المحتوى الرئيسى

فقهاء الشيعة وتحدّي التحديث

05/17 11:52

محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ عندما دخلَ التعليم النظامي العراق، وشُيّدت المدارس النظامية، حرّمَ كبار فقهاء الشيعة دخول المدارس، واعتبروا أن مثل هذه المدارس النظامية من (مؤامرات) المستعمر، أي بلغة أخرى ضرب من ضروب (التغريب)؛ هدفها صرف الناس عن دينهم وعلومه. غير أن الناس لم يكترثوا بالتحريم، واندفعوا في تعليم أبنائهم في هذه المدارس. يقول المفكر العراقي الكبير الدكتور علي الوردي (1913-1995) تعليقاً على ذلك: (لكن هذا التحريم صار سبباً آخر من أسباب تقلص نفوذهم -أي الفقهاء- الديني. فالناس شرعوا يُدخلون أبناءهم في المدارس رغم التحريم، وذلك عندما رأوها تؤدي إلى الحصول على الوظائف الخلابة والمرتبات المغرية). وبدلاً من أن يعود فقهاء الشيعة عن خطئهم، تمادوا في العناد، كما هي عادة المتكلسين دائماً، فحرموا -أيضاً- الوظائف ولم يكتفوا بتحريم التعليم النظامي فحسب، على اعتبار أن الوظائف والأجور والمرتبات من الدولة لم يعرفها أسلافهم؛ يقول الدكتور الوردي عن هذه الفتوى: (حرم الفقهاء الوظائف أيضاً، فازداد البلاء عليهم زيادة أخرى. إن أكثر الناس لا يتركون دنياهم في سبيل إرضاء رجال الدين. فهم يلتزمون الدين عادة حين يرونه ملائماً لمصالحهم الدنيوية؛ فإذا وجودوه مناقضاً لها انفضوا عنه وتركوه وراءهم ظهريا). إن هؤلاء الفقهاء برفضهم لكل تحديث، ووقوفهم عقبة كأداء في طريق تطور وتغيّر مجتمعاتهم، وتحركها نحو الجديد، لا يهمهم في ممانعاتهم هذه أرزاق الناس، ولا أوضاعهم الاقتصادية، ولا تنمية وتطوير مجتمعاتهم، يؤكدون أنهم مجرد آلات تسجيل، تعيد ما هو محفوظ فيها، فلا تنقص منه ولا تزيد فيه شيئاً. كما أنهم يجهلون -أيضاً- أن من أسس المجتمعات الحديثة هي التغير ومواكبة كل جديد؛ فالأشياء كما يقولون: (من أجل أن تبقى يجب أن تتحرك، ومتى وقفت عن الحركة فسدت وبطل نظامها). هذا المنطق ينطبق على كل الظواهر الاجتماعية، من الدولة وحتى المفاهيم الاجتماعية الأخرى، بما فيها طرق وأساليب التعليم. وليس الأمر متعلقاً بالدراسة النظامية ومدارسها فحسب، فقد قاوم علماء الشيعة المطبعة عند أول دخولها إلى على اعتبار أن أسلافهم لم يعرفوها، والعلم يجب أن يبقى مصوناً، فلا يطلع عليه إلا (العلماء) وطلبة العلم في مظانه تماماً مثلما ورثوه عن السلف دون تغيير أو تبديل. غير أن هذه (الممانعة) ما لبثت أن تلاشت وانتهت مع مرور الوقت، ومع انتشار العلم والمعرفة، وسهولة الوصول إلى المعلومة، وانتشار التعليم النظامي. ولم يكن تحريم المطبعة وقفاً على فقهاء الشيعة، وإنما شاركهم فقهاء السنة -أيضاً-؛ يذكر الزميل الأستاذ مشاري الذايدي في مقال له نقلاً عن الباحث اليمني أحمد الحبيشي جاء فيه: (العالم الإسلامي عرف الطباعة لأول مرة في أوائل القرن السادس عشر في الآستانة عاصمة دولة الخلافة العثمانية، لكن الفقهاء قاوموا وجودها بقوة، الأمر الذي دفع يهود الدولة الإسلامية إلى الاستفادة منها بطبع ترجمة عربية للتوراة، أما الطباعة باللغة العربية فقد دخلت العالم الإسلامي لأول مرة في منتصف القرن الثامن عشر على يد محمد جلبي وابنه سعيد.. وكان الجلبي سفيراً للدولة العثمانية في باريس فشهد وابنه سعيد فوائد الطباعة، ونجح بصعوبة بالغة في إقناع الفقهاء الذين أصدروا عام 1728 م فتوى بطباعة الكتب غير الدينية فقط)! مما تقدم يتضح بجلاء أن (الوقوف) في وجه التحديث والتطور والانفتاح، والحؤول دون الاستفادة من تجارب الآخرين المتطورة، هو في عصرنا ضرب من ضروب المستحيل؛ قد يبدو ممكناً في البداية، إلا أنه لا يمكن أن يستمر مهما كانت المبررات. *نقلا عن "الجزيرة" السعودية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل