المحتوى الرئيسى

الفارس الأسود

05/17 08:14

فجأة عاد الفارس لعالمه وعادت معه الطيور. كان راقداً فى فراش الموت، مُوقنا أنها النهاية. لكن عقله كان صافيا حتى اللحظة الأخيرة. لم يراوده شك فى أنه لا يتوهم وأن ما يراه الآن يحدث فى عالم الحقيقة. صحيح أنه تمنى أن يستوثق ممن حوله، ولكن الفارس لا يظهر إلا حينما يكون عاجزاً عن الكلام. ............... يذكرُ، حينما كان طفلاً صغيراً جداً، أنه كان يخاف من أباجورة موضوعة فى غرفة المكتب! هى عبارة عن قالب رخامى سميك أسود اللون. يقف عليه تمثال صغير الحجم، دقيق الصنعة لفارس رومانى يقف فوق عربة حربية ويرتدى تنّورة قصيرة. التمثال مطلىّ باللون الأسود ومصنوع من الفولاذ الصلب. رافعا ذراعيه، ملوّحا بقبضته الدقيقة ليقود جواداً أسود اللون، مصنوعاً من المعدن نفسه. يذكر أنه كان يدخل الغرفة وحيداً، ويقترب من التمثال بقامته القصيرة وعينيه الواسعتين الخائفتين، محدقاً فى ملامح الفارس الأسود بعناية: وجهه الجامد، ملامحه الدقيقة المنمنمة! وذلك الجواد الذى يرفع قائميه الأماميين لأعلى وكأنه يوشك على الانطلاق. كلها أشياء كانت تستثير مكامن مخاوفه العميقة، التى احتفظ بها لنفسه على عادة الأطفال. ............. هل كان حلما ما حدث؟! عقله يقول «نعم»، وقلبه يقول «لا». مستحيل أن يكون هذا حلما. كان حقيقيا أكثر من الحقيقة نفسها، ولذلك لم ينسه، رغم مرور الأعوام الكثيرة. كان فى غرفة المكتب ليلا يتأمل التمثال، ويفكر فيما يمكن أن يحدث لو دبت فيه الحياة. وفجأة، وجد سربا من الطيور تخرج من جانب قدمه وتوشك أن تصطدم بوجهه فى هياج. ثم رفرفت الطيور فى فضاء الغرفة، باحثة عن مخرج، لتصنع دوامات متتالية وتصطدم بالسقف بعنف وبلا مبالاة. تملكه الرعب، وأحس بأن الحياة تنسحب منه. وفجأة! حدثت المعجزة: دبت الحياة فى الفارس. طار بجواده الأسود فى فضاء الغرفة وراح يطارد الطيور، وكأنه ملاكه الحارس، الموكّل بحفظ الحياة. وبالفعل استجابت له الطيور وعادت فى خط منتظم إلى كاحل قدمه لتكمن فيه من جديد. .................. لم يقتنع أبدا بأنه كان يحلم. يذكر أنه ظل - لأعوام طويلة - يفحص قدمه بعناية، محاولا أن يفهم كيف استوعبت عظمة كاحله كل هذا العدد من الطيور! لماذا خرجت الطيور ولماذا عادت؟ هل هى الروح، كادت تفلت منه ثم عادت إليه؟! لا يدرى! هذه أسئلة ليست لها إجابات. ومر العمر دون أن ينسى هذه الذكرى. كبر مثلما يكبر أى شخص آخر، مرض مثلما يمرض أى شخص آخر، وها هو الآن يموت. وفجأة! شاهد أسراب الطيور تنطلق من مكمنها فى قدمه إلى فضاء الغرفة فى دوامات متتالية، باحثة عن مخرج. استشعر الرعب، ولكنه أحس بالطمأنينة حين شاهد، فجأة، الفارس والجواد. لكن الفارس بدا منطفئا هذه المرة. وأدرك أنه يموت حين شاهد الفارس ينظر فى عجز إلى أسراب الحمام، وهى تخرج من فتحة النافذة، ثم ترفرف فى الأفق البعيد. aymanguindy@yahoo.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل