المحتوى الرئيسى

ودنك منين يا جحا

05/18 08:13

عدد من الأطباء عاتبونى لأننى نشرت رسالة انشغل صاحبها بأن وزير الصحة قد قال بشكل عفوى فى مداخلة تليفونية وهو يتحدث عن المتهم جمال مبارك «ربنا يفك سجنه»، بينما رأوا أنه من الأولى أن ننشغل جميعا، وعلى رأسنا الأجهزة الرقابية، بأسئلة أكثر أهمية مثل كيفية توزيع ميزانية القوافل الطبية التى تتكلف فى السنة الواحدة ما بين 250 و300 مليون جنيه؟ وهل صحيح أن بعض قيادات الوزارة كان يحصل على آلاف الجنيهات كمكافأة عن القافلة الواحدة دون أن يغادر مكتبه، فى حين أن الطبيب المشارك فعليا يحصل على ثلاثين جنيهاً فقط لا غير؟ وما هى طبيعة الرواتب والمكافآت التى تحصل عليها قيادات الوزارة ومساعدوهم وسكرتيراتهم ومدراء مكاتبهم وهل هى كبيرة أم عادية، وهل هى تتناسب مع حجم المجهود الذى يبذلونه، فى حين يعانى الأطباء فى صرف حوافزهم التى تبلغ أقل من 500 جنيه بحجة عدم توفر بند فى الميزانية؟ أنا فعلا لا أدرى ما هى الإجابة على هذه الأسئلة، لكننى أراها أسئلة مشروعة تستحق الإجابة، خصوصا أنها قابلة للطرح بنفس تفاصيلها فى جميع قطاعات الدولة المنهكة، وحاصل جمع تلك الأسئلة مع ما قرأناه من تقارير للجهاز المركزى للمحاسبات وهيئة الرقابة الإدارية عن الفساد المستشرى فى قطاعات الدولة المختلفة يقودنا إلى سؤال مركزى هو: لماذا لم نشهد حتى الآن تحركا سريعا وفاعلا مع ملف تحديد الحد الأقصى للأجور فى كل قطاعات الدولة؟ أفهم أن هناك دراسات مستفيضة لابد أن يتم عملها لموضوع الحد الأدنى للأجور، كما قال السيد وزير المالية، لكن ما الذى يمنع أن يتم الإعلان فورا عن الاختلال المذهل فى الأجور والمكافآت داخل الجهاز الإدارى للدولة؟ وهو أمر أشار إليه مراراً وتكراراً الباحثان المرموقان عبدالخالق فاروق وأحمد السيد النجار فى دراسات عديدة لم تجد آذانا صاغية حتى الآن، ثم بعد ذلك نستغرب لماذا يحتج الناس ويرتجون ويخرجون من هدومهم ويفقدون قدرتهم على تحديد الأولويات، مع أن الأولويات كانت تقتضى أن تقول الحكومة للناس بصراحة مطلقة: يا ناس يا هوه قد لا نستطيع الآن وفورا أن نمنحكم ما تستحقونه من أجور عادلة، لكننا نستطيع الآن وفورا أن نوقف التفاوت الصارخ فى الأجور داخل مؤسساتنا الحكومية، وبدلا من أن نطالب المطحونين بالتحمل وربط الأحزمة سنبدأ بتطبيق روح التقشف وربط الأحزمة على الرؤوس الكبيرة فى الجهاز الإدارى للدولة، وسنضع حداً أقصى لأجورهم ومكافآتهم وامتيازاتهم، وسنعلن لكم ذلك بكل صراحة ووضوح، لكى تشعروا بأننا راغبون فى تحقيق إصلاحات اقتصادية تتماشى مع روح الثورة، فتهدأوا قليلا وتنصرفوا إلى العمل والإنتاج وأنتم واثقون أن طريق الإصلاح قد بدأ بالفعل. أسأل بقلب مخلص وروح لا تبتغى إلا صالح الوطن: أيهما أنفع للناس وأكثر إقناعا لهم بالإنتاج والعمل: مندبات حول الوضع الاقتصادى الكارثى، وهو كارثى حقا وصدقا، وخطب عصماء حول أهمية العمل وتغليب صالح الوطن، أم قرارات حاسمة سريعة وجداول زمنية لما يمكن عمله لتحقيق العدالة الاجتماعية التى قامت الثورة طلبا لها؟  أريد أن أسأل الدكتور عصام شرف، وأنا راضى ضميره: ما الذى سيحدث لو خرج على الهواء اليوم قبل غد ليقول للشعب المصرى إنه كلف وزير المالية بأن يضع بين يديه فى أسرع وقت أرقاما دقيقة عن الأجور والبدلات والمكافآت التى يحصل عليها كل الموظفين الكبار فى الدولة بجميع هيئاتها وشركاتها ومؤسساتها وبنوكها. فاكتشف أن ما يقال عن وجود أرقام فلكية يمكن أن يحصل عليها هؤلاء الموظفون الكبار ليست سوى أوهام تسوقها الصحافة ووسائل الإعلام، وأنه يرى بكل أمانة وضمير أن الأجور التى ينالها هؤلاء عادلة، وبناء عليه فليس أمام من يشكون من أجورهم سوى الصبر والعمل. أو يقول للناس إنه وجد فعلا أن تلك الأجور غير عادلة وغير متوازنة وتخل بمبادئ العدالة الاجتماعية، وأنه اتخذ قرارات سريعة بأن يتم وضع حد أقصى للأجور والمكافآت التى يحصل عليها هؤلاء الكبار ومساعدوهم ومستشاروهم أيا كانت كفاءتهم وذلك حتى تمر البلاد من أزمتها الطاحنة، على أن يوجه ما سيتم توفيره من وراء ذلك لدعم الاقتصاد القومى المتعثر فى هذه الفترة، مع إصدار وعد للناس مصحوب بجدول زمنى تقريبى يقول لهم إنهم إذا عادوا إلى العمل بكل جدية سيتم إصلاح خلل الأجور بشكل تدريجى ومتوازن، وإن ذلك هو السبيل الوحيد لإنقاذ البلاد قبل أن تغرق بنا جميعا. بذمتك يا دكتور عصام هل سيخرج الناس بعدها فى مظاهرات فئوية إذا رأوا أبواب الأمل المحسوب تُفتح أمامهم؟ ألن يعمل الناس ساعتها بأيديهم وأسنانهم من أجل إنقاذ بلادهم؟ يا سادة، تبصير الناس بأهوال الخراب الاقتصادى القادم أمر مهم وضرورى، لكن لماذا لا نجرب بروح ثورية تكرس القطيعة مع منهج «أجيب لكو منين»، تبشير المصريين بأن شيئا ما قد تغير فى صلب نظام الفساد الإدارى والمالى الذى كبس على أنفاسهم سنين عددا، وإشعارهم بأنهم قد أصبحوا فعلا شركاء فى تقسيم ميزانية البلاد على الوجه الأمثل وتحديد أولويات الإنفاق فيها؟ فيخوضوا مع حكام البلاد حرب التنمية والإنتاج وهم يشعرون بأن الجميع يأكل من نفس «الأروانة». والله من وراء القصد أو هكذا أزعم. belalfadl@hotmail.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل