المحتوى الرئيسى

في نقد السؤال عن البديل في سورية

05/18 02:26

ياسين الحاج صالح بينما يتسع نطاق الانشغال الدولي بالوضع السوري، يتواتر أن يتساءل المهتمون عن البديل المحتمل عن النظام الحالي. وتتراوح الإجابة بين القول إن البديل غير واضح أو غير موجود أو غير آمن. تريد هذه السطور التحفظ عن النظر إلى الشؤون السورية من هذا المدخل، وأنه يؤدي إلى خلاصات تبرر الأوضاع القائمة. وندافع عن الحاجة إلى مقاربة أكثر ديناميكية وتاريخية، مبنية على إحاطة أفضل بالأوضاع السورية المعاصرة، ولا تضع نفسها فوق مستوى العمليات الجارية في البلد، وبخاصة الحركة الاحتجاجية المستمرة في البلاد منذ شهرين. لقد ثابر النظام البعثي، وعبر صفحتيه الأسديتين بصورة خاصة (1970-2000، ثم 2000-...)، على قطع أية رؤوس سياسية مستقلة ينتجها المجتمع السوري، وذلك بطريقتين: استتباع بعض الأحزاب والتنظيمات وإفقادها استقلالها، وقمع وتحطيم أحزاب وتنظيمات أخرى. بعد انقلاب 8 آذار (مارس) 1963 بوقت قصير انقض العسكريون البعثيون على شركائهم الناصريين وحطموهم. وبعد قليل أضعفوا القيادة المدنية لحزب البعث نفسه، قبل أن ينفرد العسكريون بالحكم في 23 شباط (فبراير) 1966. وجرى ضرب الإسلاميين عام 1964 في حماة، وضُيِّق على قياداتهم السياسية في دمشق. وفي مطلع السبعينات تم تأسيس «الجبهة الوطنية التقدمية» لتكون إطاراً لتبعية عدد من الأحزاب الناصرية والشيوعية. وفي أواخر السبعينات تم سحق الإسلاميين بعنف فائض، ثم ألحق بهم الشيوعيون المعارضون. وطوال عقدين من السنين جرى تفريغ البلاد من الحياة السياسية والثقافية، وفرض النظام ذاته مرجعاً وحيداً وممراً إلزامياً وحصرياً لتفاعلات السوريين. وفي مناخات أقل تقييداً في مطلع هذا القرن بادر مثقفون ومعتقلون سياسيون سابقون، وبمشاركة ما بقي حياً من تنظيمات سياسية، إلى إطلاق حركة المنتديات وحاولوا الاستحواذ على قسط من المجال العام، إلا أن وقتاً قصيراً انقضى قبل أن يضرب النظام حركة «ربيع دمشق» هذه، ويعتقل بعض أبرز الناشطين في إطارها. ومِثل ذلك جرى لمبادرات سياسية أخرى مثل «إعلان دمشق- بيروت» في 2006، وانعقاد المجلس الوطني لـ «إعلان دمشق» في أواخر 2007. وعلى هذا النحو جرى منع المجتمع السوري من إنتاج قيادات سياسية وفكرية وأخلاقية مستقلة. ومن ظلوا في البلاد من المشتغلين بالشأن الوطني العام كانوا إما معزولين بشدة فلا يكاد يكون لهم أثر، أو مضطرين لأشكال متنوعة من المداراة والرقابة الذاتية، ما يضعف أثرهم أيضاً. ما نريد قوله هو أن النظام عمل بوعي على أن يكون هو البديل الوحيد عن نفسه، وذلك أمام السوريين أنفسهم وأمام العالم ككل. وأن من شأن مقاربة الأوضاع السورية الراهنة من زاوية البديل الناجز أن تخفي عن الأنظار أن ضعف وتشتت البدائل هو نتاج تصحير سياسي دؤوب للمجتمع السوري. وحين تخلص هذه المقاربة إلى أنه لا بديل جاهزاً في سورية، وهذا صحيح، فإنها تكون بمثابة مكافأة للنظام على إعدامه البدائل، وتغريم للمعارضين يضاف إلى ما تعرضوا له على الدوام من تحطيم وإضعاف. ما تخفق فيه هذه المقاربة إخفاقاً تاماً هو أن دوام الأوضاع السياسية الحالية لا يعد إلا بمزيد من الإفقار السياسي وإضعاف البدائل، ومن حصر خيارات السوريين بين النظام ذاته والفوضى العارمة. وتالياً يبقى سؤال البدائل قائماً دوماً، بينما يتفاقم التعقيم السياسي للبلاد. كان يمكن لهذه المقاربة أن تكون مشروعة لو أن فرص حياة سياسية مستقلة في البلد تتسع، وأنه خلال سنوات ربما نشهد جيلاً جديداً من المنظمات السياسية ومن القيادات والكوادر السياسية المستقلة. والحال أن هذا غير صحيح، بل ليس من المتصور أن تتوافر فرص حياة سياسية مستقلة من دون تغير البنيان السياسي الحالي، القائم على احتكار السياسة وطرد عموم السوريين من ملعبها. وعلى هذه الصورة تتشكل دائرة مغلقة: التصحير السياسي للمجتمع السوري يضعف البدائل، وضعف البدائل يجعل النظام هو البديل الوحيد عن نفسه، ما دامت الفوضى أمراً غير مرغوب، داخلياً وخارجياً. ولا مخرج من هذه الحلقة المفرغة إلا بكسر الأوضاع التي لا تنتج غيرها، أي بتغيير هياكل السلطة القائمة ونمط ممارسة السلطة الذي تواظب عليه. إلى ذلك فإن وضع سورية في هذا الشأن ليس فريدا في بابه. لم تكن هناك بدائل واضحة جاهزة في مصر أو في تونس. لكن يبدو أن البلدين يتدبران أمرهما، ليس من دون صعوبات، وليس من دون مشكلات جديدة وأوجه قصور أخرى. والواقع أن نماذج التغيير السياسي التي نعرفها منذ نحو ربع قرن وأكثر تفيد أن التغيير هو ما ينتج البدائل، وليست البدائل الجاهزة هي ما يُحدث التغيير. ولقد رأينا خلال شهري الانتفاضة أن سورية، البلد الذي جرى اختزاله طوال عقود بشخص واحد، يتحلق حوله حفنة من الأعوان، هو بلد واسع، فيه طلاب حرية بمئات الألوف، وفيه معارضون كهول وشبان، ونساء ورجال، وفيه أناس يعتقلون ويتعرضون للتعذيب (فوق عشرة آلاف معتقل اليوم خلال الشهرين الماضيين)، وأن الرقعة الجغرافية والاجتماعية للاحتجاج واسعة، تخترق مدناً وبلدات بالعشرات دخلت أسماؤها تداول العالم في كل مكان... أي هو مجتمع أكثر اتساعاً وتركيباً من الأطر السياسية الجامدة الضيقة، المفروضة عليه بالقوة منذ عقود. وهذا مجتمع ليس معقماً سياسياً على رغم كل شيء بالدرجة التي تبدو للمراقب الخارجي، ولا بالدرجة التي أمل النظام بلوغها. وفي المجمل تبقى هذه المقاربة البدائلية، إن صح التعبير، أسيرة منطق دائري سكوني، يبرر الواقع القائم (الستاتيكو) بعدم وضوح البدائل. وهي سكونية من وجه آخر: لا تتيح بلورة سياسات فعالة تتعدى إقرار الواقع لأي طرف ينطلق منها. ما يمكن أن يكون مقترباً دينامياً من الأوضاع السورية هو إيلاء الاهتمام للفاعلية الاحتجاجية، ومجمل الأنشطة العاملة على كسر الديمومة العقيمة الحالية، والمتطلعة إلى أوضاع جديدة أكثر انفتاحاً وحرية. ليس ما بعد النظام الحالي في سورية هو ديموقراطية ناضجة. هذا أكيد، ولا ينبغي أن يكون ثمة سؤال هنا. السؤال هو: هل يخدم استمرار نظام يجعل من بقائه الذاتي أولوية الأولويات أية قضية عامة؟ هل يتحقق لسورية قدر أكبر أم أقل من التفاهم الوطني، ومن التقدم الاجتماعي والاقتصادي، ومن الكرامة الإنسانية والوطنية، إذا كتب للهياكل السياسية الحالية «الاستمرار والاستقرار»؟ هل يغدو المجتمع السوري أكثر تأهيلاً للديموقراطية، أم أقل، إذا بقي النظام؟ أما إذا تغير؟ هنا أيضاً ليس ثمة سؤال. *نقلا عن "الحياة" اللندنية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل