المحتوى الرئيسى

> سلفية وعلمانية .. كما تدين تدان

05/17 21:13

كتب - محمد خيرمن مفارقات القدر هذا الأثر السلبي الذي لحق بمصطلح "السلفية" في الأشهر القليلة الماضية، حتي وجد السلفيون أنفسهم في موضع الدفاع عن أنفسهم، وعن شعاراتهم ونهجهم، وعلي الرغم من أن الحركة السلفية موجودة في مصر منذ ما يزيد علي قرن من الزمان، وعلي الرغم من أن معظم المسلمين سلفيون بشكل أو بآخر، إلا أن الجدل الذي أثارته كلمة "سلفية" في الآونة الأخيرة يوضح إلي أي حد يمكن للسياسة أن تلقي الضوء أو تبعده عن مصطلح أو آخر، عن جماعة أو أخري، لدرجة أن النقد الذي أحاق بمصطلح السلفية في حد ذاته، زاد عن النقد الذي لحق به في فترة التسعينيات من القرن الماضي، علي الرغم من أن جميع الجماعات الإرهابية المصرية كانت تنتمي للفكر السلفي، وإلي فرع واحد منه هو "السلفية الجهادية"، إلا أن السياسة شاءت آنذاك أن يتم جمع تلك الجماعات تحت عنوان أوسع هو "الإسلاميون"، تم فيه محو الفوارق بين "الجماعة الإسلامية" علي سبيل المثال وبين "التبليغ والدعوة"، لكن هذا ليس موضوعنا الآن. نتحدث عن مفارقة، وهي تتخطي الجدل حول طبيعة السلفية لتذهب إلي مكان آخر، إلي مصطلح آخر، هو "العلمانية"، فعلي حد قول الحكمة الشهيرة "كما تدين تدان"، مارست الحركات الإسلامية، السلفية منها علي وجه الخصوص، تشويها تاريخيا تجاه مصطلح العلمانية، وبطريقة تبسيطية مخلة ومقصودة، تمت خلالها ترجمة كلمة العلمانية إلي معاني الكفر في أشد الأحوال، أو معاداة الدين في أبسطها، وتمت ترجمة مفهوم فصل الدين عن الدولة، بحيث لا يشير إلي تحرر المؤسسة الدينية من سطوة السلطة، وضمان حرية العقائد وعدم تدخل الدولة في القناعات الشخصية للأفراد، وإنما شرح الإسلاميون للناس فصل الدين عن الدولة علي أنه محاربة للدين ورغبة في انتزاعه من قلوب الناس، بل كذلك نشر الفسق والخلاعة، وصولا إلي صيغ أشد هزلاً، علي طريقة "العلمانية يعني أمك تخلع الحجاب"، بدا ذلك التشويه نوعًا من "الضرب تحت الحزام"، ذلك أنها حرب استخدمت فيها منابر المساجد، وتم فيها غزو عقول البسطاء والأميين، بحيث أصبح من شبه المستحيل إعادة "العلمانية" إلي معناها الحقيقي والعلمي، بغض النظر عن الموقف منها بالرفض أو القبول، ولم يغير من الحرب علي العلمانية أنها في أوروبا أتاحت للمسلمين والحركات الإسلامية أن يمارسوا نشاطا دعويا وسياسيا لم يتمكنوا من ممارسة أي قدر منه في بلدانهم الأصلية، علي الرغم من أن الشرق الإسلامي كله ذباستثناء تركيا- لم يعرف الدولة العلمانية أبدًا. في مواجهة حرب التشويه ضد العلمانية، لم يجد العلمانيون أمامهم سوي أن يلجأوا إلي ما فعله الشيوعيون قديمًا، إزاحة معني المصطلح إلي مصطلح آخر لم يتعرض ذ بعد ذ لتشويه واسع، يساري بدلا من شيوعي، كذا فعل العلمانيون، فبدأنا نسمع لأول مرة عن "الدولة المدنية". والدولة المدنية هي تلك التي لا يديرها العسكريون، ولكن لظروف الشرق الذي تهيمن فيه الجماعات الإسلامية المنظمة، تم استخدام "الدولة المدنية" كشعار في مواجهة "الدولة الدينية"، بل وصل الأمر إلي درجة وجد فيها بعض المثقفين أن العسكريين تحديدا هم أقوي حصانة ضد الدولة الدينية، مستعينين ذ مرة أخري ذبالنموذج التركي، فلم يعد مستغربًا أن تجد عددا من أبرز دعاة الدولة المدنية يدعو إلي تمديد الحكم العسكري في مصر ما بعد ثورة يناير، تحت شعار دولة مدنية، والحقيقة أن الدولة الدينية هي مدنية أيضًا طالما لا يحكمها العسكر، أما المصطلح الأصلي المقصود ذ هنا ذ بالدولة المدنية فهو الدولة العلمانية، ولهذا كان منطقيا أن جميع تغطيات الصحافة العالمية للثورة الصرية كانت تتحدث عن توجهاتها العلمانية (وليس المدنية)، البعض قام بترجمة التقارير الصحفية الأجنبية محولا كلمة علمانية إلي مدنية، البعض تركها كما هي فأثار سخط القراء! يشكو السلفيون الآن مما لحق صورتهم، ويتحدثون عن خوف الناس منهم نتيجة "التشويه الإعلامي"، وبالطبع فإن لبعضهم من المتشددين دورا كبيرا في أحداث العنف الطائفي التي شهدتها مصر في الآونة الأخيرة، ولكن الصحيح أيضَا أن مناخ الاحتقان الطائفي ليس محصورًا في السلفيين وهم ليسوا العامل الوحيد فيه، بل إن كثيرا منهم هم أبناء ذلك المناخ وليس العكس، هم الآن في مرحلة الدفاع عن المصطلح "السلفية ليست هكذا"، ويقتربون من مرحلة تشييع المصطلح/ التهمة: سلفي يعني مسلم، علي طريقة "علمانية يعني مدنية"، إذا لم ينجحوا في صد الهجمة، سيبحثون عن مصطلح جديد! كاتب وشاعر

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل