المحتوى الرئيسى
worldcup2018

> أرانبهم وسلاحفنا

05/17 21:13

كتب - ياسر المرسيالبحث العلمي هو أحد الروافد الرئيسية للاقتصاد وأحد أهم مقومات النهوض لأي أمة. لا أظن أن هذه الجملة في حاجة إلي إثبات ولكن أود أن أؤكدها بمقارنة حالة البحث العلمي طبقا لتقييم محايد في مصر وتركيا وإيران وإسرائيل تمهيدا لتحليل ما حدث خلال السنوات العشرين الأخيرة واقتراح بعض الخطوات التي يمكنها أن تدعم البحث العلمي في مصر. يمكن تقييم حجم البحث العلمي في أي دولة بشكل كمي تقريبي من خلال أعداد الأبحاث الدولية المنشورة من هذه الدول خلال فترة زمنية محددة. ومع أن هذه الوسيلة في التقييم لا تعبر تماما عن واقع البحث العلمي لكنها تعطينا وسيلة للتحليل أهم ما يميزها كونها كمية مما يمكننا من دراسة الظواهر باستخدام طرق التحليل الإحصائي بدلا من اللجوء إلي الأقوال المرسلة. يقوم التحليل المعروض في هذا المقال علي نتائج البحث في الأبحاث الدولية المفهرسة في قاعدة بيانات سكوبس scopus الشهيرة خلال الفترة من 1996 إلي 2009 حيث لا يمكننا الوصول إلي البيانات الخاصة بعام 2010 مجانا. طبقا لمعامل تقييم البحث العلمي H-index والذي يقيم النشر الدولي بطريقة توازن بين كم النشر وأهميته العلمية (مقاسة من خلال معدل استخدامه في أبحاث لاحقة) تتصدر الولايات المتحدة دول العالم في البحث العلمي 1139 نقطة تليها المملكة المتحدة بتقييم 689 (حوالي النصف لاحظ!!) ثم ألمانيا وفرنسا وكندا واليابان علي الترتيب. تحتل إسرائيل المركز الرابع عشر في هذا التقيم ب 340 نقطة متقدمة علي دول مثل الصين وروسيا وتحتل تركيا المركز السابع والثلاثين ب 158 نقطة بينما تأتي مصر في المركز الثامن والأربعين ب 103 نقاط متقدمة بصعوبة علي المملكة العربية السعودية التي تحتل المركز الثالث والخمسين ب 95 نقطة وإيران التي تحتل المركز الخامس والخمسين ب 93 نقطة وتتفوق علينا من الدول الإفريقية جنوب أفريقيا التي تحتل المركز الخامس والثلاثين ب 179 نقطة. قبل أن نبدأ بالتصفيق ونفخ الأبواق لأننا أفضل من إيران يجب أن نلاحظ أن هذا التقييم يعتمد علي الأداء التراكمي للبحث العلمي خلال 13 سنة ولا يعكس تفاصيل ما حدث خلال هذه الفترة. للتعرف علي هذه التفاصيل قمنا بمقارنة عدد الأبحاث المنشورة لمصر وإيران وتركيا وإسرائيل خلال نفس الفترة عاما بعد عام وهنا ظهرت حقيقة الأداء العلمي لهذه الدول تفصيليا. في عام 1996 نشرت مصر 2721 بحثا بينما نشرت إسرائيل 9850 بحثا (لاحظ أن الكثير منا ما زال يتعامل مع إسرائيل علي أنها دولة ذيلية لأمريكا لا تقدم علما خاصا بها) ونشرت تركيا 5398 بحثا بينما نشرت إيران 798 بحثا فقط. إذن في هذا التوقيت نشرت إسرائيل حوالي الأربعة أضعاف ما نشرت مصر بينما نشرت تركيا حوالي الضعف وإيران أقل من خمس ما نشرت مصر. في عام 2009 نشرت مصر 7206 أبحاث بينما نشرت إسرائيل 13737 بحثا ونشرت تركيا 25818 بحثا بينما نشرت إيران 21020 بحثا!!!! إذن فقد نجحت كل من تركيا وإيران من تخطي مصر وإسرائيل بمراحل فنشرت تركيا أكثر من أربعة أضعاف مصر (قارن بضعفين فقط عام 1996) بينما نشرت إيران حوالي ثلاثة أضعاف النشر العلمي المصري (قارن بالخمس فقط عام 1996). هذا يعني أنه بينما نجحت مصر في زيادة نشرها العلمي بحوالي ثلاثة أضعاف زادته تركيا خمسة أضعاف وزادته إيران ستة وعشرين ضعفا بينما لم تنجح إسرائيل في زيادة نشرها العلمي إلا مرة ونصف خلال نفس المدة. يمكن تفسير الزيادة الطفيفة في حالة إسرائيل بأنها قد قاربت حدود كفاءتها العلمية العظمي والتي لا يصبح في مقدور الدولة بعدها زيادة معدلات نشرها كثيرا ويمكن ترجيح هذا التفسير بمراقبة أداء الدول الخمس الأعلي تقييما خلال نفس المدة حيث نجد أنها جميعا لم تستطع زيادة معدلات نشرها العلمي بأكثر من مرة وربع. بملاحظة معدلات النمو في البحث العلمي التركي والإيراني مقارنة بمصر وإسرائيل تفصيليا نلاحظ ظاهرة شديدة الوضوح فبينما يزيد معدل النشر العلمي في مصر وإسرائيل بمعدل خطي بطئ (زاد قليلا في مصر منذ عام 2005) نجد أن تزايد النشر في حالتي تركيا وإيران تتبع معدلا أسيا (هندسيا) منذ عام 2000 في حالة تركيا وحالة 2002 في حالة إيران ولمن لا يدرك الفارق بينهما فالأبحاث في مصر تزيد برقم ثابت كل عام وهو حوالي 345 بحثا فقط في العام عن العام الذي يسبقه (لاحظ أن أعداد الباحثين تزيد بمعدلات أكثر من هذا مما يعني أن أداء الباحث الواحد المتوسط ينخفض!!) بينما تزيد الأبحاث في كل من إيران وتركيا بمعدل متزايد كل عام تماما كتزايد أعداد الأرانب في بيئة مثالية للتربية. ما يهمنا هنا هو أن هذا التزايد الضخم الذي يعكس نجاحا محققا لنظم البحث العلمي في تركيا وإيران قد بدأ بوضوح في عام محدد (2000 و2002 علي الترتيب) مما يرجح ارتباطه بقرار سياسي استتبعه نشاط علمي محموم مع العلم أن معدلات زيادة النشر العلمي في البلدين كان أقل من مثيله في مصر قبل ما سنسميه عام الحسم لكل منهما. هذه الصورة التي توضح تماما فشل منظومة البحث العلمي المصري في تحقيق ما حققه النموذجان الإيراني والتركي لا تنفصل عن حالة الفشل المؤسسي العام التي عانت منها مصر خلال الأعوام الأربعين الأخيرة وتؤكد تصريحات المسئولين المصريين حول عدم قدرة المجتمع البحثي المصري علي استيعاب مخصصات البحث العلمي المقدمة من صندوق تطوير العلوم والتكنولوجيا فطبقا لنتائجنا اليوم يعاني المجتمع البحثي المصري من حالة ركود لا يمكن أن تعالج بزيادة الإنفاق المعروض بل بجملة من الخطوات التي سنحاول أن نعرض لبعض منها في مقال قادم ولنحاول جميعا أن نجعل عام 2012 عام الحسم في البحث العلمي المصري.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل