المحتوى الرئيسى

الطريق لنجاح "ملف" المصالحة

05/17 13:20

بقلم: شعبان عبد الرحمن* بينما كانت المظاهرات تعمُّ الأراضي الفسلطينية والقاهرة إحياءً للذكرى الثالثة والستين لنكبة فلسطين (15 مايو 1948م)، كان وفدا حركتي "حماس" و"فتح" يبحثان تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة، وتشكيل لجنة الانتخابات في أول خطوة عملية لتنفيذ اتفاق مصالحة القاهرة، وهو ما خفَّف من مرارة الذكرى ولوعتها، ومثَّل بارقة أمل خفَّفت على القلوب ما حملته طوال سنوات من هموم القطيعة والاقتتال بين أبناء الشعب الفلسطيني.   فبين الرابع عشر من مايو 1948م والرابع عشر من الشهر نفسه عام 2011م مسيرة ثلاثة وستين عامًا، لأبشع محنة كابدها شعبٌ في التاريخ، أو أسوأ كارثة استعمارية ابتُليت بها أرض، وما زالت المحنة تطحن في الشعب، وما زالت الكارثة تفتِّت الأرض، وتلتهمها قطعةً قطعةً.   وفي أجواء تلك الذكرى، تتحرك المصالحة نحو تحقيق استحقاقاتها، وكغيري- من الملايين في العالم العربي والإسلامي- أتمنَّى أن تكون مصالحة القاهرة خاتمةً نهائيةً للمسلسل الكئيب الذي عايشناه طوال السنوات الماضية؛ مسلسل الدم الفلسطيني النازف والمستنزف بأيدٍ فلسطينية.   لكني كغيري أيضًا يضع يده على قلبه متوجسًا من بقايا ذلك الفريق الانقلابي؛ الذي ما زال رابضًاً في أحضان السلطة، صحيحٌ أن ذلك التيار تم تفتيه بعد محاولة انقلاب "دحلان" على "عباس"، لكنَّ أنفاسه ما زالت تسري، وثقافته ما زالت رائجةً.. ثقافة الصلح والتطبيع مع والعدو، والانبطاح أمام ضغوطه، لكنَّ قوته الضاربة انكسرت؛ فهل يستطيع الرئيس "محمود عباس" (أبو مازن) أن يكبحه أو ينهي وجوده؟!  لنرَ ماذا ستصنع حوادث الأيام المقبلة.   هذا من جانب.. ومن جانب آخر فلكي يظل ملف المصالحة صامدًا وبنجاح؛ ينبغي للسلطة والسيد "محمود عباس" إغلاق ملفات خطيرة ومؤلمة ما زالت مفتوحةً، ولم تُطرح آليات واضحة لإغلاقه: أولها: إصرار "عباس" على فكرة "إنهاء عسكرة الانتفاضة أو المقاومة"، فنحن نعلم أنه ومنذ ظهوره على المسرح السياسي بقوة مع اتفاقيات "أوسلو" 1993م، ثم انتخابه رئيسًا (يناير 2005م)؛ لم يفتأ يؤكد ضرورة ذلك، وقد ساق العشرات من الأسانيد والحجج والبراهين التي تؤكد سلامة ما ذهب إليه، وأنه يصبُّ في مصلحة الشعب الفلسطيني! وبناءً على ذلك الموقف، فإن "عباس" لم يتوانَ عن إدانة أي عملية استشهادية تقوم بها المقاومة ردًّا على المجازر الصهيونية، ولم يعد ذلك الرأي لدى "عباس" عند كونه موقفًا، لكنَّ مجريات الأحداث وتطوراتها- بعد ذلك- كشفت عن أن ذلك الموقف هو قمة جبل الثلج لمشروع متكامل يرمي إلى القضاء كليًّا على مشروع المقاومة؛ حتى تفرغ الساحة لتيار الصلح والتطبيع ليفاوضوا ويتنازلوا في هدوء ودون منغصات!.   ثم جاءت الخطوة الثانية، وهي "عسكرة الخلاف السياسي" أو "عسكرة الحوار" الذي من المفترض أن يظل حوارًا بين أبناء وطن واحد، لكنَّ الذي حدث هو أن صفقات السلاح والدعم العسكري انهالت على "السلطة" من كل حدب وصوب؛ لتسليح "محمد دحلان" وزمرته لقهر "حماس"، وإدارة الحوار والخلاف السياسي معها بقوة السلاح وإرهاب الرصاص.. كانت هناك نظرية متكاملة: "إنهاء عسكرة الانتفاضة.. والعمل على عسكرة الحوار السياسي".. فلما فشل ذلك كله تم الاتجاه لحرب الإبادة الصهيونية الأخيرة، لكنها فشلت هي الأخرى، وخرجت "حماس" وتيار المقاومة منها أقوى مما كانوا، في مقابل فضيحة كبرى لكل المتواطئين.. وهنا أقول: ليت الرئيس "محمود عباس" يراجع مفاهيمه ويعيد قراءة الواقع جيدًا ويصطف مع شعبه في خندق المقاومة؛ لأن استمرار الإصرار على هذا المفهوم يعني الصدام بين الطرفين في أي وقت.   ثانيًا: التخلص من عبء التنسيق الأمني اللعين مع العدو الصهيوني وخلع ربقته، فقد باتت "السلطة" بفعل هذا التنسيق في سباق يومي مع أجهزة العدو الصهيوني الأمنية؛ لاقتناص أكبر عدد من رجال المقاومة، والزجِّ بهم في سجونها لتسومهم ألوانًا من التعذيب حتى القتل أحيانًا، وجريرتهم أنهم "مقاومة" تحارب العدو المحتل، وتنذر روحها ودماءها لتحرير فلسطين.   وبفعل هذا التنسيق بدت الضفة الغربية بشوارعها وميادينها بل وبيوتها إما محاصرة أو مراقبة من قبل قوات السلطة وقوات الاحتلال، جنبًا إلى جنب، وكتفًا بكتف، ضد فصائل المقاومة، وفي القلب منها حركة "حماس"، ومن يفلت من قبضة قوات السلطة يسقط في قبضة قوات "نتنياهو"، ومن تفرج عنه سجون العدو الصهيوني تتلقفه فورًا سجون السلطة؛ حتى بات في سجون السلطة (1200) معتقل من حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، بينهم ما يقارب (500) من الأسرى المحررين، وذلك وفق تقرير لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في وزارة التخطيط بقطاع غزة.   وقال التقرير: إن الأعوام الأخيرة شهدت تنسيقًا أمنيًّا عاليَ المستوى بين سلطة عباس والاحتلال؛ حيث نفَّذت ميليشيا السلطة (1424) عملية مشتركة مع أجهزة الاحتلال، وأسهمت بتسليم نحو (343) صهيونيًّا دخلوا مناطق الضفة بالخطأ!.   ومن النقاط الخطيرة التي أشار إليها التقرير قيام "جهاز المخابرات العامة التابع للسيد محمود عباس بتجنيد أطفال تتراوح أعمارهم ما بين (10- 14) عامًا، كعيون لملاحقة شخصيات مطلوبة لها، مقابل مبلغ زهيد من المال"، وقد توقف التقرير أمام تلك الواقعة بوصف هذه الأعمال بأنها تمثل "ظاهرة خطيرة على عقلية الأطفال ونشأتهم الاجتماعية؛ لما لها من آثار سلبية في غرس مفهوم العَمالة والإسقاط من قبل الاحتلال".   لقد آن لذلك التنسيق الأمني أن ينتهي إلى غير رجعة، وآن للسلطة أن تطلق سراح جميع سجناء الرأي والمقاومة، كما آن لـ"حماس" أن تطلق سراح أي سجين رأي لديها من "فتح" أو أي فصيل؛ لأن بقاء هذا الملف مفتوحًا سيضرب ملف المصالحة في مقتل، والتأخر في إغلاقه سيهز مصداقية ملف المصالحة.   ثالثًا: الاتفاق بين جميع الفصائل على إستراتيجية موحدة، يتحركون بمقتضاها في المرحلة القادمة نحو هدف واحد؛ هو تحرير الأرض وإقامة الدولة، وبعد فشل خيار التفاوض منذ "أوسلو" حتى اليوم؛ فلا طريق سوى المقاومة المشروعة بالقانون الدولي لتحرير الوطن.   إن المصالحة وتشكيل الحكومة ينبغي ألا تتوقف أبدًاً عند إطعام الناس، وتسيير حياتهم، وحل مشكلاتهم؛ وذلك أمر بالغ الأهمية، ولكن لا بد أن يظل هدف "تحرير الوطن" هو الغاية التي يعمل من أجلها الجميع، وإلا يكون الكيان الصهيوني قد حقَّق ما يريد، وهو صرف الجميع إلى تصريف الشئون اليومية للمواطن.   إن فلسطين ما زالت محتلةً، والقدس يجري التهام أراضيها وتهويدها شارعًا شارعًا، وحقائق التاريخ الجلية تؤكد أننا أمام عدوٍّ لا ينصت لمن أمامه ولا يحترمه؛ إلا إذا كانت قوارع المقاومة والعمليات الاستشهادية تدك رأسه دكًّا. -------- (*) كاتب مصري- مدير تحرير مجلة المجتمع الكويتية- Shaban1212@gmail.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل