المحتوى الرئيسى

الانتقال الديمقراطي: هكذا نخرجُ عن النص لكي نتقيّد بالنص بقلم:محمد الحمّار

05/17 00:29

تفاعُلا مع اندهاشي من أنّ العرب لم يُحرّكوا ساكنا أمام التدخل الأجنبي في الشأن الداخلي والعربي بليبيا، قال لي ناشط ينتمي إلى واحد من قرابة السبعين حزبا سياسيا التي تعُدها تونس اليوم (قبل شهرين ونيف من موعد أول انتخابات ديمقراطية في البلاد):" نحن منشغلون بالوضع في بلادنا؛ والمصريون منشغلون بالوضع في بلادهم. لقد أخذنا التدخل الذي تتحدث عنه حضرتك على حين غرة بينما الزمن يداهمنا هنا وهناك." لم أهمس ببنت شفة لأردّ على هذا التصريح المنكمش في النص الحضاري و لا على صاحبه الغارق في مِعجن الديمقراطية الفتية. فبالنسبة لي كمعلم لغة، على الأقل، خيرتُ أن أفحص كلام الناشط من الزاوية العلمية لأبيّن الخطأ فيه. وهذا يتطلب برأيي خروجا عن النص وتجاوزا للذهنية العربية السائدة. فالعلم التجريبي عامة و علوم التربية خاصة لا تخلو من المقاربات التي تتجاوز عامل ضيق الوقت بل وتقاومها بصفة مُمَنهجة، وتتجاوز عامل الكثافة في المادة المعنية بالتعلم، سواء أكانت هذه المادة مدرسية (لغة، إنسانيات، اجتماعيات إلى غير ذلك) أم اجتماعية (البر والإحسان أو الإسعاف على سبيل المثال) أم سياسية وحضارية مثل مسألة مقاومة التدخل الأجنبي في الشأن الداخلي لبلد عربي مسلم. وبالنسبة لي كعربي أشترك مع الشعب الليبي في الجورة وفي اللغة وفي الدين بالأساس، وفي التاريخ وفي الثقافة وفي الرهانات الحضارية وفي التحديات الحاضرة والمستقبلية، لا يسعني إلا أن أصنف أية فكرة يتكأ عليها فرد أو مجتمع عربي لتبرير السكوت عن عملية مثل التي يقوم بها الحلف الأطلسي في ليبيا الآن في خانة الذرائع التي ما زال العرب ينتجونها، لا لشيء سوى للتعبير عن عدم نديتهم مع الأمم المتقدمة. ما الحل؟ كيف يمكن استخدام مقاربات العلم التجريبي في إنقاذ ليبيا والبلاد العربية والإسلام وإفريقيا والعالم الثالث وجنوب العالم والعالم بأسره من الإذعان للغة العصا ولأحكام البطش ولسياسات الأمر المقضي وللنفاق الحضاري؟ كيف يمكن الانتفاع بهذه المقاربات لرفع المهانة التي يسلطها الشعب العربي على نفسه ومجابهة قابليته التاريخية لأن تنطلي علية الحيل ولو كان ذلك باسم الديمقراطية؟ كيف يساعد المثقف العربي شعبه على نيل الاستقلال عن اللغة التي تريد العالمية الجديدة، بعولمتها وبما يزعمون أنه نظامها الجديد، تكريسها لدينا جميعا: اللغة التي تساند الشعوب العربية في مقاومتها لطاغية مثل القذافي، وهي في نفس الوقت تمرّر فكرة لزوم السكوت عن التدخل الأجنبي في الشأن العربي؟ ألَم نَحْضَ بعدُ بالندية مع الغرب التي تخول لنا الاضطلاع بالحقيقة و قلب الموازين من أجل تكيس العدل والحق؟ لا تقاوَم اللغة الرديئة إلا باللغة السليمة. إنّ بيداغوجيا الإدماج واحدة من مقاربات الحل. والتعاونية واحدة من منهجيات الحل. والتواصلية وجه من وجوه الحل. والتداولية واحد من أساليب الحل. والوظيفية واحد من جوانب الحل. ونظرية التوليد والتحويل لنعوم تشومسكي وأتباعه إنما هي واحد من المحركات الأساس لتجسيد الحل. ونعوم تشومسكي نفسه، فضلا عن التوظيف العلمي لنظرياته، تجسيد إنساني حيّ لجدوى تلكم المقاربات إجمالا. إن تشومسكي اليهودي المناهض لدسائس يهود إسرائيل، وتشومسكي الأمريكي المكافح ضد الجبروت الإيديولوجي الأمريكي، يبرهن من حيث لا يقصد (إذ إنه يعبر عن مواقفه من منطلق إنساني فحسب، لا علمي ولا عقدي)، يوما بعد يوم، عن فعالية البعد التحرري لتلكم المقاربات ذات المنحى الفطري. فالعلم الذي يستبطنه هذا الناشط الإنساني النابغة تجاوز حدود العلم، وحتى حدود صاحب العلم نفسه، ليتحول بفضل نفس الآلية التي يفرضها هذا العلم إلى دين عالمي منقذ من الهلاك العالمي. لكنّ نعوم تشومسكي ليس عربيا وليس مسلما حتى يمرّ من طور المناصرة العقلانية والموضوعية للقضايا العالمية العادلة (فلسطين والعراق وليبيا وغيرهما) إلى طور الاجتهاد والجهاد الحضاري والمساندة العاطفية المقوية والمغذية للواعز الموضوعي والعلمي إزاء قضايا العرب والمسلمين. إنما لو كان نعوم تشومسكي أنت أو أنا، أو الناشط الذي منحني هذه الفرصة بإدلائه لي بدلوه الغارق، لقال: " إجمالا إنّ الشعب العربي في تونس والشعب العربي في مصر والشعب العربي كله لا يتمتع بالعقل التعددي اللازم لتجسيد قيم تتطلبها الديمقراطية مثل قبول حق الاختلاف واحترام الرأي المخالف وغيرهما. تأملوا مليا في المشهد الراهن والسائد منذ الثورة في هاذين البلدين، وستتبينوا مما يلي: إذا ما أضربت مجموعة عن العمل من أجل نيل حق مهني، كان الإضراب هو الشكل الأوحد للنضال. وإذا ما اعتصمت مجموعة للمطالبة بحقوق منتزعة، كان الاعتصام هو الشكل الأوحد للكفاح. وإن حدث انفلات أمني فحتى الأداء الفكري ينفلت ليتسبب في نوع من الغثيان التعبيري. وفي المقابل، إذا الليل راح والأمن لاح والديك صاح، سكتت شهرزاد (حتى) عن الكلام المباح، وبقي شهريار متعطشا لغد أفضل. هذا التغيير المفاجئ في النسق الفكري والتعبيري الشعبي باتجاه الهبوط مؤشرٌ خطير على أزمة في العقل المجتمعي، فكرا ولغة. والدليل أنّ المواطن المحروم من الكفاءة في التفكير الحر والتعبير الحر سرعان ما يجد لنفسه ملاذا جماعيا: إذا ما فتحت الدكاكين أبوابها للتبضع واقتناء الكماليات بعد انفراج أزمة أمنية ، كان التبضع (أو ارتياد المقاهي أو احتساء النرغيلة وما إلى ذلك) الأسلوب الأمثل للتعبير، لكأنّ المجتمع صار مولِّدا للرغبة في الهروب من الثورة؛ للالتفاف الذاتي على الثورة، حتى لا يُلام على افتقاره إلى السيطرة على العقل وإلى تجسيد حرياته. وهذه ذروة القابلية للاستقطاب الثنائي في السياسة: كلا القطبين (عادة واحد يميني إسلاموي والآخر يساري علماني وحداثوي) يتقاسمان الوجهين الاثنين (لا ثالث لهما، بينما الأغلبية الصامتة تبقى غير ممثلة) اللذَين توفرُهُما لكلاهما الذهنيةُ الهشة، النخبوية والشعبية على حدٍّ سواء؛ واحد يجسم الخنوع والركود والمحافظة والآخر يجسم الثورة الهلامية والشعاراتية؛ وكل قطب يعتاش من سلبيات الآخر بغير أيّ تفاعل إيجابي معه. والعجيب في كل ذلك أنه إذا ما بادر صوتٌ أو فئة سياسية أو نفرٌ شعبي بضرورة التنديد بالتدخل الأجنبي في الشأن العربي في ليبيا وبالعمل على إجلاء القوى الأجنبية من الأراضي المغاربية والعربية، لا لشيء سوى لأنّ الثورة العربية أكسبت العرب كافة شرعية جديدة، شرعية الندية في التعامل مع الديمقراطيات التقليدية للأمم المتحضرة، كان النداء بمثل هذه الفريضة المعاصرة آخر شكل من أشكال المقاومة الحضارية يتمّ التفكير فيه، إن حدث فعلُ التفكير أصلا. هل أن استبعاد هذا الشكل النبيل من التواجد على الساحة السياسية العالمية من طرف العرب والمسلمين مرده الاعتقاد أنه لا يخدم لا من بعيد ولا من قريب مسألة التحرر ومسألة الانتقال الديمقراطي المرتبطة به عضويا؟ إن كان هذا هو الاعتقاد السائد، وأعتقد أنه كذلك، فالأمر يضاعف الخطورة الحاصلة في مستوى البنى الذهنية الذاتية لتكتسح المجال الوجودي والاستراتيجي ، كما سأبين في ما يلي. كل بيداغوجيا وكل تصميم وكل خطة تحتاج إلى غاية نهائية وإلى أهداف جانبية تدعم الوصول إلى الغاية. وافتراضا أنّ مسألة التحرر الوطني والانتقال الديمقراطي درس، وهي درس، أتساءل ما هي الغاية النهائية من وراء إنجاز هذا الدرس من طرف طلبة عرب ومسلمين. هل هي الانتخابات؟ هل هي تشكيل مجلس تأسيسي؟ هل هي تحرير دستور جديد للبلاد؟ هل هي الترخيص لعشرات الصحف والمجلات بالصدور؟ هل هي مضاعفة أعداد الأحزاب السياسية؟ هل هي السماح لعشرات الجمعيات المحلية بالتكوّن؟ أم هي ماذا؟ قد يُتقبّل كلامي من باب المباغتة أو الإسقاط لو قلتُ إنّ العقيدة الإسلامية تلعب دورا مركزيا في تشكيل الحل، لو قلتُ إنّ الأمر يستلزم مراجعة للخلفية العقدية، بالإضافة طبعا إلى الخلفية اللغوية، للعقلية العربية المسلمة، لكي نحاول فهم ما يجري في الواقع المعيش من خلال مجهر العقيدة الدينية. لكن فلنحاول ولنرَ. في هذا السياق، سياق البحث عن الحل في واجهتَي الدين واللغة، أعتقد أنّ تلافي التعقيد في حياتنا يستوجب من باب أولى وأحرى وضع الكلمتين "المفتاح" في الميزان وفي صدارة الاهتمامات وفي باب الأولويات الغاياتية: العربية والإسلام. وقد يكون، مع هذا، من باب السهل الممتنع الزعم بأن الارتقاء بالجهاز اللغوي بأكمله، وما اللغة العربية إلا بطانته البديهية، مع توظيف عقيدة التوحيد الإسلامية، كعقيدة علم وتوحيد علمي، في المسيرة الثورية الآن، يشكلان معا غاية الغايات، وهي عبادة الله عز وعلا؛ "وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون" (سورة الذاريات: 56). وتتراءى العبادة في هذا المضمار، مضمار إدماج الغاية التحررية الآنية في صميم الغاية التعبدية الأصلية، على النحو التالي: أ. للاضطلاع بالاستخلاف: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفةٌ" (سورة البقرة: 30). ب. على وتيرة الكدح: " يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كاَدِحٌ إلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقيه " (سورة الانشقاق: 6). ج. بالانتفاع باللغة والعلم الذي تنطوي عليه، وهي رحمة منه عز وجلّ لتيسير العبادة للناس: "الرّحمانُ عَلَّمَ القُرآنَ خَلَقَ الإِنْسَانَ عَلَّمَهُ البَيَان" (سورة الرحمن: 1-4)؛ "وعَلّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (سورة البقرة: 31). والسؤال المحير: أين نحن من نظام الغائية السامي؟ وهل ينبغي أن يكون العربي مسلما و مؤمنا دون سواه من البشر المنتمين إلى نفس الثقافة أو حتى إلى ثقافة الحق عموما، ليجسّد غاية الحق ؟ في سياق إجابة مباشرة عن هذه التساؤلات، تستغني عن كثير من التعليل والتفسير، فإنّ ما يمليه عليّ العقل اللغوي القائل بأهمية الغاية وبمكانة الأهداف في أية مقاربة ميدانية لمشكلاتنا، من باب أولى المشكلة التحررية و الديمقراطية المطروحة الآن، أنّ رداءة وسلبية الموقف العربي العام إزاء مخاطر حقيقية تهدد حاضره ومستقبله مثل قضية التدخل الأجنبي في ليبيا وفي غيرها من البلدان العربية، تعود إلى تعلق النخب، ومن ورائها الشعوب الثائرة، باستحقاقات مثل انتخابات المجلس التأسيسي وتحرير دستور جديد وانتخاب سلطة تشريعية وأخرى تنفيذية، مع تعنتهم في عدم إيلاء غاية الغايات أية عناية تذكر. أليست الحريات، فضلا عن تلك التي تعنى بالقوت وبضمان الوجود البيولوجي مثل المأكل والمشرب والملبس والمسكن، وأعني تلك التي تعنى بالرأي وبالتعبير وبالتجمّع وبالتحرك من أجل الذود على الحي وعلى الإقليم وعلى المنطقة وعلى المدينة وعلى الوطن والشعب وعلى الأمة، وبحقوق مدنية مختلفة، حرياتٍ نابعة من وضعية الاستخلاف، بالرغم من كونها في معظمها مفاهيم محددة في العصر الحديث؟ أليست بالتالي حرياتٍ دعا الله سبحانه، بصفة أو بأخرى، كل الناس لممارستها؟ فهل صارت هذه الحريات من الكماليات بالمقارنة مع تلكم الإجراءات التي يتطلبها الانتقال الديمقراطي، حتى لا يوليها الشعب المكانة اللائقة بها في الوعي وفي العقل؟ هل الغاية الحرياتية استحقاق مشروط بتحقيق الاستحقاق الإجرائي والأداتي أم أنّ التمشي الثوري، وهو يكرّس هذا الشرط، مقلوب على رأسه ولا بد أن يستوي على قدميه؟ إذا كان الأمر الأول هو الأصح فهو الالتفاف الذاتي على الديمقراطية، إلى جانب الالتفاف الذاتي على الثورة. إذن لا مجال للشك في لزومية الانقلاب المنهجي إذا ما أردنا مواصلة السيرورة الثورية بكل تؤدة لكن بكل أمان وبكل ثقة في النفس. والندية التي منحتنا لنا الثورة من شانها أن تكون دافعا سيكولوجيا هاما لإنجاز الانقلاب في مجال المعادلة بين الحريات والإجراءات. وحرية الاستخلاف، وهي حق وواجب، يمكن أن يتم تصريفها إلى جملة من الأهداف يقع تشكيلها بعد التأكد من قابلية الطرف المتحضر الآخر (الغازي و"المساعد" ) للتعامل معنا في المواد التي ضُبطت الأهداف إزاءها. وفي ما يلي أمثلة على ذلك، على سبيل الذكر لا الحصر: - الغرب المتحضر، من باب أحرى، فقدَ مصداقيته لدينا بخصوص أطروحاته "الخيرية" و"الإنقاذية" و"الدفاعية". وهذا بحدّ ذاته عجز يستوجب التحرك السريع وذلك برسم غاية المساعدة على العلاج منه في صلب مخطط متكامل. - العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الغرب لم تعُد ديمقراطية (طالما أنّ في كذا حرب ضد العرب والمسلمين ترى الرأي العام في البلدان المتقدمة في واد وقرارات الحاكم في واد). وهذا بحد ذاته انصراف عن الغاية السامية من إرساء الحكم الديمقراطي عموما، ناهيك الحكم الديمقراطي الفتي الذي نؤسس له؛ يمكننا أن نساعدهم على تصحيح هذه العلاقة وتطويرها وذلك بفضل عناصر من ثقافتنا أو بفضل منهجية ملائمة. كما أنه لا مناص من استبطان تلكم الأهداف و تصريفها في كل مراحل الجهاد الحضاري. بالموازاة مع ذلك ستتكوّن لغة تستسيغ القيم المنبثقة من عقيدة الاستخلاف وتستسيغ الأهداف المتعلقة بها، ممّا يسمح للنسيج النضالي للثورة أن يكون صلبا صلابة العلم. وهذا يجعل من الحدث الثوري أمرا تفضه قوة العلم لا مجرد خيار إيديولوجي ينمّ عن نزوة سياسية أو حتى عن حاجة سياسية ظرفية. وغياب الغاية والأهداف هو المتسبب الرئيس في الشغور الحاصل في العقل المجتمعي عموما وفي العقل اللغوي على وجه الخصوص. وهذه هي العلة التي تبرر انفصال المسائل الإجرائية (انتخابات؛ أحزاب؛ قانونية المراسيم؛ شرعية الهيئات)عن المسائل الجوهرية، الإيديولوجية منها والإستراتيجية والفكرية والأخلاقية والروحية من صنف " ماذا يفعل الأجنبي في ليبيا الآن؟" أو "كيف يقع السماح للفكر اليميني المعتاش من عرق جبين المستضعفين أن يعتاش من الإسلام بالأساس ليضمه إلى آليات القمع والقهر والظلم؟". كما أنّ غياب الغاية والأهداف علة تبرر انفصال المشكلات عن بعضها بعضا، وبالتالي انفصال أشكال النضال عن بعضها بعضا دون أن ننسى العجز لدى الشخص الواحد عن تناول مشكلة ما في أبعادها المتعددة، أو عن تناول بُعد واحد للمشكلة بفضل ربطه بالضرورة بسائر الأبعاد. هنا ينبغي أن تتدخل التقنيات الألسنية المعروضة أنفا، بالمشاركة مع تقنيات العلوم العقلية، لكي تساعد الفرد والمجتمع على التدارك واستعادة التوازن بين الغاية والأهداف والوسائل والأغراض والمضامين بعضها مع بعض. وستكون النتيجة من جهة أن يتجلى (تلك)الكثرة في المشهد الواحد (مشهد المشكلة أو القضية؛ وهو توحيد علمي لا أخاله منفصلا عن التوحيد العقدي، ولو أنه قابل للإنجاز باستقلالية عن العقيدة)، ومن جهة أخرى أن يتجلى الواحد في الكثرة. عندئذ تكون منابع الخلاف قد جُففت وحَلت محلها، بعد تطهيرها، منابعُ الاختلاف وقبول الرأي المخالف. على الصعيد اللغوي الصرف، أي الأداء اللغوي، سوف يكون للتدارك التنظيمي للعقل ما يتناظر معه من تدارك في مستوى الكلام والمخاطبة والتعبير الشفوي والكتابي. كما سيكون للتوازن العاطفي والعقلي، الناتج عن التدارك، ما يتناظر معه من لغة (عربية وغير عربية) مُتقنة أيّما إتقان. فاللغة كائن حي يتأثر بالانحطاط العقلي كما يتأثر برُقيّه. وإذا كان العرب غير مُوَفقين اليوم لا في النطق بلغة عربية موغلة في التراث وفي الحداثة في نفس الوقت، ولا في النطق بلسان أجنبي يعبّر عن الشخصية الأهلية والأصلية، فالعلاج لا يستدعي التغيير في مناهج تعليم تلك اللغات بقدر ما يحتاج إلى ثورة عقلية من صنف إعادة ترتيب جذرية لآليات العقل مثلما شرحتُ أعلاه. في سياق الواقع الحالي والذي يستوجب إنقاذ المد التحرري والانتقال الديمقراطي معا، اليد في اليد، يمكن أن نستنتج أنّ تكامل العقل اللغوي مع العقل المجتمعي أمر تفرضه كل القوى، علمية كانت أم عاطفية. وعلى النخب المعنية بقيادة الثورة في وجهتها الجديدة، أولا أن تكون قادرة على تولي مهمة الإشراف التحرري إلى جانب مهمة الانتقال الديمقراطي التي ذهبت فيها أشواطا. وإن تعذر الجمع بين المهمتين في هيئة واحدة فليس هنالك من خيار سوى التشريك الفوري لمناضلين في مجال التحرر والحريات تتميز بالمهارة البيداغوجية والتواصلية التي تؤهلها لإتمام ما شرع فيه مناضلون في مجال الانتقال الديمقراطي. بكلام آخر يتمثل التكامل في الأداء التربوي، التحرري والديمقراطي، في أن تُخضعَ النخبُ الأفرادَ والمجموعات إلى تدريب على اكتساب قدرات متعددة من أخطرها أذكر: - التفكير في الغاية والأهداف حتى تتضح وسائل أخرى تضاف إلى الوسائل المجردة من سياقها العام (انتخاب- أحزاب- دستور وما إلى ذلك). - المرور من طور الإدماج تارة (إدماج أكبر عدد ممكن من العناصر في المسألة الواحدة) إلى طور التخصص تارة أخرى، وبكل سلاسة وسيولة. - القبول بالتناوب في إنجاز الأعمال المتخصصة والقبول بتغيير المواقع والمراكز والأدوار بكل رشاقة. وهل من قدرة مُثلى يتوجب اكتسابها من طرف الفرد العربي والمجتمع العربي، الآن وقبل أي وقت مضى، غير القدرة على الإحساس بأنه عربي ومسلم وديمقراطي في الآن ذاته؟ وهل من قدرة مُثلى من المفترض أن تستأثر باهتمام العرب كافة في هذا الظرف الحساس غير القدرة على إنجاز مشروع وجودي عربي خالٍ من التدخل الأجنبي، تقيّدا بالنص الحضاري؟" محمد الحمّار الاجتهاد الثالث، اللغوي

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل