المحتوى الرئيسى

> حين يأسرك الصوت

05/16 21:06

لست متأكدًا إذا كانوا قد احتفلوا بذكراه كما يفعلون كل عام أم لا؛ فأنا لا أشاهد التليفزيون بشكل منتظم منذ فترة، ولا أستمع للراديو منذ عدة شهور! ورغم أني عادة ما أترقب حلول ذكراه حتي تتذكره الإذاعة وتزيد من فترة إذاعة أغانيه، أو يتذكره التليفزيون فيعرض أحد أفلامه القديمة أو جزءًا من برنامج عنه، إلا أني فوجئت أن الإيقاع المتسارع للأحداث في مصر قد شغلني فلم أتذكره إلا عندما رأيت صورته وخبرًا عن احتفال منتدي "سماعي للطرب العربي الأصيل" بمرور عشرين عامًا علي وفاته. أقصد بالطبع موسيقار الأجيال "محمد عبدالوهاب"! عشرون عامًا ! أذكر يوم وفاته وكأنه كان بالأمس! كنت أستعد ذلك العام لاستخراج بطاقتي الشخصية الأولي.. ها أنا أخطو إلي عتبات الشباب عاشقًا للقراءة والشعر وأغاني منير وعلي الحجَّار ومن قبلهما حليم، معجبًا بأغاني حميد الشاعري وعلاء عبدالخالق، مع إحساس بالاحترام والقبول دون ولع بأم كلثوم وعبدالوهاب. كنت أشاهد أفلامه القليلة التي تذاع بشكل متكرر في التليفزيون: "رصاصة في القلب"، "يوم سعيد"، "يحيا الحب" معجبًا بأغانيه والإيقاع المتأني لأفلام تلك الفترة والذي كان يثير حفيظة وسخرية أصدقائي المتحمسين لإيقاع أغاني عمرو دياب وعلي حميده في توزيعات حميد الشاعري وتابعيه الضاجَّة بالتصفيق الإليكتروني! كانت هذه الأفلام هي نافذتي الرئيسية التي أطل منها علي أغاني عبدالوهاب في زمن لم يكن للتليفزيون فيه غير ثلاث قنوات، حتي الراديو لم يكن يذيع من أغانيه سوي القليل في الأوقات القليلة التي كنت أستمع فيها له، لم تكن هناك إذاعة للأغاني ولم يكن هناك انترنت تستطيع أن تصل من خلاله إلي معظم أغانيه ونوادره وتسجيلاته، ولم يكن شراء ألبوماته متاحًا إذ كنت أفضل أن أشتري ألبومًُا لعلي الحجَّار أو منير إذا توافر ثمنه أصلا! لا اذكر بالتحديد متي وقعت في هوي صوته، لكني أذكر الحادثة نفسها. كنت أشتري شيئًا من بائع خضار في سوق الحضرة القبلية حيث كنت أقيم حين انبعث صوته من راديو علي عربة الرجل مغنيا "كان أجمل يوم يوم ما شكالي.." سرحت مع الصوت والأغنية، وتلكأت قليلا عند الرجل حتي استمعت إلي الأغنية كلها تقريبًا، وسرت أدندن سعيدًا منتشيا. قبلها أو بعدها بقليل كانت أغنية "من غير ليه" قد خرجت للنور في ضجة إعلامية كبيرة (بمقاييس ذلك الوقت) شارك فيها عبدالوهاب بنفسه عندما ظهر في لقاء مُطوَّل مع مفيد فوزي ليرد علي أسئلته بهدوء وتيقظ وخفة دم ملحوظة تجلت في تصوير لإحدي بروفات الأغنية يوقفه عبدالوهاب فجأة طالبًا الإعادة ومتلاطفا مع الموسيقيين: "جاتنا نيلة وستين نيلة في خيبتنا!" قبل أن نعرف أن الموضوع كله كان تمثيلا، وأن الأغنية قد سُجلت في الاستديو بالموسيقي فقط مصحوبة بصوت عبدالوهاب المُسجَّل منذ السبعينيات أثناء إعداده اللحن لعبدالحليم قبل وفاته! لم أحب تلك الأغنية أبدًا خاصة بعد أن غناها عدد من المطربين الكبار والصغار في فورة استغلال لنجاح آخر أغنيات المطرب الذي يتحدي قوانين الزمن والإبداع! ولكني تعجبت تمامًا حين خرج نفر من المتطرفين (ما أشبه اليوم بالغد بالبارحة) رافعين دعوي ضد الأغنية وصاحبها وكاتبها متهمينهم بالردة والكفر إذ يتساءل الرجل "جايين الدنيا مانعرف ليه .. ولا رايحين فين .. ولا عايزين إيه" منكرًا بذلك وجود القدر ومشيئة المولي جل وعلا، وهو الأمر الذي يبدو أن الرجل مُصرّ عليه منذ لحَّن لعبدالحليم قصيدة كامل الشناوي "لست قلبي" التي تطاول فيها علي القدر واصفا إياه بأنه "قدرٌ أحمق الخطي" فاعترض بعض علماء الدين وأصبحت الأغنية تذاع في الراديو بعد حذف هذا المقطع بينما يذيعها التليفزيون (وأحيانا إذاعة الأغاني) كاملة! طبعًا كنت علي معرفة جيدة بالاتهامات التي طالت الرجل في شخصه وفنه. كانت مواقفه السياسية الزئبقية والتي ساهمت في منحه تلك القائمة الطويلة من الألقاب والتكريمات، ومواقفه الشخصية المتسمة بالأنانية وإيثار الذات، واقتباساته الواضحة من موسيقي الآخرين أوضح من أن يتجاهلها أحد. لكني ظللت دائما في جبهة محبيه دونما شطط أو تأليه. للرجل عيوبه مثل أي إنسان، ومنها ماهو قاتل؛ لكن ذلك لم يحُل دون استمتاعي الغامر بموسيقاه وأغانيه التي استطعت أن أسجل كمية كبيرة منها بعد أن تأسست إذاعة الأغاني في النصف الثاني من التسعينيات وصار للرجل نصف ساعة كاملة يوميا في الواحدة ظهرا (قبل أن يغيروها في إطار عملية التجديد الشائهة لبرنامج الإذاعة) حتي أهداني صديقي المثقف السكندري العتيد محمد عبدالخالق ثلاثة سيديهات تضم معظم أعمال الرجل مرتبة وفقا لعقود إنتاجها في العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات قبل أن أقوم باستكمالها بعد أن صرت متعاملا جيدا مع الإنترنت. قررت أن أحيي ذكراه بنفسي. ملأت جهاز الإم بي ثري الصغير بمختارات من أغانيه وأخذت أردد معه وهو يغني لحبيبه المجهول: "ياهل تري الأيام .. ح تحقق الأحلام.. ولا تكون أوهام .. واتحققت في منام؟؟" شاعر سكندري

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل