المحتوى الرئيسى

المرجعية الإسلامية

05/17 17:23

بقلم: محمد رجب سالم ذهبت السكرة، وجاءت الفكرة.. أجل هدأت سكرة أو نشوة الفرحة بانتصار الثورة المصرية التي قامت في الخامس والعشرين من يناير من عام 2011م، وحلت الفكرة؛ وأعني بالفكرة هنا: التفكر في معالم الطريق الذي نسلكه، وملامح السبيل التي نمضي فيها.   إننا الآن في مرحلة انتقالية أشبه ما تكون بحال المسافر الذي يقف في مفترق طرق لا يدري أيها يسلك ليبلغ هدفه، وليصل إلى غايته.   لقد جربنا على مدى ستين سنة مضت تبعية للشرق الشيوعي تارةً، ثم تبعية للغرب الرأسمالي تارةً ثانية، حتى ارتمينا في أحضانه بالكلية، فعشنا الأعوام الثلاثين الأخيرة بلا شخصية، وفي انطماسٍ للهوية، فلا اشتراكية ولا رأسمالية، وإنما تخبط وعشوائية وظلامية، سرق فيها المسئولون، ونهب فيها السلطويون، حتى بات الشعب المصري الصابر كالأيتام على مائدة اللئام؛ حيث ديست كرامته، وقيدت حريته، وزيفت إرادته.   فأين الطريق إذاً، وأين السبيل؟؟ إنه طريق الله.. إنه طريق الإسلام دين الوسطية والاعتدال، وحتى لا يكون الكلام مرسلاً، أبادر بوضع النقاط على الحروف، فأقول: إن مطلبنا الذي يوجبه الشرع الإسلامي الحنيف، والفكر العربي الحصيف يتمثل في الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، وقبل أن أستطرد في بيان هذا المطلب أزيل لبسًا أو خطًأ في الفهم يقع فيه الكثير من العامة، وكذلك قطاع عريض من المتشددين، إذ يعتبرون الدولة المدنية مرادفاً للدولة العلمانية التي تفصل الدين عن شئون الحياة كلها فصلاً تامًّا، والحقيقة غير ذلك تمامًا، فالمقصود بالدولة المدنية: الدولة التي تأخذ نمطاً أو شكلاً من أشكال الدول التي يعرفها عالم اليوم ولها مؤسساتها وسلطاتها التي يحددها الدستور، والمدنية هنا عكس العسكرية، وليست عكس الدينية، وحينما نقول دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية، فإننا نعني دولة تأخذ من الحداثة شكلها وهيكلها التنظيمي، ومن الإسلام شرائعه، وأخلاقه، ومبادئه؛ وأسارع فأدرأ شبهة أو تخوفًا ينتاب الكثير من الرأي العام أيضًا، إنها شبهة الدولة الدينية، فأقول باللفظ الصريح وباللسان الفصيح: لا تنزعجوا يا سادة، فليس في الإسلام كهنوت، وليس فيه ولاية الفقيه، أو ضرورة أن يحكم الشيوخ والعلماء، لأنه لا يعرف طبقة رجال الدين أو "الأكليروس"، التي عرفها الغرب في قرونه الوسطى، فرفضها ولفظها، لأن القساوسة يومها حكموا بدين من عنديات أنفسهم، فجاروا وظلموا باسم ما سمِّي- افتراءً- بالحق الإلهي.   والدولة المدنية في عالم اليوم لها أشكال متعددة، فهناك وفق بعض تقسيمات العلوم السياسية:   1- الدولة البرلمانية: أو النظام البرلماني؛ حيث تتقلص كثيرًا سلطات رئيس الدولة، وفي مقابل ذلك تتسع دائرة سلطات الشعب في صورة البرلمان الذي يمثله، حتى غدا من سماته أن رئيس الدولة يملك ولا يحكم؛ وأوضح مثال عليه: النظام الإنجليزي القائم في المملكة المتحدة؛ حيث الملكة البريطانية تملك ولا تحكم، أي أن دائرة سلطاتها ضيقة في مقابل ما للبرلمان من سلطات أوسع وأرحب، بينما يقوم رئيس الوزراء على رأس السلطة التنفيذية مطبقًا للسياسة الإنجليزية محليًّا ودوليًّا، مع ملاحظة أن للبرلمان حق حجب الثقة- كليًّا أو جزئيًّا- عن السلطة التنفيذية ممثلةً في رئيس الحكومة ووزرائه، أي ليست هناك سلطة مطلقة، وليس أحد فوق المساءلة أو المحاسبة.   2- الدولة الرئاسية أو النظام الرئاسي: وفيه يملك الرئيس ويحكم، وتعاونه إدارة ممثلة في وزراء دون منصب رئيس وزراء، والرئيس ووزراؤه أو إدارته يمثلون السلطة التنفيذية، بينما يقوم مجلسا الشيوخ والنواب- نيابةً عن الشعب- بواجبي الرقابة والتشريع والمحاسبة للإدارة التنفيذية، وأوضح مثال معاصر على هذا النموذج هو النظام الأمريكي، القائم في الولايات المتحدة الأمريكية.   3- النظام المختلط: أي الذي يجمع بين سمات النظامين البرلماني والرئاسي، ويمثله في عالم اليوم النظام الفرنسي؛ حيث يوجد في الجمهورية الفرنسية: رئيس للدولة، ورئيس للحكومة، وبرلمان، وكل قد علم سلطاته واختصاصاته، والكلمة العليا للشعب بلا خلاف، فهو المصدر الحقيقي للسلطات، وهذا هو القاسم المشترك بين النماذج جميعًا.   نحن في مصر اليوم ندرس هذه الأنظمة، لنختار من بينها ما يناسبنا؛ ولعل الحوار المجتمعي الدائر الآن خطوة رشيدة على الطريق السديد.   على أنه ينبغي أن يكون واضحًا أن المرجعية الإسلامية ليست أمرًا اختياريًّا، وإنما هي واجب إيماني وفريضة شرعية؛ يقول الحق- تبارك وتعالى- في محكم التنزيل ضمن أواخر ما نزل من القرآن الكريم: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)) (المائدة 48- 50).   ومما يؤسف له أن قطاعًا عريضًا من الرأي العام يُبدي تخوفات شديدة من التحاكم إلى منهج الله، ويقول قائلهم: إن تطبيق الشريعة الإسلامية سينجم عنه: تقطيع الكثير من الأيدي، وسيلحق الأذى بأصحاب العقائد الأخرى في المجتمع، وسيؤثر سلبًا على علاقاتنا بالمجتمع الدولي، إلى غير ذلك من المخاوف والمحاذير التي لا مبررَ لها، ولا موجب.   وإلى هؤلاء الإخوة أقول: أولاً: إن شريعة الإسلام منهج كامل للحياة، ويخطئ خطأً جسيمًا مَن يختزل أو يختصر الإسلام كله في الحدود: كقطع يد السارق، ورجم الزاني وغيرهما من الحدود، فإن مثلها- أي الحدود- بالنسبة لمنهج الإسلام كمثل السور الواقي، الذى أقيم حول بناء عظيم بغرض حمايته وصيانته، فإذا لم يوجد البناء لم يوجد السور.   والشريعة الإسلامية بهذا المعنى الشامل محققة لكل خير، وداعية إلى كل إصلاح في المجتمع، فإحياء الأرض الموات واستصلاحها لإقامة زراعة ناجحة تحقق الاكتفاء، وتغني عن مد الأيدي إلى الأعداء أمر تدعو إليه شريعة الله، لأن من كان رغيفه من فأسه كان قراره من رأسه، وكذلك الشأن بالنسبة لبناء جيش قوى، وتحقيق العدل، ونبذ الظلم، وإقامة علاقات دولية متوازنة، نسالم فيها مَن يسالمنا، ونعادي فيها مَن يعادينا.. نوالي فيها من والى الله ورسوله، ونعادي فيها من عادى الله ورسوله، وغير ذلك مما لا يحصى من الواجبات تفرضه وتحث عليه شريعة الإسلام؛ فإن أقيم هذا المجتمع الصحيح كان لا بدَّ أن تصان حماه بما حد الله من حدود، وفرض من عقوبات على المخالفين والمعتدين، بل إن حدَّ السرقة نفسه- والمفترى عليه- لا يطبق جزافًا كما يتصور ويشيع المرجفون، وإنما يطبق في ظل المجتمع العادل المشار إليه، وقد استوفى المواطن حقه من المأكل والمشرب والمسكن وأسباب العيش الكريم، وليس هذا فقط، وإنما هناك شروط لإقامة هذا الحد بيَّنها الفقهاء بيانًا شافيًا كافيًا، وهذه الشروط منها ما يتعلق بالسارق الجاني، ومنها ما يتعلق بالشيء المسروق، ومنها ما يتعلق بالموضع أو المكان المسروق منه، ونجمل هذه الشروط، وباختصار شديد فيما يلي:   (1) شروط السارق: أ- البلوغ ب- العقل ج-  الاختيار وعدم الإكراه ء- ألا يكون للسارق في الشيء المسروق شبهة ملك.   (2) شروط المال المسروق: أ- أن يكون مما يتمول ويملك ويحل بيعه وأخذ العوض عنه.  ب- أن يبلغ نصابًا، وجمهور الفقهاء على أن القطع لا يكون إلا في سرقة ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة، أو ما يساويها نقدًا (مع ملاحظة أن هذا النصاب يمكن الاجتهاد بشأنه حسب الظروف الاقتصادية المعاصرة).   (3) شروط الموضع المسروق منه: وتنحصر في شرط واحد، وهو الحرز، أي الموضع المهيأ لحفظ الأشياء كالبيت والدكان، والخزينة، وغيرها مما تعارف عليه الناس.   ثانياً: إن الإخوة المسيحيين- في ظل شريعة الإسلام- في أفئدة إخوانهم المسلمين، وفوق رءوسهم؛ لأنهم شركاء في الوطن وفي الإنسانية، بل إن رحمة الإسلام امتدت لتشمل كل مسالم للمسلمين مهما كانت عقيدته وملته، والنصوص الشرعية من قرآن وسنة، وكذلك التاريخ الإسلامي خير شاهد على ذلك، فمن النصوص الشرعية:   - قوله تعالى: (لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)) (الممتحنة).   - قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس، فأنا خصمه يوم القيامة" (رواه أبو داود)؛ وفي رواية أخرى عند البيهقي: "فأنا حجيجه يوم القيامة"، وأشار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بأصبعه إلى صدره".   - وفي التاريخ الإسلامي ليس خبر نجاشي الحبشة منا ببعيد، وهو الذي أكرم صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين وفدوا عليه مهاجرين طاعة لأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي قال لهم: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه"، وهو الذي نزل فيه وفي أمثاله قوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83)) (المائدة).   فهل بقىَّ بعد هذا البيان حجة لمحتج، أو شبهة لمرجف، أو فرصة لحاقد أو جاهل لأن يطعن أحد منهم، أو يبدي تخوفًا من المرجعية الإسلامية التي هي صمام الأمان الأوحد للحكم في مصر أو في أي قطر إسلامي أو عربي؟!.   وأخيرًا أقول للرأي العام العربي والإسلامي كله: ألا ترون أعداءنا من الصهاينة كيف يقيمون كيانهم الغاصب على أسس من توراة محرفة ودين مزيف عبثت به أيديهم الآثمة، ثم ها هو رئيس وزرائهم "بنيامين نتنياهو" لا يكف عن الضجيج والطنطنة صباح مساء مناديًا بالاعتراف بيهودية دولته الباغية، نداءً عالميًّا يكاد يصم الآذان ويزلزل الأركان؟، فهل ترى المرجعية الدينية حرامًا علينا، حلالاً لأعدائنا؟!. ------------- * داعية وكاتب إسلامي

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل