المحتوى الرئيسى

التنقيب عن السجيل الغازي في أوروبا.. كيف ومتى؟

05/18 06:49

نعمت أبو الصوف لقد ازداد الاهتمام خلال السنوات القليلة الماضية وتحديدا منذ مطلع العقد الحالي بشكل ملحوظ بتطوير بعض مصادر الغاز الطبيعي غير التقليدية، خصوصا من طبقات السجيل الغازي (الصخر الزيتي). ويعود سبب ذلك إلى عوامل عدة منها: حصول تطور في تقنيات استغلال هذه المصادر بصورة اقتصادية، أمن الإمدادات لمصادر الغاز، وخصوصا بعد تضاؤل معدلات الإنتاج من مصادر الغاز التقليدية في بعض المناطق من العالم وبالتحديد في الولايات المتحدة وكندا. كما أن المستويات العالية لأسعار النفط والغاز التي شهدتها الأسواق العالمية في حينها ساعدت في هذا المجال أيضا. ابتداء من عام 2007، حدث تطور غير متوقع بشكل مفاجئ في صناعة الغاز الطبيعي في أمريكا الشمالية، حيث ازدادت إمدادات الغاز الطبيعي من المصادر غير التقليدية بصورة كبيرة جدا، خصوصا من طبقات السجيل الغازي، وذلك باستخدام التقنيات الحديثة في مجال الحفر الأفقي وتقنيات التكسير الحديثة. هذا، وتضاعفت تقريبا كميات الغاز المنتجة من المصادر غير التقليدية في الولايات المتحدة منذ عام 2000. حيث يمثل الغاز المنتج من هذه المصادر اليوم أكثر من 50 في المائة من مجموع الإنتاج المحلي الكلي للغاز في الولايات المتحدة، حسب إحصائيات وزارة الطاقة الأمريكية US Department of Energy، نتيجة لذلك وبعد سنوات من انخفاض إنتاج الغاز الطبيعي بدأت إمدادات الغاز في أمريكا الشمالية تنمو من جديد، وبسرعة فاقت جميع التوقعات السابقة. حيث تمكنت الشركات العاملة في مجال إنتاج الغاز غير التقليدي من تعويض تضاؤل إنتاج الغاز من الحقول التقليدية في الولايات المتحدة وحولتها من بلد مستوردة للغاز إلى مكتفية ذاتيا وربما مصدرة في المستقبل. هذه الثورة في إنتاج الغاز من المصادر غير التقليدية أثرت إيجابا في صناعة الغاز في أمريكا الشمالية، لكن هذه الموارد غير التقليدية من الغاز لا تقتصر على أمريكا الشمالية وحدها، حيث تتوافر أيضا مصادر غير تقليدية للغاز الطبيعي في أنحاء أخرى من العالم، منها أوروبا. لكن هل إنتاج الغاز السجيل الغازي سينتشر عالميا أيضا؟ وما التحديات التي تواجه ذلك؟ حيث إن كثيرا من المعنيين والمختصين في مجال صناعة الغاز اليوم يواجهون التساؤلات التالية: هل إنتاج الغاز من مصادر الغاز الطبيعي غير التقليدية شأن يخص أمريكا الشمالية وحدها وبالأخص الولايات المتحدة؟ أم أنه مثل الغاز الطبيعي المسال، سيتوسع ليشمل مناطق أخرى في العالم؟ وما التحديات التي تواجه ذلك؟ هذه التساؤلات بالتحديد لها أهمية خاصة بالنسبة لأوروبا، التي تعد ثاني أكبر سوق للغاز في العالم، التي تستورد ما يقرب من نصف إمداداتها. تشير الدراسات إلى أن كمية الغاز الإجمالية القابلة للاسترداد من السجيل الغازي فقط في بقية أنحاء العالم تقدر بين خمسة آلاف و15 ألف تريليون قدم مكعبة، أي ما بين أربعة و14 مرة بقدر ما في أمريكا الشمالية. موارد الغاز من حجر السجيل في أوروبا تصل إلى ثلث تلك الموارد في أمريكا الشمالية. إن وفرة الاحتياطيات الغازية غير التقليدية وتوافر التكنولوجيا المطلوبة لا يعني بالضرورة إمكانية استثمارها بصورة اقتصادية في الوقت الراهن، على الرغم من أهميتها. التطور التكنولوجي لم يكن العنصر الوحيد الذي ساهم في تحقيق نجاح تجربة السجيل الغازي ف أمريكا الشمالية. بل إن هناك مزايا ملحوظة أخرى في أمريكا الشمالية في هذا المجال، حيث إن جيولوجيا وطبيعة التراكيب المكمنية لهذه المصادر مفهومة جيدا، كما أن المناطق الرئيسة الأولية لوجود هذه المصادر لم تكن مزدحمة بالسكان، وكانت خطوط الأنابيب والبنية التحتية الأخرى متوافرة في الجزء الأكبر منها، وكانت هناك أيضا سوق كبيرة ومنظمة للغاز. علاوة على كل ذلك، فإن نظام الملكية وحقوق الموارد الطبيعية في باطن الأرض وضعت منذ أكثر من قرن ونصف القرن. وكي تنجح هذه التجربة خارج أمريكا الشمالية، صناعة مصادر الغاز غير التقليدية عليها أولا أن تتغلب على عدة تحديات رئيسة. أهم هذه التحديات هو الحصول على حق التنقيب في الأماكن المحتملة لوجود هذه المصادر وجعل العمليات الإنتاجية مجدية من الناحية الاقتصادية. إن صناعة النفط والغاز العالمية أدركت بصورة سريعة وفي وقت مبكر أهمية السجيل الغازي، والمردود الذي يمكن أن يحققه هذا المصدر المتنامي والحديث نوعا ما للمنتجين والمستهلكين على حد سواء، خصوصا في أوروبا. لذلك تحاول معظم شركات النفط والغاز العالمية الكبيرة في الوقت الحاضر، خصوصا تلك التي فاتتها فرصة الاستثمار في مصادر السجيل الغازي في أمريكا الشمالية، الحصول في وقت مبكر على حقوق التنقيب عن الغاز في مثل هذه المصادر في أوروبا. القوة المحركة لصناعة النفط والغاز بهذا الاتجاه الجديد هي نجاح التجربة في الولايات المتحدة بصورة منقطعة النظير، حيث اكتشف أخيرا احتياطيات ضخمة من السجيل الغازي، يعتقد المختصون أن هذه الاحتياطيات يمكن أن توافر احتياجات الولايات المتحدة المتزايدة من الغاز لفترة تربو عن قرن. لكن مع جميع هذه التطورات والمحفزات يبدو أن أوروبا ليست مستعدة بعد لمواكبة ثورة السجيل الغازي الأمريكية، حيث تتعالى الأصوات محذرة من التبعات البيئية في هذا المجال، على الرغم من الآمال الكبيرة حول قدرت السجيل الغازي على تعويض مصادر الغاز التقليدية. يعتقد بعض المختصين أيضا أن الظروف الملائمة لنمو الإمدادات ليست متوافرة هناك بعد. على سبيل المثال، الرابطة الأوروبية لصناعة الغاز الطبيعي، لا تعتقد أن ''مصادر الغاز غير التقليدية'' سوف تلعب دورا مهما في إمدادات الغاز في أوروبا كما هو الحال في الولايات المتحدة، على الأقل على المدى القصير والمتوسط. في المستقبل المنظور، يتوقعون أن يتم تطوير طرق جديدة لتوريد الغاز إلى أوروبا، مثل خط الأنابيب الجنوبي عبر نابوكو، ومن مصادر إمدادات جديدة، على سبيل المثال من منطقة بحر قزوين والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث يعتقدون أن هذه المناطق ستسهم إسهاما كبيرا في توفير أمن أوروبا من إمدادات الطاقة أكثر من تطوير موارد الغاز غير التقليدية المحلية. وبلا شك بالنسبة إلى الأوروبيين الذين يميلون غالبا إلى أخذ القضايا المتعلقة بالبيئة على محمل الجد أكثر من نظرائهم في الولايات المتحدة، يشعرون بالقلق أكثر من هذه التحديات. لكن سيتوجب عليهم في نهاية المطاف تحقيق التوازن بين القضايا المتعلقة بالبيئة وبين أمن الإمدادات، حيث إن عدم تطوير مصادرهم المحلية من السجيل الغازي سيتركهم تحت ضغوط الموردين التي لا يمكن التنبؤ بها وخصوصا من جانب روسيا. على الرغم من ذلك، أدت الاكتشافات الأخيرة إلى تدافع الشركات للحصول على حقوق التنقيب على أمل تكرار نجاح تجربة الولايات المتحدة في أوروبا، حيث يتم حاليا اختبار نتائج الحفر في عدة آبار في عدد من المواقع من مناطق مختلفة في أوروبا. في المملكة المتحدة، تم الانتهاء من حفر بئر استكشافية واحدة في العام الماضي وهناك خطة لبدء الحفر في موقع ثان. عمليات الحفر يتوقع أن تبدأ أيضا في هولندا، وهناك اهتمام في إسبانيا وبولندا في هذا الجانب أيضا. لكن المخاوف بشأن دقة الإجراءات المتعلقة في الحصول على حق التنقيب والحفر في مصادر السجيل الغازي دفعت المشرعين على التريث في منح حقوق الاستكشاف والحفر. في هذا الجانب قامت وزارتا الطاقة والبيئة في فرنسا في نيسان (أبريل) بتأخير إصدار تراخيص التنقيب حتى يتم الانتهاء بشكل نهائي وإعلان نتائج الدراسة الشاملة عن الآثار البيئية المترتبة على إنتاج الغاز من السجيل الغازي. في هذا الجانب أيضا، دعا أحد المراكز البحثية في المملكة المتحدة المتخصص في أبحاث التغيرات المناخية، الحكومة البريطانية على فرض حظر على التنقيب عن السجيل الغازي، بناء على نتائج الدراسة الخاصة التي أجراها بهذا الخصوص في الآونة الأخيرة. على مستوى الاتحاد الأوروبي، المفوضية الأوروبية تخطط أيضا بالقيام بإجراء دراسة قانونية لتقييم ما إذا كانت المسائل المتصلة بالتنقيب عن السجيل الغازي تعالج معالجة كافية من جميع الجوانب. حيث إن أي عملية استكشاف وإنتاج للغاز من المصادر غير التقليدية يجب أن تتماشى مع معايير الاتحاد الأوروبي البيئية والقانونية. كخطوة أولى في هذا الجانب، تقوم الوكالة الأوروبية للمواد الكيماوية بتحديد أي من المواد يجب أن تستخدم في سوائل التكسير، حيث سيتم تنظيم هذه المواد بموجب قانون خاص بالاتحاد الأوروبي. في الجزء الثاني سيتم التطرق إلى المعوقات التي تواجه تطوير مصادر السجيل الغازي في الاتحاد الأوروبي. *نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل