المحتوى الرئيسى

القطاع الخاص و"الأجنبة"

05/17 06:44

صالح الشهوان يحدث التسرُّب من الوظائف في القطاع الخاص لأسباب عديدة، منها: الزعم بأن الموظف نفسه لم يبد التزاماً بالعمل، أو أن مَن وجهتهم وزارة العمل لم يتم استقبالهم بما يُوحي بالاستعداد لقبولهم، كما واجه آخرون ''التطفيش''، بالإيحاء لهم بعدم الكفاءة أو عدم الالتزام أو تدني الإنتاجية، كما لو أن هذه التهم الظالمة جينات وطنية، مع شديد الأسف!! إن النظر بإمعان وبموضوعية إلى الحجم الكبير من التسرُّب يكشف عن أنه مجرد تسريح غير مباشر يصح معه القول إن التسرُّب والتسريح في قطاعنا الخاص وجهان لعملة واحدة، هي انعدام شهية هذا القطاع للسعودة، التي نجم عنها على مدى العقود الماضية استمرار نمو البطالة وتآكل المهارة السعودية مقابل استمرار رفع كفاءة مهارات الوافدين وديمومة بقائهم ما يستحق عليه قطاعنا الخاص ''شهادة تقدير!!'' على نجاحه بامتياز في تحقيق ''السعودة'' بالمقلوب (استبدال ''السعودة'' بـ ''الأجنبة'') من خلال المثابرة على وضع العصي في دواليب سياسة السعودة ومراكمة العلعلات أمام جهود صندوق الموارد البشرية ما أسفر عن إنجاز مجد وجود (8 إلى 10) ملايين وافد، لا يفاقمون بطالة الذكور وإنما يفاقمون كذلك بطالة المرأة إلا في مجال أعمال هامشية يتم تجميلها بمسمى خدمات العملاء، في استغلال للصوت الأنثوي ليس إلا!! إن لسلوك قطاعنا الخاص هذا المسار سببا ظرفيا تواتر في اعوجاجه، ذلك أن معظم منشآت هذا القطاع، نشأت وترعرعت برعاية الدولة وعلى مشاريعها، وبالذات، منذ طفرة سبعينيات القرن الماضي، ولو قام باحث باستقصاء هذا الحشد من المنشآت لما وجد غير القلة الرواد من الرعيل الأول الذين باتوا أعلاما لا يحتاجون إلى شهادة أحد، فقد كانت مبادراتهم عصامية، وشملت في العمل تحت مظلتها منذ البدايات أبناء الوطن. هذه النشأة في كنف الدولة وعلى حسابها من خلال سهولة الحصول على الأعمال بمجرد الترخيص للمنشأة والتقدم للمناقصة دون خشية من صرامة في شروط التشغيل والصيانة وعقود المقاولات، بل بإغراء بأرباح سخية جدا إلى جانب جدار من الحماية والدعم هو ما جعل قطاعنا الخاص يدمن سهولة تدفق المال بين يديه ويدمن معها ''الأجنبة'' التي واكبت نشأته كضرورة لا مناص منها آنذاك غير أنه واظب على العض عليها بالنواجذ!! هذه الوضعية للقطاع الخاص لا تجعله يشبه أقرانه في العالم، ففي معظم الدول يلعب القطاع الخاص دورا جوهريا في بناء المواطن والوطن ويترجم امتنانه للدولة التي هيّأت له الملعب من بنية تحتية ونظامية بالتوطين لقوة العمل، أما قطاعنا فقد أدمن حضانة الدولة واستمر دلعه ودلاله عليها ما يتركه قابلا للتحلل والذوبان والانحسار متى توقفت الدولة عن إسناد مشاريعها إليه، بإسنادها بالكامل مثلا لشركات أجنبية.. إنه ـــ إذاً ـــ قطاع قائم فقط على استهلاك رأس المال العام، لم يفلح، بعد، في أن يقوم على دعائم الإنتاج الذاتي للتنمية وصناعة الاقتصاد الحقيقي وإنما ينتظر التمويل لكي ينتج، وهو لا ينتج في الغالب إلا الاستهلاكي العابر أو الخدمي بأقل قدر من التكاليف، خصوصاً تكاليف السعودة طبعا!! من هنا تمكن الإشارة إلى أن إطلاق صفة (الخاص) عليه لا يستقيم عملياً طالما هو رغم أربعين عاما من الدعم والإسناد ما زال قطاعاً هشاً يتهافت على العرضي وليس الجوهري من الاستثمار. ولأن هذا القطاع ظل يتمتع بزفة إعلامية، فقد صدق أنه صانع تنمية حقيقية وصار لا شعوريا يمارس التدلل ''الخاص'' على وطنه والدلع ''الخاص'' على دولته مستبسلا في التملص من مسؤولية (السعودة) ووجع الرأس منها إلى فردوس (الأجنبة)!! وإذا لم يكن الأمر كذلك.. فليقل لنا هذا القطاع أين كان؟ كيف نشأ وتكون؟ وليقل لنا أين يعمل 8 إلى 10 ملايين وافد أو معظمهم إن لم يكونوا من رعاياه؟! وكيف استمرت سجلات تأشيرات (الأجنبة) منذ أربعين عاما ترتفع إلى عنان السماء بينما سجلات (السعودة) بيت من الرمل، كلما بدا منه تكوين بسيط جاءت موجة تأشيرات عاتية فجرفته، وكلما وجهت وزارة العمل مواطنا لمنشأة أو ذهب إليها بنفسه قدمت له المنشأة كوكتيل التسرُّب بالتسريح، فارتفع ضجيج العجمة وخفت الفصيح!! *نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل