المحتوى الرئيسى

قراءة في كتاب من وحي الصقيع الكندي بقلم:عبد الجليل العباسي

05/17 20:37

قراءة في كتاب من وحي الصقيع الكندي يوميات مهاجر شرعي للكاتب محمد كرم الدكالي بقلم:عبد الجليل العباسي "خذ النصيحة من مجرب فإنه يعطيك بالرخص ما أخذ بالغلاء" ، هكذا قال أحد الحكماء ، وهكذا هي تجارب الحياة أعطيات ومنح تستفيد منها دون مكابدة أي عناء إن إنت تلقيتها ممن يأخدونها بالغلاء مباشرة من الحياة ، لن تكابد أي جهد إن أنت أردت الإستفادة من تجارب الغير فيكفي أن تلقي السمع بين يدي دوي التجارب من ألي الألباب أو أن تفتح كتابا مثل هذا الكتاب الذي أقترح عليك فتحه ، وإن قررت الأخد باقتراحي فإنك ستجد نفسك في عالم من التجارب الإنسانية للعشرات من الأشخاص القادمين من بلدان مختلفة سعيا إلى حياة أفضل.وأهم هذه التجارب تجربة الغربة والكفاح اليومي التي خاض غمارها الكاتب ولم يكتف بتسجيل فصولها ووصف أحداتها بل وقف وقفة المتفلسف والمتأمل لعالمه الجديد ، فدوّن آراءه وتحليلاته حول هذا المجتمع الذي استطاع الإندماج فيه بسرعة بفضل طبعه الإجتماعي ونفسه المتطلعة إلى الإستكشاف والمعرفة . الكتاب صادر عن إفريقيا للنشر ويقع في حوالي مئتي صفحة ، بسيط في أسلوبه لكنه عميق في معانيه ،يقدم إليك المعرفة بشكل ممتع ومسل ، يرغمك الكاتب بأسلوبه الشيق والذكي على قراءة الكتاب حتى نهايته بمجرد ان تشرع في قراءة الصفحات الأولى منه ، فاحذر من أن تبدأ في قراءته إن لم تكن تملك الوقت الكافي لإنهاءه كاملا لأنك لن تستطيع إقناع نفسك بالتوقف قبل بلوغ صفحة المحتوى ، والذي يمنح الكتاب جاذبيته هو الذكاء اللغوي لكاتبه ، ذكاء لغوي تغديه ثقافة موسوعية تكتشفها بمجرد تصفحك لبداية الكتاب ، فتجده يعنون أول يومياته باقتباس جميل من إنجيل يوحنا فيبدل الكلمة بالعبور في قوله " في البدء كانت الكلمة" ، ثم يشرع في صياغة كل تعابير الكتاب بنفس الذكاء موظفا حقولا معرفية تتنوع ما بين السياسي والديني والإجتماعي ،بل وتتجاوز ثقافة الرجل هذه المجالات إلى المجال الرياضي حينما تراه يعلق على مباراة لكرة القدم بطريقة المعلقين الكبار مستحضرا أسماء من زمن الأمجاد الكروية المغربية . وبنفس الأسلوب الذكي يشوقك الكاتب إلى اكتشاف ما تأتي به الأسطر القادمة فيخدعك حينما يعنون فصلا من فصول يومياته ب"الدكتاتور الكندي" فتسرع في القراءة ظنا منك أنك ستكتشف شخصية حاكم كندي متجبر ومستبد لتجد أنك قد تعرفت على هذا الدكتاتور منذ لحظة قراءتك لعنوان الكتاب فهذا الطاغية ليس سوى الصقيع الكندي الذي أوحى إلى الكاتب يومياته، ويحدثك المؤلف في موضع آخر عن رجل يلقبونه ب"مول الضرايرات" و تعني صاحب الضرائر، ويخبرك أن هذا الرجل غير متزوج ليتركك في حيرتك حتى تكتشف في آخر الفقرة بأنه أخذ برخصة التعدد في السيارات وليس في النساء . والكتاب وإن كانت جمالية تعابيره ورعة أسلوبه تجبرانك على قراءته دون توقف، إلا أنك ستكون مرغما في لحظات كثيرة على التوقف ضاحكا من العديد من الأحداث والأقوال الطريفة، فالكتاب مليئ بالحكم المسلية المثمثلة في الأقوال الجميلة التي تلخص بشكل فكاهي نظرات شخصيات مختلفة إلبى الحياة، فهذا لا يؤمن إلا بحقائق ثلاثة:الميلاد والوفاة وبينهما ضرائب الحكومة ، وآخر لايحترم سوى صناع القرار ومن بينهم حماته، وثالث يرى أن أهل السياسة مثل زوجته، يخططون للوصول إلى جيبه لسرقته ... وقد كُتبت هذه اليوميات بلسان عربي فصيح خال من الأخطاء اللغوية ولا سيما النحوية منها والتي لا تكاد تخلو منها حتى مؤلفات أولئك الذين يوصفون بأنهم كبار الكتاب والمبدعين ، وهذا مما يحمد لصاحب الكتاب ولا سيما إذا علمنا بأنه مدرس للغة شكسبير. من بين مئات الكتب التي قرأتها فيما مضى من أيام عمري لا أذكر أني قرأت كتابا أدبيا واحدا لكاتب مغربي إلا أن يكون مما فرضت علي الأقدار الدراسية قراءته كي أمتحن فيه، وذلك نظرا لما كنت أرى من هزالة المشهد الأدبي ببلادنا،وقد غير هذا الكتاب من نظرتي التشاؤمية إلى الإبداع المغربي، لأنه كتاب يستحق فعلا أن يقرأ، ولا أظن أن قارئه يمكن أن يندم على الوقت الذي صرفه متصفحا أوراقه.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل