المحتوى الرئيسى

> حنين لأيام التحرير

05/17 21:13

كتب - فيروز كراويةتدعوني الأغاني التي ظهرت لتحتفي بالثورة للتأسي عليها أحيانا كثيرة، بالبلدي بتصعب عليا الثورة، فمنها من يحاول جرها إلي زمن ليس زمانها والتعبير عنها بأدوات متراجعة (قل كلمات ومزيكات) لا تنتمي أبدا إلي روح عصرها، ودعوة عجوزة متهالكة ليعود علي أكتاف الثورة معني احترت كثيرا في فهمه وهو "زمن الفن الجميل". ومن الأغاني أيضا تلك الفئة التي لا يمكن إلا نسبتها لأنس الفقي حين كان يسدي خدماته المصورة للحزب الوطني، هذا النوع من رص الكلام عن الناس الراضية (عكس الناس الرايقة) وتحب بلادها مهما فعلت بها، مع كوكتيل غير متجانس من صور المتطلعين في نشوة إلي اللاشئ، يبتسمون كأن النداهة تناديهم لفعل لا نعرفه، وابتذال لم ينقطع لصورة الجامع والكنيسة والقهوة البلدي والغيط والفصل المدرسي ومطار أحمد شفيق اللميع. وكثيرون تصعب عليهم الثورة لأنها لم تنل حظها من الفرح بها والغناء لها والرقص علي إيقاعها. هذا الإيقاع الفريد الذي نظمها في تمنتاشر يوم، تراوح فيها من ساخر لباك، ومن حذر لمتجاسر، ومن مسحوق لمنتصر. وعلي منحنيات الصعود والهبوط كان المصريون يرقصون رقصتهم علي جثة الماضي الذي ذهب بلا عودة، كانت أيامهم ليست هينة ولكن تلك الرقصة علي الإيقاع كانت تبعثرهم ثم تلم شملهم، تنثرهم مختلفين وتعيدهم مصريين، يتراصون وقت الخطر ويتداعون للغناء المرحرح وقت الهدوء. وفي المقطوعة الموسيقية كذلك، يتنوع الإيقاع وحالات المشاعر ولكنها تحتفظ لنفسها في الباطن بخيط ناظم، يتمكن فيه المؤلف المحترف من استعادة الانسجام والتوافق الذي يصل به إلي بر ما ولا يبعثر أنغامه بأمر من شطط جنونه الإبداعي. ويشعر المحرومون من الاحتفال بثورتهم بالحنين الموجع لأيام التحرير، بل وأيام الميادين التي حفلت بالإيقاع، ولو يتذكرون أن الموت كان يتهددهم كل لحظة سيكابرون ويقولون: "برضه كانت أحلي"، وسيؤلب عليهم أوجاعهم كل لحظة يشعرون فيها أن الماضي الذي رقصوا علي جثته فرحين يطل بأسنانه المتسخة ضاحكا. حين يضطرون للكتابة باستخدام التورية وكل لبيب بالإشارة يفهم، وحين تظهر الكتابة الساخرة والتلميح وعاء حميدا لاستيعاب الغضب، وحين يتصلون بالأصدقاء الأقباط بعد كل حادث طائفي بلهجة تمزج بين الشفقة والاعتذار عن شيء غير مفهوم، أو حين يسمع الأقباط مواعظ الكنيسة المتشحة بالغطاءات السياسية نفسها التي كانت من سنة. وسيسأل سائل بداخل النفس: ما الذي نفخ في هذا الإيقاع نفخة كالريح فبعثره وشتته؟ وكيف أسقط المايسترو الخفي هذا عصاه لترتبك المقطوعة وينفض الحفل الذي انتصب علي جثة الماضي؟ ليجيبه الحكيم المتغطرس: وهل الماضي بهذا الضعف لنكنسه في أيام وكأنه حفنة من تراب علي السطح؟ أما سذاجة صحيح. ثم يسأل السائل ثانية: هل يحق لي الحزن ومناجاة أيام التحرير وكأنها ذهبت هباء؟ ليجيبه الحكيم: ابحث عمن سرق حفلتك، وأفسد المقطوعة، أو أقولك، هناك طريق أقصر، اذهب واحتفل واستعيد الفرح، لأنك من يوم أن انشغلت بالهم وجلست تلاحق "فلول" الماضي توقف زحفك الاحتفالي علي جثته. وسيأتي صوت أبعد نظرا من السائل والحكيم ليفسد عليهما فرحة الإجابات القاطعة والحلول الواضحة. سيقول لهما: عندما تكون أعزلا لا يكون أمامك إلا الغناء، زادك هو السخرية لتدفع الخوف، فرحك واحتفالك هو زهد في الحياة واستعداد للموت تزينهم لك الموسيقي لتواصل الكفاح. وحين تمتلك بعضا من سلاح وتعود إليك الرغبة في الحياة بعد نصر مبدئي علي الماضي تقل رغبتك في الغناء، وتصبح كالثري الذي يقل أمانه كلما زاد ماله، وتدخل الغرف المغلقة لتحاول الاحتفاظ ببعض مكاسبك قبل أن تتبخر، طامعا أو قانعا، فالفقير الزاهد كالأعزل المناضل لا يملك ما يخسره، أما وقد ملكت بعض الفتات فقد زاغت عيناك علي الدنيا وتملك منك الماضي الذي كنته من شهور. لقد خرجت للشوارع لأنها رحبت بما ضاقت به الغرف المغلقة، خرجت لتتنفس هواء لم يعبيه أحمد عز بعد في القزايز، كنت تشعر أن لك حقا في الهواء الباقي، يوما بعد يوم عرفت أن لك حقا في أن تخرج كل الهواء من القزايز، تخرج الآهات من الصدور، وتخرج الغناء من الحناجر دافعا عن نفسك تهمة "الجمهور عايز كده". والآن انت بين نارين؛ أن تدخل ثانية للغرف المغلقة حيث يخفت الغناء ويرتع الماضي بسلاحه وسلطته وأمن دولته، أو تتيه في الشوارع باحثا عن الإيقاع الذي تبدد. لا أدعوك أن تصبح درويشا في محراب الثورة، ولا طوافا علي غير هدي في الميادين، ولكن أدعوك لأن تفرض إيقاعك ثانية، تغني لثورتك وتبشر بها وترد لها شرفها علي طريقتك الخاصة لا طريقتهم في الغناء لها وعليها، أنت تحفظ كليشيهاتهم منذ كان أنس الفقي يصوغها، وتستطيع أن تشم رائحتها النتنة من علي بعد أميال، ولازالت لك القدرة علي التعريض بها، ولكن لعلك تعلم أن أخطر ما في التعريض المستمر بالكليشيه أنه يثبته ويقوي حضوره بشكل لا إرادي. الأهم أن تخرج الثورة عسلها، مزاجها وذوقها، موسيقاها ولحنها. باحثة ومطربة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل