المحتوى الرئيسى

دولة "إثني عشرية"!

05/18 02:41

نبيل بومنصف أكثر من سائر الحقبات السابقة التي شهدت فراغات في المؤسسات الدستورية، تبرز الأزمة الحكومية الراهنة لبنان كدولة عالقة فعلا اقرب ما تكون رهينة للنكد السياسي بالدرجة الاولى. ذلك ان بعض نماذج السجالات والاداءات بين وزراء حكومة تصريف الاعمال في شأن المؤشرات المالية والاقتصادية الممعنة هبوطا وتدهورا بقوة بالغة الخطورة لم تعد سوى نشرة معلنة ومثبتة بالارقام والوقائع، منبئة بأن الجمهورية اللبنانية او بقاياها ألحقت هي الاخرى بالكامل بالقاعدة الاثني العشرية، ليس في الصرف المالي فحسب بل في الصرف السياسي والدستوري ايضا. واذا كان بعض الحمقى او المتجاهلين او الجاهلين لا يزال يتغرغر في تبرير طول الازمة الحكومية بالسوابق التي استهلكت اشهرا ولم تخرب معها الدنيا، فإن ما فات هؤلاء هو ان لبنان لم يعد يمتلك حدا ادنى من المناعة والقدرة على ابتلاع هذا النوع من الازمات ذات الوجه القبلي الخالص الذي تسترهن معه قوى سياسية كل البلاد وكل المؤسسات وكل العافية العامة وكل دورة الانتاج. غالبا ما كانت موجات الصراع السياسي بارتباطاتها الخارجية وتفاعلاتها الداخلية تتيح هذا الترف بذريعة "الديموقراطية" اللبنانية العليلة، لكن الامر الآن يختلف اختلافا تاما عن السابق. هناك فريق قبض على الاكثرية وفشل في اقامة حكومته لا اكثر ولا اقل، ولا يهم السبب ولا التبرير. والانكى ان هذا الفريق الفاشل، خصوصا بقواه المعطلة لانتاج سلطة، يزدهي بأنه فريق تغييري، ولا ندري كيف يبتلع جمهوره هذه الاكذوبة. فكيف يجري التوفيق بين انجازات التعطيل حتى من ضمن ما سمي مكسبا سياسيا ومنع استيلاد حكومة قبل ان يتفشى الانهيار في سائر اتجاهات الدولة؟ لعل الامر اضحى اشبه بمعادلة الانتقام من الدولة حين عز القبض على كل مفاصلها. والمفارقة ان هذا الفريق ذهب في اسوأ الاتجاهات التي ناهض نفسه عبرها ايضا، اذ بدا كمن اطلق الرصاص على رجليه من خلال تضخيم غير واقعي لقدرته على التحكم بكل القوى المنخرطة في معسكر الاكثرية الجديدة متسببا لذاته بانتكاسة الاجهاض المبكر لانجازه. ولم تستقم التجربة في اقل من اربعة اشهر، حتى انها لم تصل الى مستوى "رفقة طريق" انتخابية على الاقل على غرار "التفاهم الرباعي" في انتخابات عام 2005. ففي لبنان ثمة واقع هجين سائد يتيح تحالفات الاكذوبات العابرة التي تعبر عن العمق الضارب للمصالح الشخصية والذاتية في التقاطعات السياسية. ولنفرض جدلا ان فريق الاكثرية الجديدة انعقد لواؤه في كانون الثاني الماضي على رفقة طريق أملت إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، لكنها رفقة منتكسة ومبتلية ليس بالدومينو العربي المفاجئ الذي دهمها بل بسليقة سلطوية نهمة ذات طابع الغائي. وليست النتائج مفاجئة اطلاقا مع هذه السكتة الحكومية وتعليق الجمهورية على دولة اثني عشرية زاحفة بسرعة الى شتى انواع الانهيارات. *نقلا عن "النهار" اللبنانية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل