم هذه الأشياء وتلك المعاني للصغير قبل الكبير حتى يشب عليها وينشأ نشأة صحيحة يعرف ما له وما عليه وما بينه وبين الآخرين جميعًا من مودة وحسن تعامل وهذا ما رُبي عليه الإخوان ويربون عليه في مناهجهم وفي لقاءاتهم، ساحة خلق وأدب نفس، ومروءة عالية وحب لتعاون ورغبة في التشاور لا يستكبرون على أحد بل يتواضعون لجميع الناس، ويرأفون بهم.   ثانيًا: والإسلام وهو يضع اللبنات الأولى في بناء الأمة يجعل الإيمان العميق هو اللبنات الأولى الأساسية، يشيد عليها هذا البنيان الضخم الذي نذر المسلم حياته لسعادته واستقراره والإيمان هو السلاح الذي يحمي الأمة ويعلي شأنها ويقيم حياتها، قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (122)﴾ (الأنعام).   وعواطف الإيمان تتنامى وتتألق كلما سمع الإنسان الأذان للصلوات الخمس، الأذان الذي ظلمه العهد البائد وأرادوا إلغاءه بطريقة خبيثة، وقالوا من غير حياء: إن صوت المؤذن مزعج للمرضى وللطلاب، بينما كانوا يطربون لوسائل اللهو إلى ساعات الفجر دون حياء ولا خجل، وصدق الله العظيم: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45)﴾ (الزمر).   ألم يكن الأجدر بهم أن يواجهوا المنكرات التي تعكر على جميع الناس الحياة وتحولها إلى مباءة؟ لكنهم أصروا على إنكار المعروف، وترك المنكر والمنكرات وإطلاقها كالسوس تنخر في جدران هذه الأمة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (النور: من الآية 19)، ألا إنها عهود قد مضت- إن شاء الله- وأسدل الزمان عليهم سترًا ونرجو من عهدنا أن يكفكف هذا البلاء ويجفف تلك المنكرات ويحيي المعروف والإيمان، وجميع جوانب الخير في الأمة حتى تبنى بناء على أساس متين.   إن مشاعر الحق وعواطف الإيمان هي المحرك الحقيقي للإنسان التي تعجزه دائمًا- بل وتمنعه- عن الرغبات الشيطانية كلما أراد أن ينطلق في الطريق غير السوي وترده إلى أصل فطرته، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)﴾ (الروم).  إن الربانية التي صنعها الدين أقوى من أي عامل آخر في بناء الأمة وصيانتها وتقدمها ورقيها، ورفعة شأنها وصاحب هذه الربانية أول المدافعين عن الأوطان والمحامين عنها، والعاملين على تقدمها وبنائها على أساس سليم، وأول القائمين بالحقوق المطلوبة من كل إنسان كريم، وأول المدافعين بنفسه وماله وولده عن هذا الوطن الذي ينتمي إليه ويعيش فيه، لأن طبيعة المسلم ترفض القهر، وتأبى الضيم، وترفض العدوان من أي جهة كان، بل وتضحي بكل غالٍ وثمين في سبيل المبدأ الذي تؤمن به وتدعو إليه وتتشرف بالانتماء إليه.   ثالثًا: الأخوة وينبثق من الإيمان العميق والفهم الدقيق لرسالات السماء التي جاءت على لسان الوحي هذا المبدأ العظيم: الأخوة.   وهي أخوة عامة توحد بين جميع الشعوب وتقرب بينهم، وأخوة خاصة بين المتقين والمؤمنين، قال تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)﴾ (الحجرات)، وقال سبحانه ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)﴾ (التوبة).   فهي إذن شبكات متواصلة يحكمها الأدب العالي والأخلاق ونفرض على الجميع التعاون على البر والتقوى والنجدة عند الشدائد، ومد يد العون عند الحاجة، فهي في نظرنا شجرة واحدة لها جذع واحد، ولها فروع وثمار وأوراق فهي تظلل وتطعم من أوى إليها وعاش في ظلها.   وهنا نسأل: لماذا يختلف الناس، ولماذا يمكر بعضهم ببعض، وما الذي أنساهم كل ما ذكرناه من الحقائق؟   إنه الجهل الذي وقعوا فيه، والشيطان الذي سوّل لهم هذا السوء، ولقد انتصرت ثورتنا على الشيطان "من إنس وجان" وهزمته وطوحته بعيدًا، واستعانت عليه برب الأرض والسماء.   أيها الناس: أفيقوا وكفاكم تآمرًا على بعض كفاكم تخريبًا في كل شبر، كفاكم الجري وراء الشيطان، فمآل الذي يجري وراء الشيطان مآل شنيع؛ فهو كما قال الحق ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98)﴾ (هود).     ولا بد من طلائع للإنقاذ تحمل راية الحق وتبصر به وتذكر بنهاية الظلم والظالمين، وبعاقبة البعد عن رب العالمين، لا بد من طليعة واعية تحمل هذه الراية وتصبر على تكاليفها، وكما كان الإمام إلينا يقول دائمًا للإخوان (هل أنتم على استعداد أن تجوعوا ليشبع الناس؟ وأن تسهروا لينام الناس، وأن تخافوا ليأمن الناس؟ وأخيرًا هل أنتم على استعداد أن تموتوا وتجاهدوا لتحيا أمتكم).   نقول هذا لكل عاقل يهمه أمر أمته، وضرورة وجودها عزيزة كريمة؛ رأيتها مرفوعة.وصدق الله العظيم: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: من الآية 8). --------- * من علماء الأزهر الشريف.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل