المحتوى الرئيسى

أوقفوهم لمصلحة الوطن

05/16 21:45

بقلم: عزة مختار هكذا هو الحال في الثورات والحروب والكوارث، تُخْرِج أفضل ما في الشعوب، وكذلك تُخرج أسوأ ما فيها، وقد أظهرت الثورة المصرية أروع ما في الشعب المصري، وقد رأينا ذلك جميعًا فيما تحدث عنه كلُّ من رآه في ميدان التحرير وكلِّ ميادين وشوارع مصر، والتي شهدت فعاليات الثورة المجيدة من تلاحم بين كلِّ أطياف الشعب المصري غني وفقير، مثقف وغير مثقف، مسلم ومسيحي، كان من الصعب أن تفرق بين أحدهم أو تميز بينهم، الكلُّ يد واحدة في مواجهة الطغيان والظلم، ثم انظر إلى الفرق الشعبية التي تشكلت ببراعة وكأنه شعب مدرب على أن يدافع عن نفسه بأخلاقه وشهامته المصرية الأصيلة، والتي كنا نحسب أنها قد تلاشت مع جملة أشياء جميلة ذهب بها النظام البائد، وخلف فينا جملة أخلاق ظننا أنها قد ترسَّخت فينا، صفات الأنانية والضعف وعدم الانتماء.   الكل كان كالجسد الواحد، الجار يحرس بيت جاره، واللقمة يقتسمها العديد من الأصدقاء، تلاحم عجيب وأخلاق رائعة وشباب ضرب المثل في الشجاعة والصبر والانتماء وحب الوطن، وقد حاول الكثيرون عبر حقب متتالية نزع تلك النزعة من داخل الشباب المصري إلا أنه انتصر، وأعاد لنا الأمل في غد أفضل من اليوم والأمس، ووقف العالم كله ينظر لشموخ المصري الذي كنا نسمع عنه يومًا وما رأيناه سوى اليوم.   ولكن وللأسف فإلى جانب ذلك المشهد الرائع، وكما قلنا إن الثورات كما تُخرج أفضل ما فينا فهي تُخرج أسوأ ما فينا.   فقد ظهرت تلك الفئة الباغية من جديد في أثواب أخرى، إنهم مصاصو الدماء، فبينما ينشغل الجميع فيما هو آتٍ من إيجاد مخرج للمشكلات المتراكمة، والتي جمدها النظام الفاشي فورثناها رغمًا عنا، تركة ثقيلة تنوء بحملها الدول والأمم، بينما الشعب منشغل بذلك فتجد أن هؤلاء يتاجرون بدماء ذلك الشعب الذي طالما ظُلم وتحمَّل، ونجد مَن يسرق من قوت الشعب وأرزاقه ليهربها عبر طرق ملتوية وبحيرات وعرة في مراكب صيد من المفترض أنها تجلب الخير للناس ولا تسرقه منهم، يُهَرِّبون الغذاء المدعم، ويُهَرِّبُون السولار والبنزين والمنتجات البترولية إلى السفن الأجنبية القابعة في مياه البحر مقابل حفنة دولارات، وتضيع على الدولة الوليدة الملايين، وتضيع على الفقراء حقهم في الحصول على رغيف خبز يكفيهم ويكفي أبناءهم، ولمن يريد أن يعرف مكانهم فهناك عبر بحيرات مصر المتصلة بالبحر المتوسط أصحاب الأفران الذين يتسلمون الدقيق الذي تدعمه الدولة، والذي من المفترض أيضًا أنه يصل لأيدي المصريين بسهولة ويسر نجدهم بكلِّ جشع يبيعونه في السوق السوداء بأضعاف ثمنه غير مبالٍ بظروف بلده وظروف شعب ضحى بدماء أبنائه في سبيل حرية الوطن، وفي سبيل أن يعيش هو وغيره في كرامة، وأن يجدوا لقمة عيش بعزة نفس.   أولئك الذين يسمون بالبلطجية والذين رباهم الحزب الوطني لسنوات على يده وعينه كي يرعبوا ذلك الشعب الطيب، وكي يستخدموهم في الانتخابات فيمنعوا الشعب من التصويت أصلاً، ثم تجد أذرعهم الخبيثة الممتدة بكلِّ سوء إلى الشعب المصري، نجدهم الآن وقد تطاولوا فيقطعون الطرق، ويروِّعُون الآمنين دون مراعاة لعرف أو شرع أو دين.   أصحاب الأراضي الزراعية، فبينما ما زالت مصر تستورد القمح الذي نعيش عليه يوم بيوم بل وأكثر السلع التي لا غنى عنها للبيت المصري فنجد ابتلاع آلاف الأفدنة المزروعة فعلاً، واستغلال الظرف القائم في ظلِّ الغياب الأمني، وغياب الرقابة، فتُبتلع الأرض الزراعية والتي يعيش على خيرها الملايين في البناء عليها، دون مراعاة لأي خلق، ودون رحمة بشعب أو بوطن، ويكفي أن تسير بالسيارة على أي طريق زراعي لتجد ذلك المنظر المرعب من تآكل للأرض الخضراء بغابة من المباني القبيحة، كالوحش المفترس الذي يأكل الأخضر واليابس، وكذلك في ظلِّ غيبة أمنية بيد الحزب الوطني وأذنابه لا بيد الشعب المطحون.   وقد صدق القائل: إذا رأيت مصيبة منها الفؤاد يتفتت فابحث عنها فإنها من الحزب الوطني تأتت التجار الجشعين الذين يستغلون حاجة الشعب فيتلاعبون بالأسعار، وهناك الأكثر رعبًا والأكثر خسةً، إنهم أولئك الذين يلعبون برءوس الشباب وصحتهم فيجلبون الكثير من المخدرات، وأصبح تداولها اليوم في الشوارع علانية من شباب وأطفال في عمر الزهور على المواقف العامة وأمام المدارس الثانوية وربما في الفصول الدراسية، يكفي أن تريدها فقط وسوف تحصل عليها بأبخس الأسعار وأيسر سبيل، اذهب إن شئت إلى الحدائق العامة لترى بنفسك، وأيضًا كل هذا في ظلِّ غياب أمني غريب.   رجال الشرطة الذين تلاعب بهم النظام السابق واستخدمهم بدلاً من حفظ أمن الدولة والشعب استخدمهم في حفظ أمنه هو، وحفظ سرقاته هو، ويسر له ضرب الشعب وإذلاله، ولم يكونوا سوى سياط في أيدي الطاغية يضرب بهم من شاء، وحَوَّلَهم إلى أعداء للشعب، فأصبح اسم مركز الشرطة يدب الرعب في قلوب المظلومين والمطحونين، وأصبح صاحب الحق كالجاني إن لم يكن له واسطة أو معرفة مِن المخبرين والصولات، وأصبح ضابط الشرطة يُمَثِّل العدو الأول على الطرق السريعة إذا وقعت في يده في كمين أو أنه لم يعجب سيادته شكلك، فويلك ثم ويلك، ثم نجدهم وللحظة الأخيرة مصرين على أن يكونوا لعبة في يد نظام انتهى، وكأنهم قد جُبلوا على أن يكونوا أعداءً للشعب دون مراعاة كذلك للظروف، ودون محاولة للتغيير من أنفسهم بدافع لله ثم للوطن ثم للتاريخ، والذي يسطر صفحات جديدة اليوم، ويسجل من طوائف الشعب الذي ساهم في بناء حضارة جديدة وشارك في إنقاذ الأمة، ومَن منهم سقط مع مَن سقط، أليس من هؤلاء رجل رشيد يقف وقفة بطولة كالتي وقفتها قواتنا المسلحة العريقة الأبية الشريفة، والتي كانت لها اليد الطولى في الحفاظ على مكتسبات المصريين من الثورة العظيمة، أليس منهم رجل رشيد ينظر بعين الحب والإجلال لوطن ينفض عن كاهله ميراث سنوات من الجمود والتخلف والمرض والجهل، وها هي يدي ممتدة بالخير، ولنفتح صفحة جديدة، آملين أن نخرج من ذلك المنحنى بالوطن إلى أمان.   أليس منهم رجل رشيد يعترف بأن الطريق الذي اتخذوه والجانب الذي ساندوه كان الجانب الخطأ، وبأن الشعوب هي الأبقى، وأنهم على أقل تقدير يتقاضون رواتبهم من تلك الضرائب التي يدفعها الشعب من قوته وعرقه كي يحميهم هم وليس سلطانهم ومغتصبهم.   أليس منهم رجل رشيد تأخذه الحمية للدين والأعراض والوطن والشرف فيقول كفانا عارًا أن ننسحب من الساحة في الوقت الذي يحتاج فيه إلينا الوطن؟   وهناك صنف آخر من الناس أحب أن أذكرهم وأختم بهم لأهميتهم، إنهم أصحاب الأقلام المسمومة، والذين يحبون الاصطياد في المياه الراكدة، إنهم المتلونون الآكلون على كل الموائد، إنهم الذين يدسون السمَّ في العسل بكلماتهم وأقلامهم، والذين يحسنون توظيفها تبعًا لأغراضهم الخبيثة، فتراهم يفتعلون المشاحنات ويحسنون صناعة المؤامرات والشائعات التي تخل بالأمن العام، وتثير البلبلة في صفوف العامة، فيرى الناظر أنه لا أمل، وأن أيام النظام البائد كانت أفضل بالاستقرار الكاذب الذي كان يصدعنا به، لا تجدهم يتقون الله في كلماتهم الكاذبة، باحثين عن الأخبار المغلوطة، وتسليط الضوء على كلِّ ما يثير الفتن، وربما هم مَن يقوموا بصناعتها.   تلك هي القائمة السوداء، وربما غيرها ما لم أستطع حصره التي لن ينسى لهم الشعب المصري الطيب وقفتهم، ولن يغفر لهم التاريخ، ولن تغفر لهم الأجيال القادمة، أما عن القوات المسلحة الباسلة والمسئولين فيجب أن يكون لهم مع هؤلاء شأن آخر، فلا تصالح ولا رحمة لمن لم يتب، لا تصالح مع الخائن للوطن خاصةً في تلك الظروف القاسية، والتي يجب أن تتضافر فيها كل الجهود للعبور إلى برِّ السلام، لا تصالح مع مَن يتاجروا بالدماء في وقت قد بُذلت فيه عزة وكرامة وتضحيات نفوس طاهرة.   لا تصالح طالما أنهم مصرُّون على التخريب وإفساد ما يحاول الشرفاء إصلاحه، إنها ثورة لا تقبل الحلول الوسط وإرضاء جميع الأطراف، وإنما التعامل يكون باختيار الحلول الجذرية واقتلاع كلِّ مظاهر الفساد والإفساد، ولن يتسامح الشعب ولن يتسامح التاريخ ولن تتسامح الدماء التي أهدرت في سبيل عزة الوطن وشرفه، لا تصالح مع من أهان مصر وشعبها طالما أنهم لم يتوبوا ولم يعودوا ولم يصلحوا ولم يعترفوا، لا تصالح إذا أردنا النجاة لوطننا الغالي.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل