المحتوى الرئيسى

هل انطوى زمن توظيف الدين في السياسة؟!

05/18 02:52

راكان المجالي من المصادفات الطريفة ان يقتل ابن لادن بتوقيت أمريكا يوم الأول من أيار حسب فارق الوقت بيننا وبينهم وفي نفس هذا اليوم تم تطويب البابا يوحنا الثاني قديسا وصادف هذا اليوم عيد العمال الذي كان بامتياز يوم المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي حيث انخرط البابا يوحنا والشيخ ابن لادن في محاربة هذا المعسكر واذكر بهذا الشأن مقالا للصحفي اللبناني البارز جوزيف سماحه قبل 10 سنوات قال فيه ما يلي: (لم يلتقِ البابا يوحنا بولص الثاني وأسامه بن لادن إطلاقا لكن الرجلين كانا في عقد الثمانينات في جبهة واحدة كانا يسيران منفصلين ويقتربان معا في جبهة معا, وقائد هذه الجبهة كان رونالد ريغان أما البابا والشيخ فكانا يؤمنان له الذخيرة الروحية في الحرب التي أعلنها ضد ما سماها إمبراطورية الشر (الاتحاد السوفيتي). ونستذكر هذا الكلام اليوم لاعتقادنا أن أمريكا حاليا قد كفت عن توظيف الدين في السياسة ولو أنها إلى اليوم لم تقترب من التحرير من سطوة تسخيرها للتوظيف المتبادل للدين والسياسة الذي تفرضه الصهيونية. المهم أن هنالك مناخات ايجابية عربية فالوطن العربي يمر اليوم في طور انتقالي وصعب ومعقد وحتمي ومن لا يستجيب لمقتضياته ومتطلباته في تجديد المشروع السياسي العربي سيدفع ثمنا لا يخطر ببال حيث لا مناص من الاستجابة لسعي الشباب العرب نحو الحرية والكرامة والتعددية وتداول السلطة والشفافية ويردون أيضا الانتماء إلى عالم اليوم بتقدمة العلمي والتكنولوجي وثورة الإعلام وفرص العمل وقبول الأخر أنهم يريدون كل ما هو عكس ما يريده المرحوم ابن لادن وقوى التعصب والانغلاق والظلامية. وكما سبق وكتبنا عند مطلع هذه الثورة العربية مؤكدين أنها أيضا ثورة على التطرف والتعصب والانغلاق وهي ثورة كل اشكال المتاجرة السياسية لذلك هي في جانب منها ضد الاسلام السياسي، ومع توجهات الاسلام الاجتماعي الذي يقوم على التواصل مع الناس في اطار العمل الخيري والمساعدة والتكافل ويلاحظ المفكر السعودي الاستاذ يوسف ابا الخيل ان الشعارات الايدولوجية بما فيها الاسلامية قد غابت عن ثورة الشباب، وهي انتفاضة بالتأكيد مع كل قضايا الشعوب والامة ولكن ليس عبر شعارات بلا مضامين ولكن عبر شعارات واقعية من هنا فانه محق عندما يؤكد ان هذه الانتفاضة تجاوزت صيغ الماضي ويرى ان من أبرز ما أفرزته الانتفاضات العربية الحالية, بل أبرزها, اختفاء الشعارات الدينية والمذهبية من ميادينها. تلك الشعارات التي كان يُنظر إليها على أنها العامل الوحيد القادر على تحريك الجماهير العربية. لكنَّ السياق الجديد بدا وكأنه لا يعتبرها مجرد صوت من عدة أصوات أخرى تتنافس مع لداتها في ميدان مدني صرف, بل إنه يكاد يخفيها من حلبة المنافسة تماماً, لا لشيء, سوى أنه يراها لا تمتلك الحد الأدنى من مقومات المشاركة المدنية. كنا نظن أن لتونس فرادة خاصة في هذا المجال, مجال خفوت الصوت الأصولي, نسبة لتمْدين قطاعاتها الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية, وخاصة الأخير (التعليم), الذي طُعِّم بمناهج الفلسفة و الأديان المقارنة, وبالخصوص, إبان تولي (عبدالمجيد الشرفي) مسؤولية وزارة التعليم, ذلك الألمعي الذي طبع التعليم التونسي بطابع فلسفي وحداثي قل نظيره في البلدان العربية. هذا التحديث التونسي, في مجال التعليم خاصة, ساعد في إنضاج مجتمع مدني قادر على النأي بنفسه عن الوقوع في أتون ومستنقعات الأصولية. ما أن أوشكت الاحتجاجات من الاقتراب من الحِمى المصرية حتى كاد المراقبون يجمعون أن الساحة ستكون ملكاً حصرياً للجماعات الإسلامية وأكثرها نفوذاً, أعني بها جماعة الإخوان المسلمين. إلا أن الأحداث جرت فيما بعد بما لا تشتهي الاجماعات ولا الأماني العِذاب. لقد اتحدت كل الشعارات تحت لواء الواقع المدني البحت, ما عدا الشعار الايديولوجي عامة, والشعار الإخواني خاصة. لقد اختفت شعارات كانت تأخذ بألباب الجماهير المستلبة بالفزاعات الأصولية, من قبيل: الاستكبار العالمي, والتغريب, وحرب الإسلام, وإخراج المرأة المسلمة من خدرها, والكيد للإسلام والمسلمين. مثلما اختفت دعوات الجهاد المقدس ضد الكفار! عموماً, وضد أمريكا والغرب خصوصاً, بعد إلقاء إسرائيل في البحر!. وجماع تلك الشعارات كلها, الشعار الإخواني الأثير: الإسلام هو الحل. كان الميدان يضج بمفاهيم جديدة عصية على التماهي الأصولي، مفاهيم مدنية تحور مضمون الجهاد ليصبح جهاداً للنفس ينأى بها عن أن تُفتن في واقعها, فتقعد عن طلب حريتها ورغد عيشها والتمتع بحقوقها الطبيعية كما أراد لها خالقها!. هذه الشعارات المدنية الدنيوية الخالصة أصابت أقطاب ومريدي جماعة الإخوان هناك في مقتل, الأمر الذي جعلها تهب إلى حيث تجميل وجهها بتغيير ما يمكن تغييره من معالمه, فتفزع إلى حيث تغيير معالمها الخِلْقِية التي لم تزد معالمها الخُلُقية إلا خبالاً. لقد سمح الشباب المصري لجميع الشعارات التي تستظل بغمامة الحرية أن ترتفع, ما عدا الشعارات الإسلاموية للإخوان, منْع الشباب المصري للشعارات الاسلاموية جاء تضامناً مع مضمون الشعار الأسمى الذي انتظم تلك التظاهرات, ذلك المضمون الذي أكد, ولا يزال, على أن لا حرية لأعداء الحرية, ومَنْ أكثرُ عداء للحرية من الفزاعات الأصولية, حيث فرضت الثورة على الاصولية أن تيمم وجهها نحو أمرين لا ثالث لهما, إما الانغماس في المدنية الجديدة بلا زيف أو نفاق, أو الاختفاء النهائي من الساحة التي لا تضيق بشعار قدر ضيقها بالشعارات الأصولية. ولعل السؤوال الاهم هنا هو: هل سقوط الشعارات الاصولية مؤذن بنسق فكري جديد ينشط فيه العقل العربي من عقاله نسق ينجلي فيه الليل العربي، وينكسر على مخرجاته القيد؟ ام هذا السقوط موقوت بسياق زمني ذي ظرف خاص، لا تلبث فيه تلك الشعارات ان تبعث من جديد حال زوال الظروف؟ الاجابة المناسبة تتوقف على اختيار الجيل الجديد الذي دشن حراكا مدنيا اذاب الفوارق الدينية والطائفية والاثنية، حتى استبان الفرد العربي في انسانيته، ربما لاول مرة في التاريخ. *نقلا عن "الدستور" الأردنية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل