المحتوى الرئيسى

صفا واحدا في وجه الهكسوس الجدد‏!‏

05/18 00:40

لا اظن ان التسميات التي كنا نطلقها علي ما كان يقع بين المسلمين والمسيحيين المصريين من حوادث يصلح لأن نطلقه علي ما حدث أخيرا في إمبابة‏.‏ فالذي حدث في إمبابة ليس مجرد فتنة أو اغزوة سلفيةب أو جريمة مدبرة‏. وإنما هو دليل قاطع علي أن الكيان الوطني المصري كله أصبح ضعيفا متهافتا قابلا للتصدع والانهيار. والذي حدث بالأمس في إمبابة يفرض علينا أن نعيد النظر فيما حدث من قبل في الكشح, والزاوية الحمراء, ودميانة, وأسيوط, والشرقية, والاسكندرية, وأطفيح, وقنا, وأبو قرقاص إلي آخره لنفهمه علي حقيقته ونشخصه ونواجهه باعتباره خطرا ماحقا, فلابد من مواجهته بقوي الدولة والمجتمع كلها. استدعاء الشيوخ السلفيين لإطفاء الحرائق التي يشعلونها تصرف مسرحي مضحك غير مسئول, واللقاءات التي تتم بهدف التقاط الصور وتسديد الخانات عبث وتزييف وتغطية للنار المشتعلة, وقد آن أن تستيقظ الأمة المصرية النائمة قبل أن تحاصرها النيران. أول ما يجب أن نعترف به هو أن هذه الحوادث التي تتابعت ابتداء من سبعينيات القرن الماضي إلي اليوم ليست حوادث فردية, ولا تقع بمحض المصادفة, وإنما هي أعراض مرض عضال أصيب به الكيان كله, ما هو هذا المرض؟ هذا المرض هو بكل صراحة ووضوح فقدان شبه كامل للوعي والذاكرة أصيب به الكيان المصري, فنسي تاريخه, وفرط في حقه, وانتسب إلي غيره, وتبني ما يرويه عنه الآخرون من خرافات وخزعبلات وأهجيات زيفت وعيه بنفسه وحلت محل الوعي الصحيح, وإلا فكم مصري يعرف أن المصريين عرفوا الزراعة منذ عشرة آلاف سنة, وأن الزراعة حولتهم من صيادين مترجلين يطاردون فرائسهم في البراري والأحراش الي فلاحين مقيمين يحرثون ويبذرون ويروون ويحصدون, ويبنون البيوت, وينشئون القري والمدن, ويولون عليهم من يضمن لهم حقهم في الأمن ونصيبهم من مياه النيل فلابد من سلطة, ولابد من قانون, ولابد من ضمير يعرف الحق, ويحكم بالعدل, ولابد من عقيدة دينية تصل الانسان بما يراه وبما لا يراه, ولابد في النهاية من جماعة وطنية لها شخصيتها المتميزة, وثقافتها الجامعة, ومصالحها المشتركة, ودولتها المركزية, وهي أول دولة مركزية ظهرت في العالم قبل خمسة آلاف عام, فمصر موجودة قبل اليهودية, وقبل المسيحية. وقبل الإسلام. هذا الكيان المتماسك الذي يشد بعضه بعضا تعرض للتصدع حين فقدت مصر استقلالها وتكأكأ عليها الغزاة الطامعون من الهكسوس, والفرس, واليونان, والرومان, والعرب, والشركس, والأتراك. وطوال هذا التاريخ الدامي الذي امتد من القرن السادس قبل الميلاد إلي ثورة1919 كان المصريون عبيدا أو رقيق أرض يزرعون ويجني الغزاة, ويجوعون ويأكل الولاة, ويعملون بالسخرة, ويضربون بالكرابيج! خمسة وعشرون قرنا لم يفقد فيها المصريون استقلالهم فحسب, بل فقدوا مع الاستقلال حضارتهم وثقافتهم ولغتهم الأولي وثروتهم القومية وفضائلهم ومواهبهم ووعيهم بشخصيتهم, وحقهم في أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم, وأن يحملوا السلاح دفاعا عن بلادهم, حتي جاء محمد علي ـ جزاه الله عنا خيرا ـ لينتشل مصر مما غرقت فيه من ظلام وانحطاط, ويضعها هو وأبناؤه علي طريق النهضة والتحرر الذي انتهي بها الي ثورة1919 المجيدة التي استعادت فيها مصر وعيها بذاتها, واحترامها لتاريخها, واعتزازها به, وحقها في الحرية والديمقراطية, وإيمانها بالعقل, وطاقتها الخلاقة, وقدرتها علي أن تبدع من جديد في كل المجالات التي هجرتها وهي مقهورة مستعبدة. وخلال العقود الثلاثة التي أعقبت الثورة ـ ثورة1919 ـ نهض الاقتصاد, وانتشر الوعي السياسي, وازدهرت الثقافة كما لم تزدهر طوال القرون العشرين الماضية, وتحرر المصريون من الخرافات التي أبعدتهم عن أنفسهم وجعلتهم مللا وطوائف, وقد عبروا عن هذا الوعي الوطني المستعاد بالشعار الذي رفرف علي الجميع فجعلهم علي أرض بلادهم كتلة واحدة موصولة بالسماء: الدين لله, والوطن للجميع. هذا الشعار الذي تحول إلي واقع حي في النشاط الوطني كله, في الاجتماع والسياسة, وفي الثقافة والدين. فالمصري مصري بالمواطنة لا بانتمائه لهذا الدين أو ذاك. والمواطنة هي الرابطة التي تجمع بين المصريين. والدين لا يفرقهم, لأن الدين علاقة بين كل منهم وربه, وليس دولة أو قانونا. ما الذي حدث بعد ذلك؟ الذي حدث هو انقلاب يوليو الذي دمر كل الأسس التي قام عليها الوعي الوطني. حل الأحزاب التي قادت حركة النهضة وألفت بين عناصر الأمة, ما عدا جماعة الاخوان المسلمين التي تحالفت مع ضباط الانقلاب وأرادت أن تقتسم معهم السلطة فاصطدمت بهم. وأوقف العمل بالدستور, وفرض الرقابة علي الصحف, وجرد المثقفين من سلطتهم الفكرية والأخلاقية بالترهيب والترغيب, ورفع شعار العروبة التي تحولت من رابطة ثقافية جامعة للكيانات القطرية القائمة بالفعل إلي بديل ينفي هذه الكيانات. هكذا فقدت مصر اسمها, وفقدت علمها الأخضر, وأصبحت إقليما جنوبيا في دولة مصطنعة لم تعمر أكثر من عامين تعرضت بعدهما للانفصال الذي توالت بعده الهزائم لتسقط شعار العروبة بعد أن سقطت شعارات مصر, فالعروبة جامعة ثقافية لا توجد إلا حيث توجد مصر وغيرها من البلاد الناطقة بالعربية, وإذا كانت شعارات العروبة قد سقطت بهزيمة يونيو وانفصال سبتمبر, وقبلها فقدت مصر اسمها وعلمها ودستورها وتعرضت للتشويه والتشكيك ثورتها الوطنية ونهضتها الحديثة كلها ـ إذا كان هذا قد حدث فقد خلا الجو لجماعات الاسلام السياسي التي خرجت في أوائل سبعينيات القرن الماضي من المعتقلات وعادت من المهاجر لتتحالف مع الرئيس الجديد, وتستأنف نشاطها, وتسعي لتديين كل مظاهر الحياة, وتطالب بتطبيق الشريعة وهو مطلب استجاب له السادات فجعله مادة في الدستور مشتريا بذلك تأييد الإخوان لتعديل المادة التي كانت تسمح له بالحكم دورتين ليصبح من حقه أن ينفرد بالسلطة ويبقي فيها بدون أجل محدد. وهذا ما استفاد منه الرئيس المخلوع. وطوال العقود الأربعة الماضية, وخاصة في أيام مبارك, لم تكف الجماعات الدينية ومعها مؤسسات الدولة عن إقحام الدين في كل المجالات, ومحاصرة الوعي الوطني والتغطية عليه وعدم الالتفات إليه, وتجاهل الثقافة الوطنية الجامعة, فالحضارة الفرعونية لا تعامل كتراث قومي, بل كمجرد مصدر لجلب السياح. وربما تبرأ منها المصريون الذين نراهم يشتمون الفراعنة باعتبارهم طغاة جبارين تقليدا لبني اسرائيل الذين سرقوا ديانة المصريين وشتموا أصحابها بل علموا أصحابها أن يتبرأوا من حضارتهم ويشتموا أنفسهم. وكما نتعامل مع تاريخنا الفرعوني نتعامل مع تاريخنا القبطي الذي لا يجد له مكانا في مدارسنا وجامعاتنا التي حولتها جماعات الإسلام السياسي إلي معامل للتطرف والتعصب والجهل. والنتيجة تفشي العنف, وضعف الشعور بالانتماء. وإذا كان عداء الجماعات الدينية ومن يقفون وراءها للنهضة المصرية الحديثة قد بدأ بانتزاع المصريين من ماضيهم الفرعوني والقبطي فقد انتهي بانتزاعهم من حاضرهم وإلقائهم خارجه, وإغرائهم بالتخلي عن حداثتهم والتنكر لذاتهم والالتحاق بغيرهم. فالآلاف من المصريين الآن وعشرات الآلاف يرتدون أزياء الأفغانيين والباكستانيين والإيرانيين والخليجيين, ويفكرون بطريقتهم, ويتسمون بأسمائهم, ويغتربون بالتالي عن أنفسهم ويتنكرون لشخصيتهم القومية, وينظرون لمن يخالفهم في الدين من أبناء وطنهم فيرونه غريبا أجنبيا يقاطعونه ويناصبونه العداء. هكذا تصدع الكيان الوطني. فالمسلمون بحسب ما تراه الجماعات الدينية ينتسبون لما يسمونه أمة الإسلام خارج مصر. ومنهم من يقول لمصر: طظ! والمسيحيون في ظل هذه العدمية القومية أقلية معزولة لا حق لها في أن تعمل أو تنجح أو تمثل الأمة أو تتولي المناصب الكبري, أو حتي تبني كنيسة أو ترممها, وهذا هو الواقع الفاسد الذي نعيشه منذ سبعينيات القرن الماضي إلي اليوم, ونغذيه كل يوم بما يزيده فسادا. مناهج الدراسة تغذية. وخطب الجمعة تغذيه. والاذاعات الدينية, واللا مبالاة الحكومية, والجوع يغذيه, والقهر والتهميش الذي عانت منه الأوساط الفقيرة فلجأت للتطرف, ووجدت في الأوضاع الراهنة التي تراخت فيها قبضة الدولة فرصة لتعلن عن وجودها, وتحمل السلاح لتحارب إخوتها الأشقاء الذين حولهم الوعي الزائف إلي أعداء غرباء! والحل؟ الحل في التصدي لهذا الوعي الزائف وتطهير البلاد منه, والدفاع عن مدنية الدولة والوقوف بحزم ضد خلط الدين بالسياسة, وإصلاح مناهج التعليم, وإعادة تأهيل أئمة المساجد, وأن تتحد القوي الديمقراطية وتقف صفا واحدا في وجه الهكسوس الجدد! المزيد من مقالات أحمد عبد المعطي حجازي

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل