المحتوى الرئيسى

التجديد ما بين حزب الإخوان وشبابهم

05/17 10:58

وحيد عبد المجيد يأتي حزب الحرية والعدالة مؤشراً على أن جماعة الإخوان المسلمين تدخل مرحلة جديدة قد تكون نوعية بعد ‏83‏ عاماً على إنشائها‏,‏ لم يكن قرار تأسيس هذا الحزب سهلاً,‏ وكم من مشروع حزب فكّر فيه بعض أقطاب الجماعة أو كوادرها ولم ير النور خلال العقود الثلاثة الأخيرة‏. فمن مشروع حزب الشريعة (صلاح شادي) إلى مشروع حزب الإصلاح (عبدالمنعم أبوالفتوح) إلى مشروع حزب الوسط (أبوالعلا ماضي) الذي نشأ أخيراً بمنأى عن الإخوان, وغيرها, لم يكن الطريق إلى مشروع الحرية والعدالة مهدداً, ولكن ثورة 25 يناير جعلته ممكناً ثم واقعاً. غير أن هذا ليس هو المؤشر الوحيد على أن جماعة الإخوان تجتاز مرحلة جديدة, فلا يقل أهمية بل يزيد, اعتراض قطاع من شبابها على تعيين رئيس الحزب ونائبه وأمينه العام بعيداً عن الهيئة التأسيسية, وقد أثار هذا الاعتراض جدلاً في صفوف الإخوان حول ما يجب أن تكون عليه العلاقة بين الحزب والجماعة. وبغض النظر عن محتوى هذا الجدل, فهو مؤشر مهم على مرحلة جديدة يدشنها شباب لا يخشى إبداء الرأي في طريقة إدارة الجماعة ونقد قادتها سعياً إلى مشاركة أكثر فاعلية في اتخاذ القرار, ويعني ذلك أن الجماعة التي بدا في السنوات الأخيرة أنها هرمت, تملك إمكانات التجديد اعتماداً على شباب تربى فيها وآمن برسالتها ولكنه يتطلع إلى تحديث أدائها. وعندما نظّم عدد كبير من هذا الشباب في القاهرة مؤتمر رؤية جديدة من الداخل الشهر الماضي, وتبعته مؤتمرات عدة في محافظات أخرى, بات واضحاً أن دماء جديدة شابة تسري في جسد الجماعة, فقد عقد مؤتمر القاهرة بمبادرة شبابية لم تلق قبولاً لدى قيادة الجماعة، وشهد نقاشاً ثرياً حول كيفية تطويرها, ولذلك جاءت الرؤية من الداخل التي عقد المؤتمر من أجل بلورتها, نقدية في منهجها كما في المطالب الديمقراطية التي انتهى إليها, وإذا جاز اختزال هذه الرؤية في محور رئيسي فهو السعي إلى ممارسة أكثر ديمقراطية عبر نشر ثقافة جديدة في داخل الجماعة وإعادة صوغ العلاقة بين مؤسساتها بحيث تكون لمجلس الشورى (يشبه المؤتمر العام في الأحزاب السياسية) سلطات حقيقية تشمل مراقبة أداء مكتب الإرشاد وعزل أعضائه إذا اقتضى الأمر. وكانت هذه رؤية من الداخل فعلاً؛ لأن الشباب الذين يتبنونها ليسوا متمردين أو منشقين, وهذا هو ما حرصوا على إبرازه خلال مؤتمرهم, وعبّر أحدهم بدقة عن نوع التغيير الذي يقومون به عندما قال إنه يطمح إلى إحلال مفهوم الفهم والطاعة بدل السمع والطاعة، أما حين وقف آخر قائلاً إن (أي أخت معنا هنا مثلنا) وأنه لابد من (مشاركة الأخوات بشكل كامل في اتخاذ القرار). كان هذا دليلاً على أن فكراً جديداً يبزغ على أيدي جيل جديد قد يكون حضوره العام على هذا النحو هو أكبر مكسب يمكن أن تتطلع إليه أية جماعة أو حزب. ولكن المفارقة اللافتة هي أن بعض قادة الجماعة يعتبرون هذا المكسب الكبير مشكلة تواجهها وهي تدخل مرحلة جديدة في تاريخها الطويل, ولم تعرف جماعة الإخوان طوال هذا التاريخ خلافات داخلية كبيرة وواضحة, كما لم يكن معظم قادتها يتصورون أن يأتي يوم ينتقدهم أعضاء فيها, ناهيك عن أن يكونوا شباباً في مقتبل العمر, فقد أعيد بناء تنظيم الجماعة بعد المحنة الكبرى التي تعرضت لها عندما اصطدمت بنظام ثورة 1952 على أساس من المركزية الصارمة والهرمية الشديدة بخلاف ما كانت عليه الحال في الفترة السابقة, وعندما أراد جيل النقابات المهنية تجديد بعض أساليب عمل الجماعة في ثمانينات القرن الماضي, فعل ذلك بحذر شديد وفي لحظة كانت قيادتها في حاجة إلى هذا الدور الذي استعاد الإخوان من خلاله حضورهم العام بعد تغيب استمر نحو عقدين كاملين. ولذلك يبدو جيل الألفية الجديدة في جماعة الإخوان مثيراً لقلق بعض قادتها الذين لم يألفوا الخلاف والنقد والنقاش الحر المفتوح, وهذا فضلاً عن أن المشهد كله جديد عليهم؛ لأن السابقة الوحيدة التي حدث فيها خلاف بين شباب في الجماعة وقيادتها كانت قبل ما يقرب من ثلاثة أرباع قرن في حياة مؤسسها الشيخ حسن البنا. ولكن فرقاً كبيراً بين الحالتين اللتين تبادل طرفا الخلاف فيها (الشباب والقيادة) موقعيهما. كان موقف الشباب الذين اختلفوا مع قيادة الجماعة عام 1938 مشكلة بالنسبة إليها, بخلاف ما يحدث الآن, فقد أشهر شباب 1938 سيف الالتزام الديني في وجه قيادته وطالبوها (بالالتزام الصارم بالقيم الإسلامية والخلاص الروحي لمصر بالقوة إذا لزم الأمر) واتهموها باتخاذ مواقف ملتوية (في إشارة إلى مرونتها بشأن بعض القضايا السياسية) وبالتهاون في حدود الإسلام وفي إلزام المرأة بواجباتها. ولذلك لم يخطئ مؤسس الجماعة ومرشدها الأول حسن البنا عندما رفض الاستجابة إلى مطالبهم واستخدم دهاءه التنظيمي وقدرته على المناورة إلى أن نجح في عزلهم ثم تفاوض معهم لمغادرة الجماعة بالحسنى في مقابل التنازل لهم عن مجلة النذير التي كانت تصدرها وبعض المال, فخرجوا وأنشأوا جماعة متشددة أطلقوا عليها جماعة شباب سيدنا محمد. وكان انشقاقهم مكسباً للجماعة لأنهم حاولوا شدها إلى الوراء بعكس ما يسعى إليه بعض شبابها الآن, ولذلك تخسر الجماعة كثيراً إذا لم تستوعب هذا الشباب الذي يتطلع إلى دور في تحديثها لتأخذ خطوات إلى الأمام تشتد حاجتها إليها, فما أبعد اليوم عن البارحة في قاعدة التنظيم الإخواني التي تفاعل قطاع لا بأس به فيها مع تيارات سياسية وتاريخية أخرى, وبلغ هذا التفاعل أعلى مبلغ خلال أيام ثورة 25 يناير التي اختلطت فيها دماء الجميع, ووقف شبان من الإخوان لحماية صلاة المسيحيين المشاركين في هذه الثورة مثلما تولى هؤلاء تأمين صلاة الجمعة في مشهد لا يمكن أن يترك أعمق الأثر في نفوس كل من كانوا جزءاً منه. ولأن شباب الإخوان أو قطاع كبير منهم أكثر تقدماً بكثير من أقرانهم قبل ثلاثة أرباع قرن, فهم يوفرون للجماعة قاعدة قوية للانطلاق نحو مرحلة جديدة يضطلع فيها حزب الحرية والعدالة بالدور السياسي لتركز الجماعة جهدها في دورها العام الدعوي والأخلاقي والثقافي والرياضي, على نحو يضع حداً لأي مخاوف من اختلاط السياسة والدين أو تداخلهما. * نقلاً عن "الأهرام" المصرية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل